فهرس الكتاب

الصفحة 1102 من 2431

فتلاوة كتاب الله تعني شيئًا آخر غير المرور بكلماته بصوت أو بغير صوت، تعني تلاوته عن تدبر، ينتهي إلى إدراك وتأثر، وإلى عمل بعد ذلك وسلوك، ومن ثم يتبعها بإقامة الصلاة، وبالإنفاق سرًا وعلانية من رزق الله، ثم رجاؤهم بكل هذا {تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} فهم يعرفون أن ما عند الله خير مما ينفقون، ويتاجرون تجارة كاسبة مضمونة الربح، يعاملون فيها الله وحده، وهي أربح معاملة، ويتاجرون بها في الآخرة، وهي أربح تجارة، تجارة مؤدية إلى توفيتهم أجورهم، وزيادتهم من فضل الله 180.

ومجيء الجملة فعلية يدل على مداومة القراءة وتجددها.

قال الألوسي: «أي: إنهم يداومون على قراءته حتى صارت سمة لهم وعنوانًا، كما يشعر به صيغة المضارع، ووقوعه صلة، واختلاف الفعلين» 181.

فعطف الماضيين (أقاموا، وأنفقوا) على المضارع (يتلون) ؛ لأن أوقات التلاوة أعم من أوقات الصلاة والزكاة، ويجوز أن يكون الماضيان سابقين على التلاوة، ويجوز أن تكون التلاوة في الصلاة.

فـ (يتلون) فعل مضارع و (أقاموا) فعل ماضي، والفعل المضارع يدل على الحال والتجدد والاستقبال والماضي مضى؛ وفي الآية ذكر تعالى أكثر ما يتجدد أولًا؛ لأن تلاوة القرآن أكثر من الصلاة، وإقامة الصلاة لا تكون إلا بقراءة القرآن، وقراءة القرآن تكون في كل وقت، وإقامة الصلاة هي أكثر من الإنفاق، إذن فالأفعال مرتبة في الآية بحسب الكثرة، وبحسب الاستمرار، فبدأ بالأكثر والأكثر استمرارًا، ثم بما دونها كثرة (الصلاة) ، ثم الأقل (الإنفاق) 182.

والمراد بكتاب الله: القرآن 183، ولا وجه لما قيل: إن المراد به جنس كتب الله.

قال أبو السعود: «والمراد بكتاب الله تعالى: القرآن، وقيل: جنس كتب الله، فيكون ثناء على المصدقين من الأمم بعد اقتصاص حال المكذبين منهم، وليس بذاك، فإن صيغة المضارع منادية باستمرار مشروعية تلاوته، والعمل بما فيه واستتباعهما لما سيأتي من توفية الأجور، وزيادة الفضل، وحملها على حكاية الحال الماضية مع كونه تعسفًا ظاهرًا مما لا سبيل إليه، كيف لا، والمقصود الترغيب في دين الإسلام، والعمل بالقرآن الناسخ لما بين يديه من الكتب! فالتعرض لبيان حقيقتها قبل انتساخها والإشباع في ذكر استتباعها لما ذكر من الفوائد العظيمة مما يورث الرغبة في تلاوتها، والإقبال على العمل بها، وتخصيص التلاوة بما لم ينسخ منها باطل قطعًا؛ لما أن الباقي مشروعًا ليس إلا حكمها؛ لكن لا من حيث أنه حكمها، بل من حيث إنه حكم القرآن، وأما تلاوتها فبمعزل من المشروعية، واستتباع الأجر بالمرة، فتدبر!» 184.

والمقصود: أن من صور الذكر وأعظمها قراءة القرآن، فقد جاء الترغيب في تلاوة القرآن، ولو في غير صلاة، ومن غير وضوء، ويؤجر المسلم على مجرد ترديد لفظه، ولو من غير فهمه، إلا أنه إذا ضم إلى التلاوة فهمًا زاد بذلك أجرًا على أجر، بل إن قراءة القرآن أفضل من الذكر والدعاء، وقد سئل ابن تيمية عمن يحفظ القرآن أيما أفضل له تلاوة القرآن أم الذكر؟

فأجاب: «جواب هذه المسألة ونحوها مبني على أصلين: فالأصل الأول أن جنس تلاوة القرآن أفضل من جنس الأذكار، كما أن جنس الذكر أفضل من جنس الدعاء» 185.

سابعًا: الحسبلة:

ومن صور الذكر الواردة في القرآن قول: حسبنا الله ونعم الوكيل، وقد أثنى الله سبحانه على أهل التوحيد والتوكل من عباده، حيث أفردوه بالحسب، حيث قال: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173 - 174] .

فهؤلاء قالوا هذه الكلمة العظيمة (حسبنا الله ونعم الوكيل) أي: قالوا معبرين عن صادق إيمانهم بالله: الله يكفينا ما يهمنا من أمر الذين جمعوا الجموع لنا، فهو لا يعجزه أن ينصرنا على قلتنا وكثرتهم، أو يلقى في قلوبهم الرعب، فيكفينا شر بغيهم وكيدهم، وقد كان الأمر كما ظنوا، فألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان وجيشه على كثرة عددهم، وتوافر عددهم، فولوا مدبرين، وكان في ذلك عزة لله ولرسوله وللمؤمنين 186.

فـ {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} يعني: نعيم بن مسعود، وإنما أراد به جنس الناس، وكان رجلًا واحدًا {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} يعني: أبا سفيان وأصحابه {فَاخْشَوْهُمْ} ولا تخرجوا إليهم {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا} أي: تصديقًا ويقينًا، وجرأة على القتال {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} أي: ثقتنا بالله، وأيقنوا أن الله لا يخذل محمدًا صلى الله عليه وسلم {وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} أي: نعم الثقة لنا {فَانْقَلَبُوا} انصرفوا {بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ} أي: بأجر من الله {وَفَضْلٍ} يعني: ما تسوقوا به من السوق، واشتروا الأشياء بسعر رخيص {لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} يعني: قتال {وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} أي: ذو من عظيم 187.

والحاصل: أنه يستحب قول هذا الذكر وهذه الكلمة عند الغم، والأمور العظيمة 188.

وهي الكلمة التي قالها المؤمنون هنا، كما في هذه الآية، وهي التي قالها إبراهيم عليه السلام حينما ألقي في النار، فقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: «حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار» 189.

وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران: 173] 190.

فالحسبلة مقتضى التوكل، وإنما يكون التوكل على الله وحده، كما قال لنبيه: {قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38] .

أي: عليه وحده، بدلالة تقديم الظرف، ومثله في هذا الحصر آيات كثيرة.

وقال في المنافقين: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] .

أي: لكان خيرًا لهم، علمهم الله تعالى أن يسندوا الإعطاء من الصدقات إلى الله؛ لأنه المعطي الذي فرض الصدقات وأوجبها، وإلى رسوله؛ لأنه هو الذي يقسمها، وأن يسندوا كفاية الإحساب إلى الله وحده، وتكون رغبتهم إلى الله وحده، ولم يأمرهم أن يقولوا: حسبنا الله ورسوله؛ إذ لا يكفي العباد إلا ربهم وخالقهم، كما قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [الزمر: 36] .

ولا سيما الكفاية الكاملة التي يعبر عنها بحسبك، أي: التي يقول فيها المكفى: حسبي حسبي، وهي المرادة هنا -كما تقدم-، وإذا كان دأب آحاد المؤمنين وهجيراهم (حسبنا الله ونعم الوكيل) فأنبياء الله ورسله أولى بهذا؛ لأنهم أكمل توحيدًا وتوكلًا من غيرهم، وناهيك بخاتمهم وأفضلهم صلى الله عليه وسلم، ثم ناهيك بوعد الله تعالى إياه بهذه الكفاية 191.

فإذا وفق الله عبدًا توكل بحفظه وكلاءته، وهدايته وإرشاده، وتوفيقه وتسديده، وإذا خذله وكله إلى نفسه أو إلى غيره؛ ولهذا كانت هذه الكلمة: «حسبنا الله ونعم الوكيل» كلمةً عظيمةً، قال من سبق ذكرهم من الأنبياء والصالحين، وممن قالها أيضًا عائشة رضي الله عنها حين ركبت الناقة لما انقطعت عن الجيش، وهي كلمة المؤمنين، فمن حقق التوكل على الله لم يكله إلى غيره، وتولاه بنفسه، وحقيقة التوكل: تكلة الأمور كلها إلى من هي بيده، فمن توكل على الله في هدايته وحراسته وتوفيقه وتأييده ورزقه، وغير ذلك من مصالح دينه ودنياه تولى اللًه مصالحه كلها، فإنه تعالى ولي الذين آمنوا، وهذا هو حقيقة الوثوق برحمة الله، فمن وثق برحمة ربه ولم يثق بغير رحمته، فقد حقق التوكل على ربه في توفيقه وتسديده، فهو جديرٌ بأن يتكفل الله بحفظه، ولا يكله إلى نفسه 192.

فمدحوه سبحانه بأنه نعم الوكيل، والوكيل لا يستحق المدح إذا لم يجلب لمن توكل عليه منفعة، ولم يدفع عنه مضرة، والله خير من توكل العباد عليه، فهو نعم الوكيل يجلب لهم كل خير، ويدفع عنهم كل شر.

وقال تعالى: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا} [المزمل: 9] .

وقال: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا} [الإسراء: 2] .

فأمر أن يتخذ وكيلًا، ونهى أن يتخذ من دونه وكيلًا؛ لأن المخلوق لا يستقل بجميع حاجات العبد، والوكالة الجائزة أن يتوكل الإنسان في فعل يقدر عليه، فيحصل للموكل بذلك بعض مطلوبه، فأما مطالبه كلها فلا يقدر عليها إلا الله، وذاك الذي يوكله لا يفعل شيئًا إلا بمشيئة الله وقدرته، فليس له أن يتوكل عليه وإن وكله، بل يعتمد على الله في تيسير ما وكله فيه، فلو كان الذي يحصل للمتوكل على الله يحصل وإن توكل على غيره، ويحصل بلا توكل لكان اتخاذ بعض المخلوقين وكيلًا أنفع من اتخاذ الخالق وكيلًا، وهذا من أقبح لوازم هذا القول الفاسد؛ لأن التوكل على الخلق يشهد نفعه 193.

فالحسيب: هو الكافي، والوكيل: فعيل من التوكل، أي: متوكلًا عليه، تفوضون إليه أموركم، فيوصل إليكم النفع، ويكف عنكم الضر، أي: ربًا تكلون إليه أموركم.

قال ابن الجوزي: «قيل للرب: وكيل؛ لكفايته وقيامه بشئون عباده، لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل» 194.

وقال القرطبي: «وكيلًا، أي: شريكًا» 195.

والمعاني متقاربة، ومرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الوكيل: من يتوكل عليه، فتفوض الأمور إليه، ليأتي بالخير، ويدفع الشر، وهذا لا يصح إلا لله وحده جل وعلا؛ ولهذا حذر من اتخاذ وكيل دونه؛ لأنه لا نافع ولا ضار، ولا كاف إلا هو وحده جل وعلا، عليه توكلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ونظير الآية السابقة قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 129] .

وقوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 59] .

وقوله: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 62] .

وقوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64] .

ثامنًا: التكبير:

ومن صور الذكر القرآني: التكبير، وقد أمر الله به في قوله: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} [الإسراء: 111] .

ونظيرها قوله تعالى: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} [المدثر: 3] .

والتكبير: التعظيم، وهو مصدر كبر بمعنى: عظم، وهو قول: الله أكبر.

والتكبير أبلغ لفظة للعرب في معنى التعظيم والإجلال، وفي الأمر بذلك بعد ما تقدم مؤكدًا بالمصدر المنكر من غير تعيين لما يعظم به تعالى إشارة إلى أنه مما لا تسعه العبارة، ولا تفي به القوة البشرية، وإن بالغ العبد في التنزيه والتمجيد واجتهد في العبادة والتحميد فلم يبق إلا الوقوف بإقدام المذلة في حضيض القصور، والاعتراف بالعجز عن القيام بحقه جل وعلا 196.

والأمر هنا {وَكَبِّرْهُ} وإن كان للرسول صلى الله عليه وسلم فهو أمر للناس جميعًا على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه. ومعنى: {وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} أي: قل: الله أكبر، الله أكبر، تكبيرًا مطلقًا، من غير مقايسة أو مفاضلة، الكبير في كل مقام، فهو سبحانه الكبير المتعال، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

وقد يحمل المعنى على ما هو أشمل، أي: عظمه تعظيمًا 197.

قال الرازي في هذا التكبير: «يحتمل أنواعًا من المعاني:

أولها: تكبيره في ذاته، وهو أن يعتقد أنه واجب الوجود لذاته، وأنه غني عن كل ما سواه.

وثانيها: تكبيره في صفاته؛ وذلك من ثلاثة أوجه:

أولها: أن يعتقد أن كل ما كان صفة له فهو من صفات الجلال والعز والعظمة والكمال، وهو منزه عن كل صفات النقائص.

وثانيها: أن يعتقد أن كل واحد من تلك الصفات متعلق بما لا نهاية له من المعلومات، وقدرته متعلقة بما لا نهاية له من المقدورات والممكنات.

وثالثها: أن يعتقد أنه كما تقدست ذاته عن الحدوث، وتنزهت عن التغير والزوال والتحول والانتقال، فكذلك صفاته أزلية قديمة سرمدية منزهة عن التغير والزوال والتحول والانتقال.

النوع الثالث: من تكبير الله تكبيره في أفعاله.

النوع الرابع: تكبير الله في أحكامه، وهو أن يعتقد أنه ملك مطاع، وله الأمر والنهي، والرفع والخفض، وأنه لا اعتراض لأحد عليه في شيء من أحكامه يعز من يشاء، ويذل من يشاء.

النوع الخامس: تكبير الله في أسمائه، وهو أن لا يذكر إلا بأسمائه الحسنى، ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة العالية المنزهة.

النوع السادس: من التكبير هو أن الإنسان بعد أن يبلغ في التكبير والتعظيم والتنزيه والتقديس مقدار عقله وفهمه وخاطره يعترف أن عقله وفهمه لا يفي بمعرفة جلال الله، ولسانه لا يفي بشكره، وجوارحه وأعضاؤه لا تفي بخدمته، فكبر الله عن أن يكون تكبيره وافيًا بكنه مجده وعزته، وهذا أقصى ما يقدر عليه العبد الضعيف من التكبير والتعظيم» 198.

والحاصل: أن هذه آية عظيمة ختمت بها سورة الإسراء، وقد احتوت على الأمر بحمد الله والتكبير.

وروى غير واحد أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم الغلام من بني عبد المطلب إذا أفصح {الْحَمْدُ لِلَّهِ} إلى آخر الآية سبع مرات، وسماها عليه الصلاة والسلام آية العز 199.

وقال ابن كثير: «عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أهله كبيرهم وصغيرهم هذه الآية {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} » 200.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «قول العبد: الله أكبر خير من الدنيا وما فيها» 201.

والمقصود أن التكبير هنا ورد ذكرًا مطلقًا، ولم يحدد بوقت معين، ولفظه: الله أكبر، ومعناه: أي: عظمه وأجله عما يقول الظالمون المعتدون تعظيمًا كبيرًا، فذلك التعظيم الذي يتناسب مع جلاله وعظمته وقدسيته، فهو الكبير المتعال في ذاته باعتقاد أنه واجب الوجود لذاته، وأنه غني عن كل الوجود وفي صفاته، فله صفات الكمال، المنزه عن كل صفات النقصان، وفي أفعاله: فلا يحدث شيء في ملكه إلا بمقتضى حكمته ومشيئته، وفي أحكامه: فله مطلق الأمر والنهي والعز والذل، لا معقب لحكمه، ولا اعتراض لأحد على شيء من أحكامه، وفي أسمائه: فلا يذكر إلا بأسمائه الحسنى، ولا يوصف إلا بصفاته المقدسة العالية.

وقد جاء التكبير في القرآن ذكرًا مقيدًا بعد انتهاء بعض العبادات، قال تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185] .

وقال: {كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37] .

ففي الآية الأولى التكبير عند إكمال شهر رمضان، يوم الفطر 202، والآية الثانية في الأضاحي 203.

تاسعًا: الاسترجاع:

ومن صور الذكر الوارد في القرآن: الاسترجاع، وهو قول العبد: إنا لله وإنا إليه راجعون.

قال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156 - 157] .

ففي هذه الآية أخبر الله أن المؤمن إذا سلم الأمر إلى الله، ورجع واسترجع عند المصيبة كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى.

ومعنى: {قَالُوا} أي: نطقوا بهذا الذكر العظيم، ولم يرد به القول اللساني فقط، بل لا بد أن يكون معه اعتقاد وعمل، فمن شرط اللفظ: العمل بمقتضاه، وهو أنه يصبر ويحتسب، فإن قاله قولًا فقط فلا فائدة فيه، وإن صبر ولم يقله فقد قاله بلسان الحال، ويحصل له (الأجر) وإن فعل الأمرين أخلفه الله الخير في الدنيا، وأعظم له الأجر في الآخرة.

قال أبو السعود: «وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب، بأن يتصور ما خلق له، وأنه راجع إلى ربه، ويتذكر نعم الله تعالى عليه، ويرى أن ما أبقى عليه أضعاف ما استرده منه، فيهون ذلك على نفسه، ويستسلم» 204.

{إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} يعني يقولون: نحن عبيد الله وفي ملكه، إن عشنا فعليه أرزاقنا، وإن متنا فإليه مردنا، وإليه راجعون بعد الموت، ونحن راضون بحكمه.

إنا لله كلنا، كل ما فينا، كل كياننا وذاتيتنا لله، وإليه المرجع والمآب في كل أمر، وفي كل مصير، التسليم المطلق، تسليم الالتجاء الأخير المنبثق من الالتقاء وجهًا لوجه بالحقيقة الوحيدة، وبالتصور الصحيح 205. فإذا علم العبد أنه وجميع أهله وماله ملك لله طابت نفسه، وهانت عليه مصيبته.

ثم قال: {أُولَئِكَ} يعني: أهل هذه الصفة، إشارة إلى الصابرين باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت، ومعنى البعد فيه للإيذان بعلو رتبتهم 206.

{عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ} الصلاة اسم مشترك المعنى، فهي من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الناس الدعاء 207. والصلاة هنا المراد بها الرحمة، وجمعها؛ لإرادة التكرار عليهم 208.

وقد تحمل الصلاة من الله تعالى هنا على ثلاثة أشياء: توفيق الطاعة، والعصمة عن المعصية، ومغفرة الذنوب جميعًا، فبالصلاة الواحدة تتكون لهم هذه الأشياء الثلاثة، فقد وعد لهم الصلوات الكثيرة، ومقدار ذلك لا يعلمه إلا الله 209.

{وَرَحْمَةٌ} أي: عليهم رحمات كثيرة متعددة، ورحمة أخرى أعظم من الجميع، فلذلك أفردها بالذكر، وعطفها عليها، وليس فيه تكرار بوجه 210.

ثم قال: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} أي: الموفقون للاسترجاع، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: لم يكن الاسترجاع إلا لهذه الأمة، ألا ترى أن يعقوب عليه السلام قال: {يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] .

فلو كان له الاسترجاع لقال ذلك 211. فـ {الْمُهْتَدُونَ} أي: الذين اهتدوا إلى طريق الحق؛ فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية.

والمقصود: أن هذه كلمة عظيمة يستحق عليها الإنسان المؤمن الثواب العظيم، وهو من أعظم الذكر الوارد في القرآن.

وقد جعل سبحانه هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب؛ لما جمعت من المعاني المباركة، من توحيد الله سبحانه، والإقرار له بالعبودية، والبعث من القبور، واليقين بأن رجوع الأمر كله إليه، كما هو له، قال الفخر: «قال أبو بكر الوراق: {إِنَّا لِلَّهِ} إقرار منا له بالملك {وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} إقرار على أنفسنا بالهلاك» .

وفى هذا التركيب العجيب من لطائف اللطائف وعوارف المعارف ما يدق ويرق، وما هو بهذا النظام أليق وأخلق، وحسب الإنسان أن يذكر في محنته أن لله بدأه، ولله نهايته؛ ليكون لله فيما بينهما {قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} [آل عمران: 154] .

أما البشرى فقد أشارت إلى مضمونها الآية الكريمة في قوله تعالى: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 157] .

سمعها عمر رضي الله عنه فقال: «نعم العدلان، ونعمت العلاوة» 212.

فما أروعها من جملة، وما أطيبها من كلمة، جامعة مانعة، تجمع بين السهولة والقوة؛ سهولة اللفظ، وقوة المعنى، وبين العبودية والعزة، عبودية المخلوق للخالق؛ وعزة المخلوق بخالقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت