قال المازري: «يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن منامه هذا من الأضغاث بوحي أو بدلالة من المنام دلته على ذلك، أو على أنه من المكروه الذي هو من تحزين الشياطين» 58.
وأخرج ابن أبي حاتم أن عمر بن الخطاب قال: «العجب من رؤيا الرجل، إنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على باله فتكون رؤيا كأخذ باليد، ويرى الرجل الرؤيا فلا تكون رؤياه شيئًا! فقال علي بن أبي طالب، أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين، يقول الله تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر:42] .
فالله يتوفى الأنفس كلها، فما رأت وهي عنده في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها، فعجب عمر من قوله» 59.
لقد كان للرؤيا الصالحة نصيب من النبوة في القرآن الكريم؛ لأنها من الوحي بالنسبة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي من المبشرات بالنسبة لغيرهم، وسنتناول رؤى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في النقاط الأتية.
أولًا: رؤى الانبياء وحي:
الرؤيا الصالحة هي أول مراتب الوحي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولهذا عنون الإمام البخاري في أول صحيحه (كتاب بدء الوحي) وبوب له (باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، والمناسبة في ذلك أنه ذكر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) 60.
والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخص بالتشبيه؛ لظهوره الواضح الذي لا شك فيه.
قال ابن عباس: «رؤيا الأنبياء وحي» 61.
قال الحافظ ابن حجر: «ورؤيا الأنبياء وحي، بخلاف غيرهم، فالوحي لا يدخله خلل؛ لأنه محروس، بخلاف رؤيا غير الأنبياء، فإنها قد يحضرها الشيطان» 62.
وكذلك فإن أعينهم تنام، ولكن قلوبهم لا تنام، كما ثبت في الصحيحين أن عائشة رضي الله عنها سئلت كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ فقال:(يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) 63.
قال ابن عاشور: «وكان أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة، ولكن الشريعة لم يوح بها إليه إلا في اليقظة مع رؤية جبريل دون رؤيا المنام، وإنما كانت الرؤيا وحيًا له في غير التشريع، مثل الكشف على ما يقع، وما أعد له، وبعض ما يحل بأمته، أو بأصحابه، فقد رأى في المنام أنه يهاجر من مكة إلى أرض ذات نخل، فلم يهاجر حتى أذن له في الهجرة، كما أخبر بذلك أبا بكر رضي الله عنه، ورأى بقرًا تذبح، فكان تأويل رؤياه من استشهد من المسلمين يوم أحد» 64.
والملاحظ أن الرؤيا الصالحة لم ترد في جواب النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله الحارث بن هشام رضي الله عنه كيف يأتيك الوحي؟ قال صلى الله عليه وسلم: (أحيانًا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشد علي، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول) ، قالت عائشة رضي الله عنها: (ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا) 65.
لأن الرؤيا قد يشاركه فيها غيره، والمقصود من الرؤيا الصادقة هو اعتبار صدقها لا غير، وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى نبيًا، وعلى هذا الأساس ذهب أهل العلم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوح اليه بالقرآن الكريم في النوم عن طريق الرؤيا، أما غير القرآن فهذا هو المقصود بالوحي، لأنه لا خلاف بين أهل العلم في أن رؤيا الأنبياء وحي لما تقدم من حديث البخاري في كتاب بدء الوحي، وكذلك هي داخلة في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ} [الشورى:51] .
كما تقدم في المبحث الأول في العلاقة بين الرؤيا والوحي.
ولأن إبراهيم عليه السلام ما كان ليذبح ابنه بسبب رؤيا رآها لولا أن تلك الرؤيا من الوحي.
قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) } [الصافات:102] .
ورؤيا الأنبياء عليهم السلام حق أيضًا، قال تعالى في رؤيا يوسف عليه السلام: {وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} [يوسف:100] .
وعن معاذ رضي الله عنه قال: (إن كان عمر لمن أهل الجنة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ما رأى في يقظته أو نومه فهو حق، وإنه قال:(بينما أنا في الجنة إذ رأيت فيها دارًا، فقلت: لمن هذه؟ فقيل: لعمر بن الخطاب رضي الله عنه) 66.
وهي صدق أيضًا، قال تعالى: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) } [الفتح:27] .
والرؤى التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة، وقد عدها العلماء من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام؛ لتضمنها أمورًا غيبية مستقبلية، وتحقق وقوعها كلها كما رآها عليه الصلاة والسلام وكما عبرها، ولنكتفي بذكر بعض الأمثلة من الصحيح على ذلك، ففي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت سيفًا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته بأخرى فعاد أحسن ما كان، فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرًا والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير، وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر) 67.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على أم حرام بنت ملحان، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يومًا، فأطعمته وجعلت تفلي رأسه، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال:(ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ملوكًا على الأسرة أو مثل الملوك على الأسرة) ، قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم وضع رأسه، ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله) كما قال في الأولى، قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: (أنت من الأولين) ، فركبت البحر في زمان معاوية بن أبي سفيان، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت) 68.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعطيت مفاتيح الكلم، ونصرت بالرعب، وبينما أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض حتى وضعت في يدي) . قال أبو هريرة: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم تنتقلونها 69.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع، فأتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب) 70.
ثانيًا: رؤيا إبراهيم عليه السلام:
قال تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) } [الصافات:102] .
إن الله سبحانه وتعالى قص علينا قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام مع ابنه إسماعيل عليه السلام، منذ أن سأل إبراهيم عليه السلام الله عز وجل أن يرزقه ولدًا من الصالحين، فبشره الله تعالى بذلك ورزقه غلامًا حليمًا، ولما كبر وترعرع وبلغ السعي مع أبيه وصار يقضي شؤونه، رأى أبوه إبراهيم عليه السلام رؤيا، وقال له: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى، وكان عمر إسماعيل عليه السلام يومئذ ثلاث عشرة سنة، كما تذكر ذلك كتب التفاسير 71.
قال ابن عاشور: «والنظر هنا نظر العقل لا نظر البصر، فحقه أن يتعدى إلى مفعولين، ولكن علقه الاستفهام عن العمل، والمعنى تأمل في الذي تقابل به هذا الأمر، وذلك لأن الأمر لما تعلق بذات الغلام، كان للغلام حظ في الامتثال، وكان عرض إبراهيم هذا على ابنه عرض اختبار لمقدار طواعيته بإجابة أمر الله في ذاته، لتحصل له بالرضى والامتثال مرتبة بذل نفسه في إرضاء الله، وهو لا يرجو من ابنه إلا القبول؛ لأنه أعلم بصلاح ابنه، وليس إبراهيم مأمورًا بذبح ابنه جبرًا، بل الأمر بالذبح تعلق بمأمورين: أحدهما بتلقي الوحي، والآخر بتبليغ الرسول إليه، فلو قدر عصيانه لكان حاله في ذلك حال ابن نوح الذي أبى أن يركب السفينة لما دعاه أبوه، فاعتبر كافرًا» 72.
قال الطبري: «اختلفت القراء في قراءة قوله: (ماذا ترى) ؟، فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة، وبعض قراء أهل الكوفة: (فانظر ماذا ترى) ؟ بفتح التاء، بمعنى: أي شيء تأمر، أو فانظر ما الذي تأمر، وقرأ ذلك عامة قراء الكوفة: (ماذا ترى) بضم التاء، بمعنى: ماذا تشير، وماذا ترى من صبرك أو جزعك من الذبح؟ والذي هو أولى القراءتين في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأه: (ماذا ترى) بفتح التاء، بمعنى: ماذا ترى من الرأي 73.
فإن قال قائل: أو كان إبراهيم يؤامر ابنه في المضي لأمر الله، والانتهاء إلى طاعته؟ قيل: لم يكن ذلك منه مشاورة لابنه في طاعة الله، ولكنه كان منه ليعلم ما عند ابنه من العزم: هل هو من الصبر على أمر الله على مثل الذي هو عليه؟ فيسر بذلك أم لا؟ وهو في الأحوال كلها ماض لأمر الله» 74.
قال الفراء: «المعنى ماذا تريني من رأيك أو ضميرك، و (رأى) في الكلام على خمسة أوجه: بمعنى (أبصر) نحو: رأيت، وبمعنى (علم) نحو: رأيت زيدًا عالمًا، وبمعنى (ظن) نحو قوله: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) } [المعارج:6 - 7] .
فالأول بمعنى الظن، والثاني بمعنى العلم، وبمعنى اعتقد، وبمعنى الرأي، نحو قولك: رأيت هذا الرأي.
فأما (رأيت في المنام) فمن رؤية البصر، فلا يجوز أن تكون (ترى) هاهنا بمعنى تبصر؛ لأنه لم يشر إلى شيء يبصر بالعين، ولا يجوز أن تكون بمعنى (علم) أو (ظن) أو (اعتقد) ؛ لأنه هذه الأشياء تتعدى إلى مفعولين، وليس هاهنا إلا مفعول واحد، مع استحالة المعنى، فلم يبق إلا أن يكون من (الرأي) ، والمعنى ماذا تراه» 75.
قال مقاتل: رأى ذلك إبراهيم عليه السلام ثلاث ليال متتابعات، وقال محمد بن كعب: كانت الرسل يأتيهم الوحي من الله تعالى أيقاظًا ورقودًا، فإن الأنبياء لا تنام قلوبهم، وهذا ثابت في الخبر المرفوع، قال صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا) 76.
وقال ابن عباس: رؤيا الأنبياء وحي، واستدل بهذه الآية، ويقال: إن إبراهيم رأى في ليلة التروية كأن قائلًا يقول: إن الله يأمرك بذبح ابنك، فلما أصبح روى في نفسه، أي: فكر أهذا الحلم من الله أم من الشيطان؟ فسمي يوم التروية، فلما كانت الليلة الثانية رأى ذلك أيضًا، وقيل له: الوعد، فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي يوم عرفة، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة، فهم بنحره فسمي يوم النحر 77.
قال ابن كثير: «وإنما أعلم ابنه بذلك ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه {قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} أي: امض لما أمرك الله من ذبحي، {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} أي: سأصبر وأحتسب ذلك عند الله عز وجل، وصدق صلوات الله وسلامه عليه فيما وعد؛ ولهذا قال الله تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) } [مريم:54] » 78.
وعند تفكيك البنية التركيبية في نص الرؤيا نجدها تضم عشرة أفعال، ثلاثة منها في الزمن الماضي (قال-أرى-قال) وأربعة في الزمن المضارع المبني للمعلوم (أذبحك-ترى-ستجدني-إن شاء) وواحد للمضارع المبني للمجهول (تؤمر) وفعلا أمر (أنظر-افعل) في حين اشتملت على خمسة أسماء هي (بني-المنام-أبت-الله-الصابرين) جاءت الأفعال ضعف الأسماء؛ لأن الأفعال تتحرك بين ثلاث: الله يأمر، إبراهيم يستجيب ويخبر وينفذ، إسماعيل يستجيب وينفذ.
وبرسم شبكة العلاقات القائمة في الآية نجد تناغمًا وتجاوبًا كبيرين بين الابن وأبيه، يتضح ذلك من خلال البيان التالي:
الأب (المرسل) :
الابن (المستقبل) :
وهذا يظهر دلالة المحبة والود والقرب المتحقق بين الأب وابنه، وكأنه يقول له: أنت ابني قبل كل شيء، وهذه العلاقة هي التي دفعت الأب لمصارحة ابنه بما رأى، وكان بإمكانه تنفيذ الرؤيا دون أن يخبر ولده، ولكن ليتجلى الدرس الأخلاقي بأجل صورة، ولتظل هذه الصورة ماثلة أمام كل من يقرأ القرآن الكريم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ثلاث إشارات بثها الوالد لابنه، وكانت الإستجابة من الإبن سريعة وشافية لم يهمل أية جزئية من جزئياتها. هذه العلاقات جاءت في نسيج الرؤيا نفسها 79.
قال ابن عاشور: «والمقصود من هذا الابتلاء إظهار عزمه وإثبات علو مرتبته في طاعة ربه، فإن الولد عزيز على نفس الوالد، والولد الوحيد الذي هو أمل الوالد في مستقبله أشد عزة على نفسه لا محالة، وقد علمت أنه سأل ولدًا ليرثه نسله ولا يرثه مواليه، فبعد أن أقر الله عينه بإجابة سؤله وترعرع ولده، أمره بأن يذبحه فينعدم نسله ويخيب أمله ويزول أنسه ويتولى بيده إعدام أحب النفوس إليه، وذلك أعظم الابتلاء فقابل أمر ربه بالامتثال، وحصلت حكمة الله من ابتلائه، وهذا معنى قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) } [الصافات:106] .
وإنما برز هذا الابتلاء في صورة الوحي المنامي إكرامًا لإبراهيم عن أن يزعج بالأمر بذبح ولده بوحي في اليقظة، لأن رؤى المنام يعقبها تعبيرها، إذ قد تكون مشتملة على رموز خفية، وفي ذلك تأنيس لنفسه لتلقي هذا التكليف الشاق عليه، وهو ذبح ابنه الوحيد» 80.
قال الرازي: «بيان الحكمة في ورود هذا التكليف في النوم لا في اليقظة، أن هذا التكليف كان في نهاية المشقة على الذابح والمذبوح، فورد أولًا في النوم حتى يصير ذلك كالمنبه لورود هذا التكليف الشاق، ثم يتأكد حال النوم بأحوال اليقظة، فحينئذ لا يهجم هذا التكليف دفعة واحدة، بل شيئًا فشيئًا» 81.
ونقل القرطبي عن بعض أهل الإشارة: «أن إبراهيم ادعى محبة الله، ثم نظر إلى الولد بالمحبة، فلم يرض حبيبه محبة مشتركة، فقيل له: يا إبراهيم اذبح ولدك في مرضاتي، فشمر وأخذ السكين وأضجع ولده، ثم قال: اللهم تقبله مني في مرضاتك، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم لم يكن المراد ذبح الولد، وإنما المراد أن ترد قلبك إلينا، فلما رددت قلبك بكليته إلينا رددنا ولدك إليك، وقال كعب وغيره: لما أري إبراهيم ذبح ولده في منامه، قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم لا أفتن منهم أحدًا أبدًا، فتمثل الشيطان لهم في صورة الرجل، ثم أتى أم الغلام وقال: أتدرين أين يذهب إبراهيم ابنك؟ قالت: لا، قال: إنه يذهب به ليذبحه، قالت: كلا هو أرأف به من ذلك، فقال: إنه يزعم أن ربه أمره بذلك، قالت: فإن كان ربه قد أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه، ثم أتى الغلام فقال: أتدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: لا، قال: فإنه يذهب بك ليذبحك، قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره الله به، سمعًا وطاعة لأمر الله، ثم جاء إبراهيم فقال: أين تريد؟ والله إني لأظن أن الشيطان قد جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك، فعرفه إبراهيم فقال: إليك عني يا عدو الله، فوالله لأمضين لأمر ربي، فلم يصب الملعون منهم شيئًا، وقال ابن عباس: لما أمر إبراهيم بذبح ابنه عرض له الشيطان عند جمرة العقبة فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الأخرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم لأمر الله تعالى» 82.
لقد حملت هذه الرؤيا خيرًا للبشرية جمعاء، وفي ذلك حكمة إلهية في امتثاله عليه السلام لأمر الله ولو كان فيما يكره، وهو بهذا الأمر دلل على طهارة قلب كل من الأب والابن، فكلاهما على خلق عظيم، وهذه صفات الأنبياء، وفيها بشرى بأن إسماعيل نبي كأبيه، وفيها إشارة لاستجابة دعوة إبراهيم عليه السلام {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة:124] .
وإسماعيل الممتثل لأمر الله لم يكن ظالمًا، لذا كانت البشرى بنبوته افتداء سيدنا إسماعيل عليه السلام بالكبش، وهو بمثابة افتداء للبشرية بأسرها 83.
ودلت الآية على أن من نذر نحر ابنه أو ذبحه أنه يفديه بكبش، كما فدى به إبراهيم ابنه، قاله ابن عباس، وعنه رواية أخرى: ينحر مائة من الإبل كما فدى بها عبدالمطلب ابنه، روى الروايتين عنه الشعبي وروى عنه القاسم بن محمد: يجزيه كفارة يمين، وقال مسروق: لا شيء عليه، وقال الشافعي: هو معصية يستغفر الله منها، وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها في ولده ذبح شاة، ولا يلزمه في غير ولده شيء، قال محمد: عليه في الحلف بنحر عبده مثل الذي عليه في الحلف بنحر ولده إذا حنث.
وذكر ابن عبد الحكم عن مالك فيمن قال: أنا أنحر ولدي عند مقام إبراهيم في يمين، ثم حنث فعليه هدي، قال: ومن نذر أن ينحر ابنه ولم يقل: عند مقام إبراهيم، ولا أراد فلا شيء عليه، قال: ومن جعل ابنه هديًا أهدى عنه.
قال القاضي ابن العربي: يلزمه شاة كما قال أبو حنيفة، لأن الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعًا، فألزم الله إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح شاة وكذلك إذا نذر العبد ذبح ولده يلزمه أن يذبح شاة، لأن الله تعالى قال {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} [الحج:78] .
والإيمان التزام أصلي، والنذر التزام فرعي، فيجب أن يكون محمولًا عليه. فإن قيل: كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد، وهو معصية والأمر بالمعصية لا يجوز؟
قلنا: هذا اعتراض على كتاب الله، ولا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام، فكيف بمن يفتي في الحلال والحرام، وقد قال الله تعالى: «افعل ما تؤمر» والذي يجلو الإلباس عن قلوب الناس في ذلك: أن المعاصي والطاعات ليست بأوصاف ذاتية للأعيان، وإنما الطاعات عبارة عما تعلق به الأمر من الأفعال، والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال، فلما تعلق الأمر بذبح الولد إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وابتلاء، ولهذا قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) } [الصافات:106] .
في الصبر على ذبح الولد والنفس، ولما تعلق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية.
فإن قيل: كيف يصير نذرًا وهو معصية؟
قلنا: إنما يكون معصية لو كان يقصد ذبح الولد بنذره ولا ينوي الفداء.
فإن قيل: فلو وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟