أحدها: ضعيف البصر، قاله سفيان.
الثاني: ضعيف البدن، حكاه ابن عيسى.
الثالث: أعمى، قاله سعيد بن جبير وقتادة.
الرابع: قليل المعرفة وحيدًا، قاله السدي.
الخامس: ذليلًا مهينًا، قاله الحسن.
السادس: قليل العقل.
السابع: قليل المعرفة بمصالح الدنيا وسياسة أهلها.
ويلاحظ من خلال تعبيرهم بالضعف أنه يحتمل هذه المعاني كلها في نظرهم.
{وَلَوْلَا رَهْطُكَ} فيه وجهان:
أحدهما: عشيرتك، وهو قول الجمهور.
الثاني: لولا شيعتك، حكاه النقاش.
{لَرَجَمْنَاكَ} فيه وجهان:
أحدهما: لقتلناك بالرجم.
الثاني: لشتمناك بالكلام.
{وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} فيه وجهان:
أحدهما: بكريم.
الثاني: بممتنع لولا رهطك 59.
وتلك سنة متبعة درجت عليها الأمم مع أنبيائها عليهم السلام، فقد استهزأ قوم نوح به عليه السلام.
قال تعالى: {وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ} [هود:38] .
واستهزأت عاد بهود: عليه السلام {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) } [الشعراء:187] .
واستهزأت ثمود بصالح، عليه السلام.
قال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ} [الأعراف:66] .
واستهزؤوا بشعيب: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) } [هود:87] .
واستهزأ فرعون بموسى عليه السلام.
قال سبحانه: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) } [الزخرف:52] 60.
أما التكذيب فهو ما جاءت به الآيات الآتية:
قال تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) } [الشعراء:185 - 186] .
وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) } [العنكبوت:36 - 37] 61.
فقد هدد الملأ وهم كبار القوم من قومه شعيبًا عليه السلام بالطرد والتهجير من بلده: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) } [الأعراف:88 - 89] .
وهذا النوع من التهديد يفعل مع جميع الأنبياء، ومن بعدهم الدعاة المخلصون، كما قال تعالى عن نبي الله لوط عليه السلام: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) } [الأعراف:82] .
وقال تعالى عن محمد صلى الله عليه وسلم: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) } [التوبة:40] 62.
هدد قوم شعيب النبي شعيبًا بالقتل بالرجم، والرجم من شر القتلات، قال الله تبارك وتعالى إخبارًا عن قوم شعيب: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) } [هود:91] .
فلم يكتفوا باستكبارهم عن اتباع الحق الذي جاء به نبيهم، بل واجهوه بأنهم لولا عشيرته وقبيلته لرجموه بالحجارة حتى القتل وتخلصوا منه.
فقال لقومه: {قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) } [هود:92] .
أي: أتخافون من قبيلتي وعشيرتي وتراعونني بسببهم وخوفًا منهم ولا تخافون عذاب الله، وجعلتم أمر الله وراء ظهوركم لجهلكم وتكبركم، والله سبحانه عليم بما تعملونه لا يخفى عليه شيء، محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم القيامة 63 ..
والرهط: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة، وقيل: يقال إلى الأربعين، قال: {تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ} [النمل:48] والمراد لولا عشيرتك وقالوا لولا رهطك على سبيل التقليل والاحتقار 64.
ثانيًا: إنذار شعيب قومه بالعذاب ووقوعه بالفعل:
لم تجد وسائل الإصلاح اللينة والكلمة الطيبة بقوم شعيب، فتحول أسلوبه من لين القول إلى الإنذار بالعذاب، وطلب المغفرة من الله والتوبة إليه، فازداد تعنتهم وإعراضهم، وأمهلهم ليصلحوا شأنهم أو يترقبوا إنزال العقاب بهم، فلم يبدلوا حالهم، فكانت النتيجة عقابهم بالصيحة التي دمرتهم، وإنجاء المؤمنين، وهذا ما سجله القرآن الكريم في الآيات الآتية:
{وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) } [هود:93 - 95] 65.
ولما يئس شعيب عليه السلام من إجابتهم دعوته، حسم الموقف قائلا: يا قوم، اعملوا على طريقتكم، واعملوا كل ما في وسعكم وطاقتكم من إلحاق الشر بي، فإني عامل أيضا على طريقتي بما آتاني الله من القدرة، أي: فأنتم ثابتون على الكفر والضلال، وأنا ثابت على الدعوة إلى عبادة الله والثقة بقدرته، ولسوف تعلمون من ينزل به عذاب يخزيه ويذله في الدنيا والآخرة، ومن هو كاذب في قوله مني ومنكم، وانتظروا ما أقول لكم من إيقاع العذاب، إني معكم رقيب منتظر، وهذا وعيد وتهديد لمن يفهم ويدرك المقال 66.
أنعم الله تعالى على قوم شعيب عليه السلام بمختلف النعم بصفة عامة، شأنهم في ذلك شأن سائر الأمم السابقة واللاحقة بهم، لقوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل:53] .
وقوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [إبراهيم:34] .
وقوله سبحانه: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) } [النحل:18] 67.
وذلك لأن نعم الله تعالى على عبيده لا يمكن عدها وحصرها؛ لأن كل ما أودع الله في السماء والأرض والأجسام من المنافع واللذات التي ننتفع بها، وكذلك الجوارح والأعضاء التي نستعملها، وما خلق الله تعالى في العالم هو من نعم الله تعالى 68.
أما نعم الله الخاصة على قوم شعيب عليه السلام فهي ما ورد في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [الأعراف:86] وهذه الآية كقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) } [الأنفال:26] 69.
فقد ذكرهم نبيهم شعيب عليه السلام بنعم الله عليهم الخاصة بهم حين كانوا قلة فكثروا، وفقراء فاغتنوا، وضعفاء فتقووا، ولفت نظرهم إلى ضرورة الاتعاظ بأحوال من سبقهم أو جاورهم من الأمم والشعوب الخالية، فإنهم حين كذبوا الرسل وكفروا بالله، دمرهم الله واستأصلهم وأبادهم وجعلهم عبرة لمن جاء بعدهم 70.
وقد حكى الإمام الزجاج في قوله تعالى: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} ثلاثة أوجه:
«أحدها: كثر عددكم بعد القلة، قال ابن عباس رضي الله عنه: وذلك أن مدين بن إبراهيم تزوج زينا بنت لوط وولد آل مدين منها.
والثاني: كثركم بالغنى بعد الفقر.
والثالث: كثركم بالقوة بعد الضعف.
وذكر بعض المفسرين وجهًا رابعًا: أنه كثرهم بطول الأعمار بعد قصرها من قبل» 71.
قال أبو حيان أثير الدين الأندلسي: «المراد مجموع الأقوال الأربعة، فإنه تعالى كثر عددهم وأرزاقهم، وطول أعمارهم، وأعزهم بعد أن كانوا على مقابلاتها» 72.
وصيغة الأمر في قوله: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} في الآية المذكورة تدل على وجوب ذكر النعمة على سبيل الشكر والاعتراف بنعم الله تعالى بأن كثر جماعتهم بعد أن كانوا قليلا عددهم، وأن رفعهم من الذلة والخساسة، وأغناهم بعد أن كانوا فقراء، وقواهم بعد أن كانوا ضعفاء، وما يستوجب ذلك من الإيمان بالله تعالى وطاعته، وكأنه يقول لهم: فاشكروا الله الذي أنعم عليكم بذلك، وأخلصوا له العبادة، واتقوا عقوبته بالطاعة، واحذروا نقمته بترك المعصية 73.
والتذكير بنعمة الله تعالى طريق من طرق مواعظ الرسل.
قال تعالى حكاية عن هود عليه السلام: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69] .
وقال عن شعيب عليه السلام: {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف:86] .
وقال الله لموسى عليه السلام: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم:5] .
وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) } [الأنفال:26] 74.
ويكون المراد من التذكير بالنعم ما يأتي:
1.أن في جملة النعم ما يشهد بصدق النبي شعيب وبرسالته التي جاء بها.
2.أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بالله ورسوله.
3.أن التذكير بالنعم الكثيرة يوجب الحياء من الله تعالى عن إظهار المخالفة.
4.أن التذكير بالنعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر الناس بها، ومن خصَّ أحدًا بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم لما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه، فكأن تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة 75.
لما وصل النبي شعيب عليه السلام مع قومه إلى طريق مسدود، ويئس من إجابتهم، فوض أمره إلى الله تعالى، الذي يعتمد عليه الإنسان في أموره كلها؛ لأنه الكافي لمن توكل عليه قائلًا: {عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا} [الأعراف:89] .
ثم فزع عليه السلام إلى ربه بالدعاء على قومه بالهلكة وتعجيل النقمة، إذ أيس من فلاحهم، وانقطع رجاؤه من إذعانهم لله بالطاعة والإقرار له بالرسالة، وخاف على نفسه وعلى من اتبعه من مؤمني قومه من فسقهم، فقال: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89] .
أي: احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم، وأنت خير الفاتحين، أي: خير الحاكمين، فإنك العدل الذي لا يجور أبدًا، فاستجاب الله دعاءه، فأهلكهم بالرجفة، ومنه قوله تعالى: {يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} [البقرة:89] .
وقوله: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} [الأنفال:19] .
والاستفتاح هو: الإنصاف في الدعاء، والاستنصار، وطلب الحكم بالحق 76.
ومثل ذلك قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) } [الأنبياء:112] .
وهذا الدعاء كانت تقوله الأنبياء لما أخرجه ابن جرير وابن كثير عن قتادة أنه قال: كانت الأنبياء عليهم السلام يقولون: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف:89] .
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك، وأخرجوا كذلك عن مالك عن زيد بن أسلم: كان رسول الله عليه السلام إذا شهد قتالا قال رب احكم بالحق 77.
فأجابهم شعيب عليه السلام على سبيل التهديد والوعيد لهم بعذاب الله: {وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود:93 - 94] .
وفي الشعراء قال لهم: {قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) } [الشعراء:188] .
يعني: هو عالم بأعمالكم، فإن أراد أن يبقيكم، وإن أراد أن يهلككم أهلككم، وإن شاء عجل لكم العذاب، وإن شاء أخره إلى أجل معلوم، وما علي إلا البلاغ، وأنا مأمور به، فلم أنذركم من تلقاء نفسى، ولا أدعي القدرة على عذابكم 78.
وقد ذكر تعالى صفة عاقبة أهل مدين، وكيف كان هلاكهم في ثلاثة مواطن من كتاب الله تعالى، وذكر تعالى أنهم عذبوا بأنواع مختلفة من العذاب في كل موطن من المواطن الثلاثة بصفة تناسب ذلك السياق الذي وردت فيه، كما تناسب الموقف الصادر من قوم شعيب تجاه نبيهم عليه السلام، ويمكن تفصيل هذه الأنواع من العذاب فيما يأتي:
أولًا: العذاب بالرجفة:
قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) } [الأعراف:90 - 93] .
وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37) } [العنكبوت:36 - 37] .
أي: رجفت بهم أرضهم وزلزلت -بمشيئة الله وقدرته- زلزالًا شديدًا، أزهقت أرواحهم فأصبحت جثثهم جاثيةً، لا أرواح فيها، ولا حركات ولا حواس، فأصبحوا في دارهم جاثمين، أي: ساقطين على ركبهم ووجوههم، وذلك لأنهم قالوا لنبيهم: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف:88] .
فأرجفوا نبي الله عليه السلام ومن اتبعه، فأخذتهم الرجفة، فكانت جزاء على إرجافهم 79.
والرجفة في اللغة: الزلزلة الشديدة، قال الطبري: والرجفة مَيْدُ الأرض بهم وزلزلتها عليهم وتداعيها بهم، وذلكَ نحوٌ من الخسف، ومنه الإرجاف بالأخبار، و «الجثوم» في هذا الموضع تشبيه، أي: كان همودهم على الأرض كالجثوم الذي هو للطائر والحيوان 80.
وقد وصف الله تعالى عذاب قوم شعيب بما وصف به يوم القيامة.
قال تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) } [النازعات:6 - 8] .
وكذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14) } [المزمل:14] 81.
ثانيًا: العذاب بالصيحة:
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95) } [هود:94 - 95] .
والصيحة: هي الصوت المدوي العالي، الذي يصم الآذان من شدته وعلوه، وهذه الصيحة ناتجة عن الرجفة والزلزلة، فلما انشقت الأرض، حدث انفجار بركاني كبير مدوٍّ، وسمعوا صوت ذلك الانفجار، فأصيبوا بالفزع والهلع 82.
وذلك لأنهم استهزؤوا بنبي الله شعيب عليه السلام في قولهم: {أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) } [هود:87] .
قالوا ذلك على سبيل التهكم والازدراء، فناسب أن تأتيهم صيحة تسكتهم عن آخرهم 83.
ثالثًا: عذاب يوم الظلة:
قال تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) } [الشعراء:185 - 191] .
وهاهنا قالوا: {فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} الآية، على وجه التعنت والعناد، فناسب أن يحقق عليهم ما استبعدوا وقوعه فأخذهم عذاب يوم الظلة 84.
قوله تعالى: {كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: جانبًا من السماء، قاله الضحاك، الثاني: قطعا، قاله قتادة، الثالث: عذابا، قاله السدي 85.
والظلة: سحابة أظلتهم، فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها مما نالهم من حر ذلك اليوم، ثم أطبقت عليهم، فكان أعظم يوم في الدنيا عذابا، وذلك معنى قوله: {إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) } [الشعراء:189 - 190] 86.
قال ابن عطية: «ويوم الظلة هو يوم عذابهم وصورته فيما روي أن الله امتحنهم بِحَرٍّ شديد، فلما كان في ذلك اليوم غشي بعض قُطْرِهِمْ سحابٌ فجاء بعضهم إلى ظله فأحس فيه بردًا وروحًا فتداعوا إليه، حتى تكاملوا فيه فاضْطَرَمَتْ عليهم تلك السحابة نارًا فأحرقتهم من عند آخرهم، وللناس في حديث يوم الظلة تطويلات لا تثبت، والحق أنه عذاب جعله الله ظلة عليهم، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه قال: من حدثك ما عذاب يوم الظلة فقد كذب، وباقي الآية بين.