فهرس الكتاب

الصفحة 457 من 2431

فلذلك يفكر أن من الخير له أن يمسك عن الإنفاق، وعن المعروف الذي سيقدمه للناس؛ كي تدوم له دنياه، ناسيًا أو متناسيًا أن الله يخلف على عبده، كما قال تعالى: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ? وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ? وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39] .

ولعل هذا من بين الأسباب التي من أجلها ذم الله عز وجل حب الدنيا، والمحبين لها، إذ يقول الله سبحانه: (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ(20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21 ) ) [القيامة: 21 20] .

ويقول سبحانه: (اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ?2?الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ? أُولَ?ئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ?3?) [إبراهيم: 2 - 3] .

إن الواقع الذي يعيشه البخيل -سواء كان البيت أو المجتمع- إذا كان هذا الواقع معروفًا بالشح، ولم تكن لدى هذا الشخص المناعة الكافية، قد يتأثر بهذا الوقع المر، وتنتقل عدواه إليه، فيبخل بكل ما لديه من مال أو غيره، سواء كان في يده أو في يد غيره؛ ولهذا المعنى وغيره أكد الإسلام على ضرورة نظافة وطهارة واستقامة المجتمع المسلم، والحفاظ عليه من الآفات.

بسبب إهمال الإنسان نفسه عن المجاهدة قد يقع في الشح دون أن يعلم، والسبب في ذلك: أن من طبيعة الإنسان أنه مجبول بفطرته على الشح كما بينا سابقًا، كما قال سبحانه: (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) [النساء: 128] .

وقال سبحانه: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ?6?وَإِنَّهُ عَلَى? ذَ?لِكَ لَشَهِيدٌ ?7?وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ?8?) [العاديات: 6 - 8] .

فقد يستسلم الإنسان لفطرته دون أية مجاهدة، فيقع في الشح ويتمكن منه، ويصعب عليه بعد ذلك علاجه.

قد يكون الكبر والحقد من أسباب الوقوع في الشح، والسبب في ذلك: أن المتكبر يرى نفسه فوق الناس، وذلك بسبب اتباعه هواه، ووسوسة نفسه الأمارة بالسوء له، وطاعته لشياطين الجن والإنس، فيزينون له: ألا يعطي مما عنده شيئًا للآخرين؛ لأنهم هم المطالبون بخدمته وقضاء حوائجه، لا أن يكون هو في خدمتهم وحاجتهم، وحينئذ يقع في آفة الشح، والعياذ بالله.

وكذلك الحقد من بين الأسباب التي توقع في الشح، لأن المرء إذا كان حاقدًا على غيره فإنه سيسعى جاهدًا ألا ينفعه بنافعة من نفس، أو مال، أو هما معا، وهذا أمر بديهي، فقد أشار إليه ربنا جل وعلا في كلامه حين تحدث عن موقف الأنصار من المهاجرين فقال: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9] .

فقد بين سبحانه وتعالى في هذه الآية أن الذي حمل هؤلاء الأنصار على التضحية التي وصلت إلى حد الإيثار، إنما هو الإيمان بالله، مع سلامة الصدر من الأحقاد، والذي أثمر المحبة والمودة والموالاة.

وبعد أن تكلمنا عن أسباب البخل ننتقل إلى طرق الوقاية من البخل والشح، ويمكن تلخيصها في التخلص من الأسباب الجالبة للبخل، ونذكر منها الآتي:

إن اليقين على رب العالمين سواء بما أعده للمنفقين، أو بما عند الله من ثواب الدنيا والآخرة؛ مما يقي الإنسان من البخل، وكذلك اليقين بأن الرزق بيد الله.

يقول الله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ?22?فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ?23?) [الذاريات: 22، 23] .

ويقول سبحانه: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ? كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?6?) [هود: 6] .

وكذلك اليقين بأن الله سيخلف على المنفق ما أنفقه، وأن ما عند الله خير وأبقى.

يقول تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ? وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: 39] .

ويقول سبحانه: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ? وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى? ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ(60 ) ) [القصص 60] .

فإن من تيقن ذلك لن يبخل في أن ينفق مما آتاه الله تعالى.

عندما يتذكر المسلم العواقب المترتبة على البخل والشح والآثار السيئة، وما سيحصل للبخيل في الدنيا والآخرة، سيخشى من الوقوع في هذا الخلق الذميم فيسعى لتجنبه.

وذلك بأن يعلم أن الله كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، وسيجزي كل إنسان بما يسعى، ولا يظلم ربك أحدًا.

قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ? وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى? ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ(60 ) ) [القصص 60] .

إن المسلم لا بد عليه أن يسعى لدفع الشح عن نفسه، وعليه أن يتذكر فضل من وقى عن نفسه الشح.

يقول الله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9] .

وعليه أن يسعى لإصلاح المجتمع من حوله، وذلك بإصلاح أهله ومن يعول؛ لكي ينجو المجتمع كله من هذا المرض الذي يميت القلوب قبل موت الأبدان.

يقول الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ? وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ? وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المزمل: 20] .

فمن تذكر ذلك الفضل والأجر لن يبخل بشيء.

فمن اهتم بإصلاح قلبه من أمراض القلوب الخبيثة سهل عليه أن يتحرر بعد ذلك من الشح، بل سيصل إلى الإيثار في أسرع وقت ممكن، فإن الشح يعتبر ثمرة من ثمرات أمراض القلوب الخبيثة.

يقول الله تعالى عن الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر: 9] .

ولم يحصل منهم ذلك إلا بعد أن طهروا صدورهم من الأمراض.

وقد قال الله تعالى: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88 - 89] .

ثانيًا: ذكر طرق العلاج من البخل والشح:

بعد أن تكلمنا عن أسباب البخل، وأهم طرق الوقاية منه لمن لم يصب به، وجب علينا أن نذكر أهم طرق العلاج لمن ابتلاه الله به، وأراد التخلص منه؛ ليصبح من السهل عليه أخذ الدواء بعد أن علم الداء، ويسعى إلى الشفاء بإذن الله تعالى.

لقد أبدى القرآن الكريم وأعاد في معالجة مشكلة البخل التي تنخر في جسد المجتمع المسلم، ونوع في أساليب تلك المعالجة ما بين ترغيب وترهيب، فإليك السبل ومن ذلك ما يلي:

فقد مدح الله أبا بكر الصديق رضي الله عنه بكرمه، وإنفاقه في سبيله، وفكه للعاني، وبذله ماله لله تعالى بقوله سبحانه وتعالى: (? وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ?17?الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى? ?18?وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى? ?19?إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى? ?20?وَلَسَوْفَ يَرْضَى? ?21?) [الليل: 17 - 21] .

وقد قال سبحانه في مدح من وقى نفسه من الشح: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?16?) [التغابن: 16] .

وقال جل وعلا: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?9?) [الحشر: 9] .

يقول سبحانه: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ? وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ?261?الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ? لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ?262?) [البقرة: 261 - 262] .

وقال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ?274?) [البقرة: 274] .

يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ? وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة: 254] .

وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ? وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ(267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ? وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ? وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 267 - 268] .

وقال عز وجل: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ? أُولَ?ئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ? وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى? ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ?10?مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ?11?) [الحديد: 10 - 11] .

وقال جل وعلا: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ ? وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ?16?) [التغابن: 16] .

من أساليب القرآن أيضًا في علاج هذه الظاهرة هي: وعد المنفق بالخلف، وإقناعه بأن ما ينفقه من مال هو لنفسه، وأنه لا ينقص من ماله شيئًا، بل قد يزيده، ويبين القرآن للمنفق بأن ما عند الله خير مما أنفق، وأبقى، قال الله سبحانه: (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ? وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ? وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ?39?) [سبأ: 39] .

ويقول تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ? وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ ? وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ) [البقرة: 272] .

وقال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ? وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى? ? أَفَلَا تَعْقِلُونَ(60 ) ) [القصص 60] .

فمن استشعر أن ما عند الله من الأجر والثواب، والنعيم المقيم، وأنه خير مما ينفقه العبد آناء الليل وآناء النهار، فإنه سيسعى لعلاج نفسه من البخل.

ومن أساليب القرآن كذلك أنه جعل الإنسان يوجه نظره إلى النعم التي أنعم الله بها عليه من مال وغيره على أنها ليست ملكًا له حتى يمنعها عن عباد الله، وإنما هي ملك لله، وهو أمين أو خازن فقط على هذه النعم، ومن واجب الأمين أو الخازن: أن يتصدق وفق مراد صاحب النعمة، وقد دعا صاحب النعمة إلى إنفاقها على عباده، وفي مرضاته.

يقول الله تعالى: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ? فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ ?7?) [الحديد: 7] .

يقول الله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِ) [التوبة: 103] .

قال الرازي: «اقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من يده؛ ليصير ذلك الإخراج: كسرًا من شدة الميل إلى المال، ومنعًا من انصراف النفس بالكلية إليها. وتنبيها لها على أن سعادة الإنسان لا تحصل عند الاشتغال بطلب المال، وإنما تحصل بإنفاق المال في طلب مرضاة الله تعالى.

فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، فالله سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة، وهو المراد من قوله: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِ) [التوبة: 103] .

أي: تطهرهم وتزكيهم عن الاستغراق في طلب الدنيا» 65.

من ذلك ما أورده الله تعالى من قصة نبيه إبراهيم عليه السلام وإكرامه لأضيافه، فقال سبحانه: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ(24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ? قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى? أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) [الذاريات: 24 - 27] .

فبمطالعة قصص وسير الكرماء، ولا سيما سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسير الصحابة والتابعين، وقصص أبناء أمتنا المسلمة المعروفين بالكرم وهم كثر، فبمطالعة أخبار هذا الصنف من البشر سيكون له دور كبير في تحريك الأشحاء من داخلهم، علهم يتوبون أو يذكرون، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ?) [يوسف: 111] .

أي: بلا إفراط ولا تفريط 66، وبإعطاء كل ذي حق حقه، فقليل دائم خير من كثير منقطع، وفي هذا يقول الله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا ?29?) [الإسراء: 29] .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «يقول تعالى آمرا بالاقتصاد في العيش ذامًا للبخل ناهيا عن السرف: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى? عُنُقِكَ) أي: لا تكن بخيلًا منوعًا، لا تعطي أحدًا شيئًا.

وقوله: (وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِٹ) أي: ولا تسرف في الإنفاق فتعطي فوق طاقتك، وتخرج أكثر من دخلك، فتقعد ملومًا محسورًا.

وهذا من باب اللف والنشر أي: فتقعد إن بخلت ملومًا، يلومك الناس ويذمونك ويستغنون عنك، ومتى بسطت يدك فوق طاقتك، قعدت بلا شيء تنفقه، فتكون كالحسير، وهو: الدابة التي قد عجزت عن السير، فوقفت ضعفًا وعجزًا، فإنها تسمى الحسير» 67.

ولذلك يقول الرحمن ممتدحًا عباده: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَ?لِكَ قَوَامًا ?67?) [الفرقان: 67] .

فعادة الناس دائمًا النفور من المذموم سواءً ذمه الله ورسوله أم ذمه الناس وعابوه، فكيف بشيء يذمه الله ورسوله وكل الناس ممن سلمت فطرتهم؟! والمتأمل للقرآن الكريم يجد أن الخطاب القرآني لعباده المؤمنين يصور لهم البخل والشح دائمًا في قالب الذم، ولم تأت آية أو إشارة في آية تمدح البخل أو تزينه، وهذا امرٌ واضح وبين في كتاب الله تعالى، ويكفي في ذمه قوله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ? بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ? سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ?180?) [آل عمران: 180] .

وقال تعالى: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَ?ذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ(23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍھ) [ق: 23 - 25] .

ففي هذه الآية ذم الله المانع للخير بصيغة المبالغة.

وقال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ?36?الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ?) [النساء: 36 - 37] .

«فـ (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) : بدل من قوله: (مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) ، والمعنى: إن الله لا يحب من كان مختالًا فخورًا، ولا يحب الذين يبخلون» 68.

وقال عز وجل: (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى? ?8?وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى? ?9?فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى? ?10?وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى? ?11?) [الليل: 8 - 11] .

قال تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ? بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ? سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ?) [آل عمران: 180] .

وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ? هَ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ?35?) [التوبة: 34 - 35] .

فلقد حذر الله رسوله من طاعة البخلاء بقوله: (?وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ(10) هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) [القلم: 10 - 12] .

ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَ?لِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ? وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ?156? [آل عمران: 156] .

فقد نهى الله المؤمنين عن مشابهة الذين كفروا في البخل بأنفسهم عن الجهاد في سبيل الله.

فعدم مصاحبة البخلاء والابتعاد عنهم، والذهاب إلى المجتمع المعروف بالسخاء، يحمل الشحيح على الاقتداء والتأسي، أو على الأقل التشبه.

النظر في فضل الإنفاق من كتاب الله عز وجل، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لكي تتعظ النفوس بما فيهما، ولكي تقف على أخبار وجزاء المنفقين، وأخبار وعاقبة البخلاء، كما في سورة القلم من قصة أصحاب الجنة.

يقول الله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ? وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ? وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المزمل: 20] .

وقد كان من هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كثرة الإنفاق من النعم التي أنعم الله بها عليه من مال أو غيره، وكان من أشد الناس حرصًا على إنفاقها في مرضاة الله عز وجل دون بخل أو شح.

فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) 69.

فبالنظر في الآيات والأحاديث يسهل على النفس الوصول إلى التخلص من الأخلاق الذميمة، ويبعث فيها النشاط للتحلي بالأخلاق الحميدة.

فلا بد من مجاهدة النفس والأخذ بعزيمتها، وحملها بجد على ترك البخل والشح، والتحلي بالإيثار والكرم، ووعظها تارة بالترغيب، وتارة أخرى بالترهيب، والصبر على ذلك زمانا، فإن هذه المجاهدة إن كانت صادقة توصل بسرعة إلى المراد، فالله تعالى يقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ? وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ?69?) [العنكبوت: 69] .

ومع ذلك لا بد من محاسبة النفس أولًا بأول، فإن المحاسبة لها دور كبير في التخلص من هذا المرض، ولا سيما إن كان مع المحاسبة تأديب للنفس، وتتبع للمرض حتى الشفاء بإذن الله تعالى.

إذا علم العبد أن (القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء) 70.

كان لزامًا عليه أن يتوجه بقلبه لمالكه ومدبره ومقلبه ليصرف عنه من الأمراض ما يبعده عن مرضاته، ولهذا كان التخلص من البخل أو أي خصلة من خصال الشر لا يتحقق إلا بتوفيق الله سبحانه، ثم بالدعاء.

وكيف لا يكون الأمر كذلك والله سبحانه يقول: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ? إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ?60?) [غافر: 60] .

فبالدعاء إن كان صادقًا يكفي الله العبد كل الأزمات، ويعينه على نفسه في التخلص من كل مرض.

إن النظر في العواقب الضارة والآثار المهلكة المترتبة على الشح والبخل -سواء كانت هذه العواقب دنيوية أو أخروية، أو كانت على الفرد، أو على المجتمع الإسلامي-مما يخوف النفوس، ويحركها من داخلها، الأمر الذي ييسر عليها سبل الإقلاع، والتخلص من هذا الداء.

فعندما ينظر البخيل إلى عواقب البخل والشح، وما سيحصل له في الدنيا والآخرة، سيسعى حثيثًا لعلاج هذا الخلق الذميم.

وبعد أن أكملنا الكلام عن أسباب الوقوع في البخل والشح، وطرق الوقاية منها، وكيفية العلاج لمن ابتلاه الله بهذا الداء، وجب علينا أن نتحدث عن عاقبة البخل والشح في الدنيا والآخرة، وهذا ما سنتكلم عليه بالتفصيل في المبحث القادم، إن شاء الله تعالى.

عاقبة الشح والبخل

فالبخيل محروم في الدنيا، مؤاخذ في الآخرة، وهو مكروه من الله عز وجل، مبغوض من الناس، والشحيح أشد في الذم من البخيل، لأنه يجتمع فيه البخل مع الحرص.

وللشح والبخل آثار ضارة، وعواقب مهلكة، على الفرد وعلى المجتمع، ودونك طرفًا من هذه الآثار، وتلك العواقب:

وهذا من أعظم العواقب التي تقع على البخيل، يقول الله تعالى: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ? بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ? سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ? وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [آل عمران: 180] .

فالبخلاء «ظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم» 71، «فلا يتوهمن هؤلاء البخلاء أن بخلهم هو خير لهم، بل هو شر لهم؛ وذلك لأنه يبقى عقاب بخلهم عليهم» 72.

ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ?34?يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ? هَ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ?35?) [التوبة: 34 - 35] .

فهذه العاقبة أشد العواقب وأنكاها على النفس، فمهما واجه البخيل في الدينا من عواقب ومصائب ورزايا فإنها لا تعد شيئًا أمام تلك الألوان العظام من عذاب الله تعالى، أجارنا الله وإياكم منه.

ولعل من أشد العواقب التي قد يواجهها البخيل بماله والضان به على دين الله وعباد الله، أن يستبدل الله به غيره من عباده فينفق في أوجه الخير ما لا ينفقه الشحيح؛ فيحوز المنفق الأجر والثواب مع رضوان الله عنه، قال تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَ?ؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ? وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ? وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ? وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد: 38] .

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «ولما كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلا بالشجاعة والكرم بين الله سبحانه أنه من تولى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، ومن تولى عنه بإنفاق ماله أبدل الله به من يقوم بذلك فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ? أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ? فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?39?) [التوبة: 38 - 39] .

وقال تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَ?ؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ? وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ? وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ? وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ?38?) [محمد: 38] » 73.

ومن العواقب الوخيمة للبخل أنه يورث النفاق في القلب.

قال الله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ(76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى? يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) [التوبة: 75 - 80] .

فالذي سبب لهم خلف الوعد والوقوع في خصلة النفاق هو بخلهم وشحهم ومنعهم الصدقات، ولهذا كان البخل موصلًا للنفاق بما يترتب عليه من خلف الوعد.

قال الله تعالى: (هَا أَنْتُمْ هَ?ؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ ? وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ? وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ? وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ) [محمد: 38] .

فهو «حرم نفسه ثواب الله تعالى، وفاته خير كثير، ولن يضر الله بترك الإنفاق شيئا» 74، «فما يبذله الناس إن هو إلا رصيد لهم مذخور، يجدونه يوم يحتاجون إلى رصيد، يوم يحشرون مجردين من كل ما يملكون، فلا يجدون إلا ذلك الرصيد المذخور، فإذا بخلوا بالبذل، فإنما يبخلون على أنفسهم، وإنما يقللون من رصيدهم، وإنما يستخسرون المال في ذواتهم وأشخاصهم، وإنما يحرمونها بأيديهم! أجل. فالله لا يطلب إليهم البذل، إلا وهو يريد لهم الخير، ويريد لهم الوفر، ويريد لهم الكنز والذخر، وما يناله شيء مما يبذلون، وما هو في حاجة إلى ما ينفقون» 75.

يقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى? عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى? بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ? هَ?ذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ?35?) [التوبة: 34 - 35] .

فهذا العذاب الأليم ما ناله المعذبون إلا بسبب وقوعهم في إثم المنع من الإنفاق الواجب، البخلاء به، فمنع الواجب إثم يرتكبه البخيل بماله، فيعاقب عليه.

فإن البخيل يحرم من تزكية وتطهير النفقة للمنفق من الذنوب والخطايا، يقول الله تعالى لنبيه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ) [التوبة: 103] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت