فهرس الكتاب

الصفحة 2353 من 2431

و قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] .

حيث أكدت الآيتان أن عدة المطلقة ثلاث حيضات، أما في حق المتوفى عنها زوجها فهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وزيادة على المطلقة يجب على من توفي عنها زوجها الإحداد، وهو ترك الزينة والطيب ودهن الرأس بكل دهن والكحل المطيب.

قال تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة:234] .

فلا بد من عدة تنتظر المرأة فيها، فلا تتزوج زوجًا آخر؛ استبراء لرحمها من مظنة الحمل؛ وإحدادًا على الزوج السابق؛ وليتمكن الرجل فيها من مراجعة نفسه إذا كان الطلاق رجعيًا، وهذا من تمام حكمة الله عز وجل، حيث لم يسو بينهما لاختلاف طبيعة ظروف كل منهما، فعدة المتوفى عنها زوجها أكبر بسبب الحزن الذي تلاقيه بسب فراقه أما المطلقات فيكون الحزن أقل. 39.

رابعًا: اليسر ورفع الحرج:

اليسر ورفع الحرج في الشريعة الإسلامية راجع إلى الوسطية والاعتدال في الدين الإسلامي.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .

فالتوسط هو منبع الكمالات، والتخفيف والسماحة ورفع الحرج على الحقيقة هو في سلوك طريق الوسط والعدل، فالشارع الحكيم يبغي لنا اليسر ورفع الحرج ودفع المشقة، ويتدرج بنا صاعدًا في مدارج الرقي شيئًا فشيئًا، ويسير بنا من السهل إلى الأسهل، ومن الصعب إلى الأصعب أحيانًا تدريبًا لنا على احتمال صنوف الحياة في شتى صورها، أو يسير بنا من تكليف إلى تكليف آخر مساو له؛ لابتلائنا وامتحان قلوبنا، فتظهر طاعة المطيع وعصيان العاصي 40.

وكلما كان العمل بعيدًا عن الإفراط والتفريط وافق أحكام الشرع التي تدعو إلى اليسر ورفع الحرج «وإن رفع الحرج والسماحة والسهولة راجع إلى الاعتدال والوسط، فلا إفراط ولا تفريط، فالتنطع والتشدد حرج من جانب عسر التكليف، والإفراط والتقصير حرج فيما يؤدي إليه من تعطيل المصالح، وعدم تحقيق مصالح الشرع» 41.

فالوسطية في اليسر ورفع الحرج، وليس في التكليف والمشقة والعنت، وهذا هو ديدن رسول صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله فعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه) 42.

وهذا هو منطق الإسلام في التعامل مع الواقع، فإننا لا نجد في الشريعة أمرًا إلا وهو رحمة وتيسير وتسهيل، ولا نهيًا إلا وهو عن عنت وضنك وحرج.

ومن أدلة القرآن الكريم على اليسر ورفع الحرج والسماحة السماح لمن أصابه مرض، أو لحقه أذى أثناء حجه بفعل ما كان ممنوعًا عليه في حالة الصحة، والفدية عنه مقابل الرخصة التي رخص بها الحق تعالى تيسيرًا وتخفيفًا، وتعرف هذه الفدية بفدية الأذى.

قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة:196] 43.

وعلى أساس قاعدة اليسر ورفع الحرج التي تميز بها الإسلام، نزل قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198] .

قال السعدي: «لما أمر تعالى بالتقوى، أخبر تعالى أن ابتغاء فضل الله بالتكسب في مواسم الحج وغيره، ليس فيه حرج إذا لم يشغل عما يجب إذا كان المقصود هو الحج، وكان الكسب حلالًا منسوبًا إلى فضل الله، لا منسوبا إلى حذق العبد، والوقوف مع السبب، ونسيان المسبب، فإن هذا هو الحرج بعينه» 44.

وقال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173] .

وهذه القاعدة ليست مقصورة على محرمات المطاعم، بل عامة لكل ما يتحقق الاضطرار إليه لأجل الحياة واتقاء الهلاك، ولم يعارضه مثله أو ما هو أقوى منه 45.

لقد بنى الدين الاسلامي عباداته وغيرها على أساس اليسر، ورفع الحرج والعسر كما علل تعالى به رخصة الفطر في رمضان بقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] .

وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} [التوبة:91 - 92] .

فهؤلاء أصحاب أعذار ظاهرة، ينطق بها لسان الحال قبل أن ينطق بها لسان المقال؛ ولأن الشريعة الإسلامية قائمة على اليسر، ورفع الحرج عن المؤمنين، بدون تعنت ولا مشقة أو عسر في تكاليفها، فهؤلاء جميعًا ومن في حكمهم لا حرج عليهم في أن يتخلفوا عن ركب المجاهدين والجهاد في سبيل الله، الذي هو ذروة سنام الإسلام، وقد قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] 46.

وفي هذا يقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] .

أي: في حدود ما تحتمل، ففي هذه الآية تخفيف وعافية ويسر 47.

وبين تعالى جانبًا آخر من مظاهر اليسر ورفع الحرج في تشريعاته، فقال تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الأحزاب:5] .

فمن رحمة الله أنه لم يجعل أي حرج أو إثم فيما قمتم به من خطأ غير مقصود بنسبتكم بعض الأبناء الأدعياء إلى غير آبائهم، ولكننا نؤاخذكم ونعاقبكم فيما تعمدته قلوبكم من نسبة الأبناء إلى غير آبائهم الشرعيين 48.

وإذا عدم المسلم الماء أو تضرر باستعماله، فإن الله قد أباح له التطهر بما ينوب عنه، وهو التراب، وذلك للتيسير ورفع الحرج.

قال تعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة:6] .

وأخيرًا ومن الأدلة على أن الإسلام دين اليسر قول الرسول صلى الله عليه وسلم صراحة: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة) 49.

للوسطية في القرآن مجالات عدة، فلقد ظهرت وتجلت عظمة الإسلام العظيم، والقرآن القويم في التوازن المستقيم في جميع مجالات الدين، حيث العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات وحتى في التشريعات، فلا إفراطٌ ولا تفريط، وفيما يلي عرض لوسطية القرآن في تلك المجالات.

أولًا: الوسطية في العقيدة:

تظهر الوسطية في العقيدة أشد الوضوح، وهي من أبرز خصائص العقيدة الإسلامية، والتي يعبر عنها بالتوازن، ويتجلى ذلك في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) } [الرحمن:7 - 9] .

وفيما يلي بعض مظاهر الوسطية في العقيدة.

أولًا: وسط بين الخرافيين الذين يسرفون في الاعتقاد، فيصدقون بكل شيء، ويؤمنون بغير دليل ولا برهان، وبين الماديين الذين ينكرون كل ما وراء الحس، ولا يستمعون لصوت الفطرة، ولا نداء العقل، فالإسلام يدعو للاعتقاد والإيمان مقرونًا بالدليل القطعي والبرهان اليقيني، ويرفض كل ما خلا الدليل والبرهان مصداقًا لقوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) } [البقرة:111] .

قال الزمخشري: «هاتوا برهانكم هلموا حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة إن كنتم صادقين في دعواكم، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين. وأن كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت» 50.

ثانيًا: وسط بين الذين يؤلهون الإنسان ويعتبرونه ربًا يفعل ما يشاء، وبين الذين جعلوه أسير جبرية اقتصادية أو اجتماعية أو دينية، فهو كالريشة في مهب الريح، أو دمية يحرك خيوطها المجتمع، أو الاقتصاد أو القدر، فالإنسان في نظر الإسلام مخلوق مكلف مسؤول، سيد في الكون، عبد لله، قادر على تغيير ما حوله بقدر ما يغير ما بنفسه؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد:11] .

ثالثًا: وسط بين الملاحدة الذين لا يؤمنون بإله قط، كاتمين لصوت الفطرة في صدورهم، متحدين منطق العقل في رؤوسهم، وبين الذين يعددون الآلهة حتى عبدوا الأغنام والأبقار، وألهوا الأوثان والأحجار، فلإسلام يدعو إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، وكل ما عداه مخلوقات لا تملك ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فتأليهها شرك وظلم وضلال مبين.

قال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) } [الأحقاف:5] .

قال الرازي: «إن القول بعبادة الأصنام قول باطل، من حيث إنها لا قدرة لها البتة على الخلق والفعل والإيجاد والإعدام والنفع والضر، فأردفه بدليل آخر يدل على بطلان ذلك المذهب، وهي أنها جمادات فلا تسمع دعاء الداعين، ولا تعم حاجات المحتاجين، وبالجملة فالدليل الأول كان إشارة إلى نفي العلم من كل الوجوه، وإذا انتفى العلم والقدرة من كل الوجوه لم تبق عبادة معلومة ببديهة العقل، فقوله: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ} استفهام على سبيل الإنكار، والمعنى أنه لا امرًا أبعد عن الحق، وأقرب إلى الجهل ممن يدعو من دون الله الأصنام» 51.

رابعًا: وسط في أمر النبوة، لم ترفع الأنبياء إلى مقام الألوهية فيتجه الناس بالعبادة إليهم، كما اعتقد النصارى وغيرهم، ولم تنزل بهم إلى مستوى السفلة من الناس؛ فتنسب إليهم ارتكاب الموبقات، وفعل المنكرات كما افترى اليهود في توراتهم المحرفة، وإنما الأنبياء في العقيدة الإسلامية المتزنة هم خيرة خلقه وخصهم بوحيه وكلفهم تبليغ رسالته إلى الناس، وجعلهم قدوة وأسوة لأتباعهم، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } [الأحزاب:21] 52.

قال ابن عاشور: «في الآية دلالة على فضل الاقتداء بالنبيء صلى الله عليه وسلم وأنه الإسوة الحسنة لا محالة» 53.

ثانيًا: الوسطية في العبادة:

إن الناظر نظرة تمعن في العبادات الإسلامية الواجبة والمستحبة على المسلم يجد أنها تتسم بالوسطية والاعتدال، وأنها بعيدة كل البعد عن الغلو، فلا إفراط فيها ولا تفريط.

وقد جاء التوسط في العبادات الإسلامية منسجمًا مع نعمة الله تعالى على هذه الأمة المحمدية بأن جعلها أمة وسطًا، قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة:143] .

فبما أنها أمة وسطًا، فكذلك العبادات المفروضة عليها تتسم بالوسطية والاعتدال، فلا إفراط فيها كالنصارى، ولا تفريط كاليهود.

ويمثل النصارى منهج الإفراط؛ حيث ابتدعوا عبادات قاسية على النفس، تحرم الزواج، وتكبت الغرائز، وترفض كل أشكال الزينة، وطيبات الحياة، وبالغوا في ذلك حتى أصبحت العبادة في نظرهم لا تخرج عن تعذيب البدن.

وقد ذمهم الله تعالى حيث قال: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:27] .

قال المراغي: «فقد انقطعوا عن الناس في الفلوات والصوامع معتزلين الخلق، وحرموا على أنفسهم النساء، ولبسوا الملابس الخشنة؛ تبتلًا إلى الله وإخباتًا له، وما فرضناها عليهم ولكنهم استحدثوها» 54.

ويمثل اليهود منهج التفريط، ووصف القرآن بعدهم عن العبادة في قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) } [مريم:59] .

قال الزمخشري: «هم اليهود، تركوا الصلاة المفروضة، وشربوا الخمر، واستحلوا نكاح الأخت من الأب» 55.

وقال ابن كثير: «وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع؛ لأنها عماد الدين وقوامه، وخير أعمال العباد، وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها؛ فهؤلاء سيلقون غيًا أي: خسارة يوم القيامة» 56.

وقد جاء الإسلام وسطًا إزاء المنهجين، منهج التفريط في العبادة، ومنهج الإغراق في العبادة ونسيان حق البدن؛ ليعطي كل ذي حق حقه.

قال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) } [القصص:77] .

«أي: اطلب الآخرة فيما آتاك الله من الثروة والغنى بأن تتصدق، وتصل الرحم، ولا تنس أن تبقي لنفسك شيئًا يقيك العوز، ويمنعك من إراقة ماء وجهك» 57.

وقال تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ} [التغابن:16] .

قال ابن كثير: «أي: جهدكم وطاقتكم، وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) } [آل عمران:102] .

وقال: لما نزلت هذه الآية اشتد على القوم العمل فقاموا حتى ورمت عراقيبهم، وتقرحت جباههم فأنزل الله هذه الآية؛ تخفيفًا على المسلمين {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} فنسخت الآية الأولى» 58.

ثالثًا: الوسطية في الأخلاق:

جاء الإسلام وسطا في أخلاقياته، فلم ينظر إلى الإنسان باعتباره خيرًا محضًا أو شرًا محضًا، أي: لم يكن تعامله مع الإنسان على أنه ملك أو شيطان، وإنما تعامل معه بما يتوافق مع أصل فطرته وطبيعة تكوينه، فهو مخلوق مكلف مختار، صالح للطاعة أو المعصية، فيه الجانب المادي والجانب الروحي.

فلقد أمرنا الله برد الاعتداء الظالم علينا في قوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) } [البقرة:194] .

وقال: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى:40] .

قال النسفي: «والحرمات قصاصٌ أي: وكل حرمة يجري فيها القصاص، من هتك حرمة أي حرمة كان اقتص منه بأن تهتك له حرمه، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا» 59.

قال تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) } [النساء:148] .

قال السمعاني: «يجوز له أن يشتم، ولكن بمثل ما شتم، لا يزيد عليه، بما لم يكن قذفًا» 60.

فالإسلام يبيح لك رد الاعتداء، بينما النصارى بالغوا في العفو والتسامح، جاء في إنجيلهم: «وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم» 61.

ولا شك أنها نظرة مثالية محمودة، ولكنها ليست متوازنة؛ لأن الإنسان بطبيعته وفطرته يميل إلى الدفاع عن نفسه، ورد الاعتداء الواقع عليه، والانتقام ممن أهانه أو غض من كرامته، فإذا وقع الاعتداء، وطلب منه إلزامًا أن يعفو ويصفح، فلا شك أنه سيكبت غضبه وغيظه على كره ومضض، وسيحاول التنفيس عن غضبه وغيظه حينما تسنح الفرصة المناسبة، بينما الإسلام رغم أنه لم يذكر السف في القرآن إلا أنه لا يقبل التهاون الذي يصل إلى حد المذلة، والتفريط المهين.

والقرآن أظهر الوسطية في الأخلاق في كثير من الآيات، وقد ظهر ذلك واضحًا جليًا في ذمه للكبر، وذمه للذلة والمهانة، وكان وسطًا في ذلك.

قال تعالى في ذم الكبر: {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) } [غافر:27] .

قال الطبري: «إني استجرت أيها القوم بربي وربكم، من كل متكبر عليه، تكبر عن توحيده، والإقرار بألوهيته وطاعته، لا يؤمن بيوم يحاسب الله فيه خلقه» 62.

قال تعالى: {فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29) } [النحل:29] .

{وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (60) } [الزمر:60] .

وقال أيضًا: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) } [الإسراء:37] .

يقول السمعاني: «وفي المعنى وجهان: أحدهما: أن الإنسان إذا مشى مختالًا، فمرة يمشي على عقبيه، ومرة يمشي على صدور قدميه. فقال: لن تثقب الأرض إن مشيت على عقبيك، ولن تبلغ الجبال طولًا إن مشيت على صدور قدميك» 63.

وفي مقابل الكبر نجد الذل والضعف والخور، وبخاصة أمام أعداء الله، فإنه خلق لا يرضاه الله تعالى؛ فلذلك قال واصفًا المؤمنين بما هم عليه من خلق رفيع: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة:54] .

وفي هذا دلالة على أن الذل مسبة وعار، وليس خلقًا رفيعًا وسيرة محمودة؛ ولذلك فقد جعله الله عقوبة لمن عصاه، وتكبر على رسله وهداه، فقال: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} [البقرة:61] 64.

قال سيد قطب مبينًا أثر الذل على هؤلاء اليهود: «إن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفسادًا عميقًا، وليس أشد إفسادًا للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد، استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمردًا حين يرفع عنها السوط، وتبطرًا حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة» 65.

لقد اتصف اليهود بالكبر والتعالي والغطرسة حتى على أنبيائهم ورسلهم عليهم السلام، بل على ربهم حيث قالوا: {أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء:153] .

وقوله: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة:24] .

على الرغم من أن الله قد وصفهم في مواضع أخرى بالذل والجبن، لكنهم يتجبرون ويتغطرسون إن سنحت لهم الفرصة، بينما اتصف النصارى بالذل والجبن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت