وصرخ الشيطان عند جبل عينين وقد تصور في صورة جعال بن سراقة رضي الله عنه: «إن محمدًا قد قتل» ثلاث صرخات، ولم يشك فيه أنه حق وكان جعال إلى جنب أبي بردة يقاتل أشد القتال، فقال جماعة من المسلمين لما سمعوا ذلك: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل أفلا تقاتلون على دينكم، وعلى ما كان عليه نبيكم، حتى تلقوا الله تعالى شهداء؟! وقال جماعة: ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، يا قوم إن محمدًا قد قتل فارجعوا إلى قومكم، قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، واختلط المسلمون، فصاروا يقتلون على غير شعار، ويضرب بعضهم بعضًا، من العجلة والدهش وما يدري 95.
وذكر الله سبحانه المؤمنين بما كان منهم عندما أشيع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فنزلت آيات تقرر هذه الحقيقة الثابتة، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر، وأنه سيموت كما يموت سائر البشر، وليس له صفة تميزه عن غيره من البشر سوى الرسالة التي منحها الله إياه، فقال الله سبحانه: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144 - 145] .
قال الطبري مبينًا المعنى الإجمالي للآيات: «يعني تعالى ذكره بذلك: وما محمد إلا رسول كبعض رسل الله الذين أرسلهم إلى خلقه، داعيًا إلى الله وإلى طاعته، الذين حين انقضت آجالهم ماتوا وقبضهم الله إليه.
يقول جل ثناؤه: فمحمد صلى الله عليه وسلم إنما هو فيما الله به صانعٌ من قبضه إليه عند انقضاء مدة أجله، كسائر رسله إلى خلقه الذين مضوا قبله، وماتوا عند انقضاء مدة آجالهم.
ثم قال لأصحاب محمد -معاتبهم على ما كان منهم من الهلع والجزع حين قيل لهم بأحد: إن محمدًا قتل، ومقبحًا إليهم انصراف من انصرف منهم عن عدوهم وانهزامه عنهم-: أفئن مات محمد، أيها القوم، لانقضاء مدة أجله، أو قتله عدو {انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} ، يعني: ارتددتم عن دينكم الذي بعث الله محمدًا بالدعاء إليه ورجعتم عنه كفارًا بالله بعد الإيمان به، وبعد ما قد وضحت لكم صحة ما دعاكم محمد إليه، وحقيقة ما جاءكم به من عند ربه {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ} ، يعني بذلك: ومن يرتدد منكم عن دينه ويرجع كافرًا بعد إيمانه» 96.
قال ابن كثير: «لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، وقتل من قتل منهم، نادى الشيطان: ألا إن محمدًا قد قتل، ورجع ابن قمئة إلى المشركين فقال لهم: قتلت محمدًا. وإنما قد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فشجه في رأسه. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس، واعتقدوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فحصل ضعف ووهن وتأخر بين المسلمين عن القتال. ففي ذلك أنزل الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} الآية» 97.
وروى الطبري بسنده في قصة غزوة أحد: وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بعض أصحاب الصخرة: «ليت لنا رسولًا إلى عبد الله بن أُبي، فيأخذ لنا أمنةً من أبي سفيان!! يا قوم، إن محمدًا قد قتل، فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم» . قال أنس بن النضر: «يا قوم، إن كان محمد قد قتل، فإن رب محمد لم يقتل، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد صلى الله عليه وسلم، اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء!» ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل 98.
«وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه، فقد رئيس ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم» 99.
ورجعت طائفة من الجيش إلى المدينة يوم أحد لما أشيع مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تحدث الله سبحانه عن هذه الطائفة وأخبر بأنه عفا عنها، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران: 155] .
قال ابن الجوزي: ذكر في سبب فرارهم يومئذ أنهم سمعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فترخصوا في الفرار، قاله ابن عباس 100.
ومعنى قوله: {اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ} ، أي: دعاهم إلى الزلة وحملهم عليها 101، وهذه الآية إعلام من الله تعالى أنه قد غفر لهم انهزام يوم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم 102.
وهي «في عمومها تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئة، فتفقد ثقتها في قوتها، ويضعف بالله ارتباطها، ويختل توازنها وتماسكها، وتصبح عرضة للوساوس والهواجس، بسبب تخلخل صلتها بالله وثقتها من رضاه! وعندئذ يجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس، فيقودها إلى الزلة بعد الزلة، وهي بعيدة عن الحمى الآمن، والركن الركين» 103.
ولما شاع الخبر في معسكر الإيمان بمقتل النبي صلى الله عليه وسلم، انتهى أنس بن النضر رضي الله عنه إلى عمر بن الخطاب، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. ووجد بأنس بن النضر يومئذ سبعون ضربة ما عرفته إلا أخته، عرفت بنانه.
وكان أول من عرف بأن الرسول صلى الله عليه وسلم حي هو كعب بن مالك رضي الله عنه، فنادى في المسلمين يبشرهم فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالسكوت؛ لئلا يفطن له المشركون 104.
وفي قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران: 144] .
دليل واضح يبين ضرورة الارتباط بالرسالة والتمسك بالمنهج السليم، والحذر من الارتباط بالأشخاص، قال القرطبي: «فأعلم الله تعالى في هذه الآية أن الرسل ليست بباقية في قومها أبدا، وأنه يجب التمسك بما أتت به الرسل، وإن فقد الرسول بموت أو قتل فهذه الآية من تتمة العتاب مع المنهزمين، أي: لم يكن لهم الانهزام وإن قتل محمد، والنبوة لا تدرأ الموت، والأديان لا تزول بموت الأنبياء» 105.
ثامنًا: نهاية الغزوة:
لما يئس المشركون من إنهاء المعركة بنصر حاسم، وتعبوا من طولها ومن جلادة المسلمين، فكفوا عن مقاتلة المسلمين في شعاب أحد، أشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال: (لا تجيبوه) ، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: (لا تجيبوه) ، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه، فقال: كذبت يا عدو الله، أبقى الله عليك ما يخزيك، قال أبو سفيان: اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا: الله أعلى وأجل) قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أجيبوه) قالوا: ما نقول؟ قال: (قولوا الله مولانا، ولا مولى لكم) قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة، لم آمر بها ولم تسؤني 106.
ثم انسحب المشركون مكتفين بما نالوا من المسلمين، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه رضي الله عنهم على رأسهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه محددا لهم الهدف من خروجهم: (اخرج في أثر القوم فانظر ماذا يصنعون، وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وان ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم) فخرج علي رضي الله عنه في أثرهم، فوجدهم قد جنبوا الخيل، وامتطوا الإبل، ووجهوا إلى مكة 107.
فلما رجع علي بن أبي طالب رضي الله عنه أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بتوجه قريش إلى مكة، وكانت غزوة أحد يوم السبت للنصف من شهر شوال، فلما كان الغد يوم الأحد السادس عشر من شوال أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، فقال: من يذهب في أثرهم، فانتدب منهم سبعون رجلًا، قال صلى الله عليه وسلم: لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس، فاستأذنه جابر بن عبد الله في الخروج معه فأذن له 108.
وكان خروجه إرهابا للعدو، وليظنوا أن الذي أصابهم لم يوهنهم عن طلب عدوهم، ثم ندب النبي صلى الله عليه وسلم سبعين رجلا فيهم كبار الصحابة رضوان الله عليهم؛ لتعقب جيش المشركين، فاستجابوا لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه مادحا لهم: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172] .
ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} الآية ثم ساق بإسناده إلى عائشة رضي الله عنها قالت لعروة: (يا ابن أختي كان أبواك منهم -الزبير وأبو بكر- لما أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال:(من يذهب في أثرهم؟) فانتدب منهم سبعون رجلًا قال: كان فيهم أبو بكر والزبير) 109.
وأخرج ابن جرير الطبري بإسناده إلى ابن عباس أن منهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليًّا والزبير وسعدًا وطلحة وعبد الرحمن ابن عوف وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وأبا عبيدة بن الجراح 110.
وذكر القرطبي: «أنه نهض مع النبي صلى الله عليه وسلم مائتا رجل من المؤمنين» 111.
قال ابن جرير رحمه الله: «وإنما عنى الله تعالى ذكره بذلك: الذين اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد في طلب العدو -أبي سفيان ومن كان معه من مشركي قريش منصرفهم عن أحد- وذلك أن أبا سفيان لما انصرف عن أحد، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثره حتى بلغ حمراء الأسد، وهي على ثمانية أميال من المدينة؛ ليرى الناس أن به وأصحابه قوةً على عدوهم» 112.
ومر بأبي سفيان ركب من عبد القيس، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة؟
قال: ولم؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم، قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه؛ لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: (حسبنا الله ونعم الوكيل) 113.
قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] .
وهذا التصرف يبين لنا أن على المسلمين أن ينظروا بعين ثاقبة إلى مخططات أعدائهم؛ ليعرفوا منتهى خططهم، وما الذي يهدفون إليه، بل عليهم أن يقفوا لهم بالمرصاد؛ لصد هجماتهم، مبينين لهم أن لديهم القدرة -بإذن الله- على القضاء على مخططاتهم ومكرهم.
وفي نهاية هذه الغزوة أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفن الشهداء، وكانوا سبعين شهيدا، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قتل من الأنصار يوم أحد سبعون 114، ويؤيد هذا قوله تعالى: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا} [آل عمران: 165] .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول:(أيهم أكثر أخذا للقرآن) ، فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة) ، وأمر بدفنهم في دمائهم، ولم يغسلوا، ولم يصل عليهم) 115.
ولم يؤسر أحد من المسلمين، أما قريش فقد قتل منهم اثنان وعشرون رجلا 116 وأسر منهم أبو عزة الشاعر، فقتل صبرا؛ لأنه أخلف وعده للنبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يقاتل ضده عندما من عليه ببدر، وأطلقه فعاد فقاتل بأحد 117.
و «تسمية ما أصاب المسلمين هزيمة ليست تسمية تنطبق على الواقع تمام الانطباق، إنما تكون الهزيمة إذا كان جيش الإيمان قد فر فرارا، والآخر قد تبعه في فراره، حتى داهم المدينة المنورة، وكان ما يكون بعد ذلك.
إنما الذي أنهى القتال هم المهاجمون، وكأنما اكتفوا بأن أصابوا مقتلة من المسلمين، ورضوا بذلك؛ لأنهم لا طاقة لهم فيما وراء ذلك، وقد رأوا السيوف الإسلامية تبرق، وذاقوها مرتين، ولذا تتبعهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإذا كان ما في أحد لا يسمى هزيمة، فإنه لا يسمى نصرا أيضًا لأحد الفريقين. وقد يسمى جراحا للمسلمين، كما سماها القرآن الكريم؛ إذ سماها قرحًا، وسماها إصابة، فقد قال الله سبحانه وتعالى: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران: 140] » 118.
أولًا: تحريم الغلول:
الغلول هو: السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة 119، وهو محرم إجماعًا، بل هو من الكبائر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره قال: (لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك أو على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئا قد بلغتك) 120.
وفي سورة آل عمران نفى الله تعالى عن نبيه الغلول، فقال: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران: 161] .
أي: «ما كان له، فهو ليس من شأنه أصلًا ولا من طبعه ولا من خلقه، فالنفي هنا نفي لإمكان وقوع الفعل، وليس نفيًا لحله أو جوازه، فطبيعة النبي الأمينة العادلة العفيفة لا يتأتى أن يقع منها الغلول ابتداء» 121.
{وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: «يأت به حاملًا له على ظهره، كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيفضحه بين الخلائق، وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه بأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد يطلع عليها أهل المحشر، وهي مجيئه يوم القيامة بما غله حاملًا له قبل أن يحاسب وافيًا من خير وشر، وهذه الآية تعم كل من كسب خيرًا أو شرًّا ويدخل تحتها الغال دخولًا أوليًّا لكون السياق فيه» 122.
قال ابن الجوزي رحمه الله: في سبب نزول هذه الآية سبعة أقوال:
أحدها: أن قطيفة من المغنم فقدت يوم بدر، فقال ناس: لعل النبي صلى الله عليه وسلم أخذها، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس.
والثاني: أن رجلًا غل من غنائم هوازن يوم حنين، فنزلت هذه الآية، رواه الضحاك عن ابن عباس.
والثالث: أن قومًا من أشراف الناس طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخصهم بشيء من الغنائم، فنزلت هذه الآية، نقل عن ابن عباس أيضًا.
والرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث طلائع، فغنم النبي صلى الله عليه وسلم غنيمة، ولم يقسم للطلائع، فقالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك.
والخامس: أن قومًا غلوا يوم بدر، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة.
والسادس: أنها نزلت في الذين تركوا مركزهم يوم أحد طلبًا للغنيمة، وقالوا: «نخاف أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئا، فهو له، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا؟! أظننتم أنا نغل؟!) » فنزلت هذه الآية، قاله ابن السائب، ومقاتل.
والسابع: أنها نزلت في غلول الوحي، قاله القرظي، وابن إسحاق 123.
فالسبب السادس يذكر أنها نزلت في أحد، وقد وردت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن غزوة أحد.
يقول محمد رشيد رضا في تفسيره: «نزلت هذه الآية في شأن النبي صلى الله عليه وسلم من سياق الحكم والأحكام المتعلقة بغزوة أحد، لكن أخرج أبو داود والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء، افتقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل الله: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} 124.
وقد ضعف هذه الرواية بعض المفسرين -وإن حسنها الترمذي-؛ لأن السياق كله في وقعة أحد، ورجحوا عليها ما روي عن الكلبي ومقاتل: «إن هذه الآية نزلت حين ترك الرماة المركز الذي وضعهم فيه النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد؛ طلبا للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئا من مغنم فهو له، وألا يقسم الغنائم، كما لم يقسمها يوم بدر، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: (ألم أعهد إليكم ألا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟) فقالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفًا، فقال لهم: (بل ظننتم أنا نغل ولا نقسم) ، والصواب أن هذه الآية من متعلقات هذه الوقعة كالآيات التي قبلها وكثير مما يأتي بعدها» 125.
ويقول الألوسي: «والمراد تنزيه ساحة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على أبلغ وجه عما ظن به الرماة يوم أحد.
فقد حكى الواحدي عن الكلبي، ومقاتل أن الرماة حين تركوا المركز يومئذ طلبا للغنيمة قالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: (ظننتم أنا نغل ولا نقسم لكم) ولهذا نزلت الآية، أو تنزيهه صلى الله تعالى عليه وسلم عما اتهمه به بعض المنافقين يوم بدر، فقد أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير وحسناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخذها، والرواية الأولى أوفق بالمقام، وارتباط الآية بما قبلها عليها أتم؛ لأن القصة أحدية» 126.
ثانيًا: فضل الشهادة:
أثنى الله تبارك وتعالى ثناء حسنًا على الشهداء والذين لحقوا بالرفيق الأعلى يوم أحد، وهم مقاتلون في سبيل الله تعالى؛ وفاء منهم بصدق ما عاهدوا الله تعالى عليه وقد جاء الثناء عليهم بالذكر الحسن في آيات من الكتاب العزيز فقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 169 - 171] .
وقد جاء في سبب نزول هذه الآيات أحاديث منها: