فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 2431

كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ عَلَى اللَّهِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: 143 - 144] .

المعنى: قل لهم: إن كان حرم الذكور فكل ذكر حرام؛ لئن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام، لئن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز، فكل مولود حرام، ذكرًا كان أو أنثى، وكلها مولود فكلها إذًا حرام لوجود العلة فيها، فبين انتقاض علتهم وفساد قولهم 55.

«ففي هاتين الآيتين كشف الله لهم عما في معتقداتهم وتصوراتهم وتصرفاتهم من وهن وسخف وهزال، وقد بين لهم أنها لا تقوم على علم ولا بينة ولا أساس، وقد ردهم إلى نشأة الحرث والأنعام التي يتصرفون فيها من عند أنفسهم، أو بوحي شياطينهم وشركائهم، بينما هؤلاء لم يخلقوها لهم، إنما الذي خلقها لهم هو الله، الذي يجب أن تكون له وحده الحاكمية فيما خلق وفيما رزق، وفيما أعطى من الأموال للعباد.

الآن يقرر لهم ما حرمه الله عليهم من هذا كله، ما حرمه الله حقًا عن بينة ووحي، لا عن ظن ووهم، والله هو صاحب الحاكمية الشرعية، الذي إذا حرم الشيء فهو حرام، وإذا أحله فهو حلال بلا تدخل من البشر، ولا مشاركة ولا تعقيب في سلطان الحاكمية والتشريع» 56.

رابعًا: إرخاء العنان لهم في المجادلة ثم إدانتهم:

الحق تبارك وتعالى يرخي للخصم العنان؛ ليقول كل ما عنده، وليأخذه إلى جانبه، لا بما يكره، بل بما يحب وأمثلة ذلك قوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] .

ومعنى {مُفْتَرَيَاتٍ} أنها مفتريات المعاني كما تزعمون على القرآن، أي بمثل قصص أهل الجاهلية وتكذيبهم، وهذا من إرخاء العنان والتسليم الجدلي، فالمماثلة في قوله: {مِثْلِهِ} هي المماثلة في بلاغة الكلام وفصاحته، لا في سداد معانيه 57.

وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) } [هود:35] .

وهذه الآية وإن اختلف المفسرون في المراد منها، فقيل: إنها حكاية عن نوح صلى الله عليه وسلم، وما قاله لقومه، وقيل: هي حكاية عن المحاورة الواقعة بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكفار مكة 58.

وعلى القول بأنها في النبي صلى الله عليه وسلم فالمراد: أم يقول هؤلاء الكافرون الجاحدون: افترى هذا وافتعله من عنده محمد {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} أي: فإثم ذلك علي {وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} أي: ليس ذلك مفتعلًا ولا مفترى؛ لأني أعلم ما عند الله من العقوبة لمن كذب عليه 59.

وفي هذه الجملة توجيه بديع وهو إفادة تبرئة نفسه من أن يفتري القرآن، فإن افتراء القرآن دعوى باطلة ادعوها عليه فهي إجرام منهم عليه، فيكون المعنى: وأنا بريء من قولكم الذي تجرمونه علي باطلًا 60.

وقال تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) } [الأحقاف: 8] .

أي: لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني -وليس كذلك- لعاقبني أشد العقوبة، ولم يقدر أحد من أهل الأرض، لا أنتم ولا غيركم أن يجيرني منه، كقوله: {قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الجن: 22 - 23] .

وقال تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ} [الحاقة: 47 - 44] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت