فهرس الكتاب

الصفحة 648 من 2431

«ولعل هذا التحفّظ -بعد المبايعة على عدم الزنا- كان للحالات الواقعة في الجاهلية من أن تبيح المرأة نفسها لعدّة رجال، فإذا جاءت بولدٍ نظرت أيهم أقرب به شبهًا، فألحقته به، وربما اختارت هي أحسنهم، فألحقت به ابنها، وهي تعلم من أبوه، وعموم اللفظ يشير إلى هذه الحالة وغيرها من كلّ بهتان مزور يدّعى، ولعل ابن عباس رضي الله عنهما خصّصه بذلك المعنى لمناسبة واقعة وقتذاك» 79.

وفي هذا تأكيد على حفظ الأنساب بسدّ أبواب الزنا والافتراء، وعدم قتل الأولاد الشرعيين أو اللقطاء، أو وأد البنات خشية العار الذي انتشر في الجاهلية، وتأكيد البيعة على كلّ هذه الأمور؛ ليبني الإسلام دعائم الحياة الاجتماعية الجديدة؛ لينطلق في أرجاء الأرض داعيًا إليها، ومبشّرًا بصلاح الدنيا والآخرة حين تكون الحال، كما جاء في هذه الأركان العالية، والشروط السامية.

وهذه البيعة قد بايع بها النبي صلى الله عليه وسلم النساء والرجال جميعًا؛ كما ورد في حديث عبادة بن الصامت حيث قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه) فبايعناه على ذلك.

ومن أمثلتها ما جاء في بيعة النساء: أن النبي صلى الله عليه وسلم بايعهن على ما بايع عليه الرجال، ومن ذلك السمع والطاعة بالمعروف، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة: 12] .

أي: ولا يخالفن أمرك فيما أمرتهن به من معروف، أو نهيتهن عنه من منكر، بل يسمعن ويطعن، وهذا نص عام في جواز أخذ البيعة من النساء على عدم العصيان في أي معروف يأمر به.

وهذا القيد من باب البيان وإلا فالنبي لا يأمر إلا بمعروف، وفي هذا تقريرٌ عظيم أن طاعة الرعية للحاكم بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون إلا في المعروف الذي يتّفق مع دين الله وشريعته.

قال الشنقيطي في تفسيره للآية: «القيد بالمعروف هنا للبيان، ولا مفهوم له؛ لأن كل ما يأمر به صلى الله عليه وسلم معروف، وفيه حياتهن، وفيه تنبيه على أن من كان في موضع الأمر من بعده لا طاعة له إلا في المعروف» 81.

والمعروف كما قال في النهاية: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والإحسان إلى الناس، وكل ما أمر به الشرع، ونهى عنه 82. وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما المعنى بشكل مجملٍ في قوله تعالى: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} حيث قال: «إنما هو شرط شرطه الله على النساء» 83.

والطاعة بالمعروف هو مقتضى قوله: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] .

ومن حيث الاستطاعة من جهة المأمور فالمقصود بها أنه لا يلزم المأمور طاعة أميره فيما لا يستطيعه، ومدار أحكام الشريعة كلها على الاستطاعة، والله تعالى لا يكلّف نفسًا إلا وسعها، ولا يكلّف الإنسان شيئًا لا يستطيع أداءه، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) 84.

كما أن الاستطاعة من عدمها أمر يعلمه الله تعالى من عبده، فإن قصّر العبد في الطاعة مدّعيًا عدم الاستطاعة فإن الله تعالى يحاسبه على ذلك، فإن كان كاذبًا فالله مطلع عليه ومجازيه عليه، ويدل على ذلك ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما حيث قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، يقول لنا: (فيما استطعتم) 85.

وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني: (فيما استطعت) 86.

وعن عبد الله بن دينار قال: لما بايع الناس عبد الملك بن مروان كتب إليه عبد الله بن عمر: «إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيما استطعت، وإن بني قد أقروا بذلك» 87. وهذا المعنى الذي ذكرناه واضح في كثير من الأدلة.

وقد جاء في الرّوايات الواردة في بيعة النساء تقييد هذا الركن بالنياحة. والنياحة أمر منكر في الإسلام، ويقصد به اجتماع النساء لإظهار شعائر الحزن 88.

فقد جاء في حديث أم عطية رضي الله عنها قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ علينا: {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأةٌ يدها، فقالت: أسعدتني فلانة، فأريد أن أجزيها، فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، فانطلقت ورجعت، فبايعها 89.

وقد فسّر زيد بن أسلم قوله تعالى: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} قال: «لا يخدشن وجهًا، ولا يشققن جيبًا، ولا يدعون ويلًا، ولا ينشدن شعرًا» 90.

وهذا بسبب الخوف على النساء في أول الإسلام من التمسّك بشيء من أحوال الجاهلية النكراء، كهذه الأفعال من النياحة المصاحبة للاعتراض على قدر الله عز وجل، ولشناعة هذا الفعل كان الوعيد العظيم عليه ببراءة الرسول صلى الله عليه وسلم ممن يقارفه عند المصيبة، فأكد صلى الله عليه وسلم على النهي عنه أثناء البيعة العظيمة للنساء؛ لما جبلت عليه النساء من العاطفة الجياشة، والاستسلام للضعف عند نزول المصيبة، ونسيان حكم الله، فتوعد عليه الوعيد الشديد؛ فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقوم يوم القيامة وعليها سربالٌ من قطران، ودرعٌ من جرب) 91.

استغفار الرسول للمبايعات:

أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بعد أن يبايع النساء أن يستغفر لهن الله تعالى، وهذا الدعاء الكريم بالمغفرة هو الجائزة العظيمة التي حصل عليها أولئك النساء المبايعات اللاتي ذكرهن ابن سعد في الطبقات الكبرى في الجزء الثامن، تسمية النساء المسلمات المبايعات، وقسمهن إلى أقسام؛ من قريش (66) وغرائب نساء العرب (59) والأنصاريات المسلمات المبايعات (337) وبلغ عددهن جملة (462) 92.

قال السعدي: «فكان إذا جاءته النساء يبايعنه والتزمن بهذه الشروط بايعهن وجبر قلوبهن، واستغفر لهن الله فيما يحصل منهن من التقصير، وأدخلهن في جملة المؤمنين» 93.

فقوله: {فَبَايِعْهُنَّ} أمر من المبايعة، أي: إذا جاء إليك النساء المؤمنات للبيعة فبايعهن على هذه الأمور الستة الهامة، وفي مقدمتها عدم الإشراك بالله جل وعلا، أي: فبايعهن على ما ذكر وما لم يذكر لوضوح أمره، وظهور أصالته.

{وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ} زيادة على ما في ضمن المبايعة من ضمان الثواب، والاستغفار طلب المغفرة للذنوب، والستر للعيوب 94.

فبايعهن الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يمد يده لبيعتهن، ولم يصافح أحدًا منهن عليه الصلاة والسلام، فعن أميمة بنت رقيقة في قصة البيعة، وفيها: «ألا تصافحنا يا رسول الله؟!» قال: (إني لا أصافح النساء، إنما قولي لامرأة واحدة كقولي لمائة امرأة) 95. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: (والله ما مست يد رسول الله يد امرأة قط) 96.

وقد علق ابن حجر على لفظ: (فقبضت امرأة يدها) 97 بقوله: «وقد يؤخذ من قول أم عطية في الحديث: (فقبضت امرأة يدها) أن بيعة النساء كانت أيضًا بالأيدي، فتخالف ما نقل عن عائشة رضي الله عنها: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع النساء بالكلام بهذه الآية: {أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا} قالت: وما مسّت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة، إلا امرأة يملكها) 98، ويحتمل أنهن كنّ يشرن بأيديهن عند المبايعة بلا مماسة» 99.

وقال النووي في شرح مسلم: «وفيه: أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف، وبيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام» 100. فيكون الأخذ بالأيدي من باب تأكيد البيعة؛ ولهذا لما تخوّف عمر بن الخطاب رضي الله عنه الاختلاف بين المسلمين قال لأبي بكر: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسطها فبايعه، ثم بايعه المهاجرون، ثم بايعه الأنصار 101.

تكرر مبايعته صلى الله عليه وسلم للنساء:

قد تكرّرت مبايعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنها كانت بيعة شرعية إيمانية أخلاقية، تتعهّد فيها المرأة بالالتزامات الإيمانية والأخلاقية، وليست بيعة ترشيح النبي صلى الله عليه وسلم للقيادة السياسية، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يفتقر إلى موافقة الأمة على قيادته، وهو النبي الخاتم، في حين كانت بيعة الرجال سياسيةً يلتزمون فيها بالجهاد، إضافة إلى التزامهم الإيماني والأخلاقي.

فإذا رأى الوالي ضرورة مشاورة النساء في أمور الدولة، أو في تأدية بعض الحقوق السياسية، أو بعض الأعمال الإدارية، إذا كانت هناك ضرورة ماسة، ولم يتضمن ذلك الأمر معصيةً لله تعالى، أو تضييعًا لنفسها، أو بيتها، أو الوقوع في الاختلاط المحرّم، المفضي إلى المفاسد العظيمة، فعلى النساء طاعته بالمعروف، مثل ضرورة الإذن بالجهاد لقتال العدو الصائل وغيره؛ لأن في ذلك مصلحةً للبلاد والعباد 102.

والمقصود أنه قد ثبت في القرآن الكريم والسنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب البيعة من أصحابه أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة، وأنه أخذ منهم البيعة قبل قيام الدولة الإسلامية، وقبل الهجرة في موضعين، هما بيعة العقبة الأولى، وبيعة العقبة الثانية، كما أخذها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة وقيام الدولة الإسلامية أكثر من مرة، فأخذها في الحديبية، حين أشيع خبر مقتل عثمان رضي الله عنه، وفي ذلك نزل قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] .

وأخذها النبي صلى الله عليه وسلم من النساء بعد الحديبية، فقد كان يبايع من تهاجر إلى المدينة، ولا يرجعها إلى مكة، كما كان يفعل بمن هاجر من الرجال، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 12] .

كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء بعد فتح مكة، وكانت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان من المبايعات بعد الفتح.

ومن هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية الصحيحة التي ذكرت نستنتج أن:

البيعة متنوعة، فقد تكون على الإسلام، مثل البيعة التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، فقد جاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الإسلام والشهادة.

وتكون البيعة على كل طاعة من الطاعات، وعبادة من العبادات، كالبيعة على الهجرة والجهاد والصلاة والزكاة والنصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام.

وقد استفاض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الناس كانوا يبايعونه تارةً على الهجرة والجهاد، وتارةً على إقامة أركان الإسلام، وتارةً على الثبات والقرار في معركة الكفار، وتارةً على التمسك بالسنة، واجتناب البدعة، والحرص على الطاعات.

وقد جاء عن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: (اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة) ، فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدًا، على الجهاد ما بقينا أبدًا 103.

وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عدلت إلى ظل الشجرة، فلما خف الناس، قال: (يا ابن الأكوع ألا تبايع؟!) قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال: (وأيضًا) فبايعته الثانية، فقال الراوي عنه: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت 104.

وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا يوم الحديبية ألفًا وأربع مائة، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة -وهي سمرة- وبايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت 105.

والظاهر -والله أعلم- أن ألفاظ البيعة كانت تختلف من شخص إلى شخص، وإن كانت كلها بمعنى واحد، فعدم الفرار هو الثبات حتى الموت، وهو عين ما بايع عليه سلمة رضي الله عنه، فعن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع قال: قلت لسلمة: على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: على الموت 106.

وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس بيعات مخصوصة، فقد بايع بعض أصحابه على أن يقول الحق دائمًا، وأن لا يسأل الناس شيئًا، فوفوا بذلك، فكان السوط يقع من أحدهم فلا يقول لغيره: ناولنيه، فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: بايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسًا، وأوثقني سبعًا، وأشهد الله علي تسعًا؛ أن لا أخاف في الله لومة لائم، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟) قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشترط علي: (أن لا تسأل الناس شيئًا) قلت: نعم، قال: (ولا سوطك إن يسقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه) 107.

-من خلال التعريفات السابقة للبيعة، والتكييف الفقهي لها، يمكن أن نستنبط بسهولة أن للبيعة ثلاثة أركان:

الركن الأول: (موضوع البيعة) : وهو إقامة نظام الخلافة الإسلامية، وفقًا لكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من تطبيق للحدود والأحكام، أو البيعة على فرائض الإسلام وشرائعه، والدفاع عنه.

الركن الثاني: (المبايع) ، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو الخليفة من بعده، أو المربي، أو أمير القوم في السفر والمهمات القصيرة، وهو الطرف الذي أخذت له البيعة ليتولى منصب الخلافة، أو الإمامة، ويلقب بالأمير أو الخليفة.

الركن الثالث: (المبايع) ، وهو الطرف الذي أعطي البيعة لمن يستحقها، وهم أهل الحل والعقد خاصة، والأمة الإسلامية عامة. وسنتكلم فيما يأتي عن هذه الأركان الثلاثة بالتفصيل:

أولًا: البيعة:

التكييف الشرعي والفقهي للبيعة أنها (عقد) ، وهذا التكييف له آثار جوهرية بليغة، فمعنى كونها عقدًا: أنه يجري فيها ما يجري في العقود الشرعية من أركان: كالعاقدين، والصيغة، والشروط.

وقد سبق القول أن موضوع البيعة هو إقامة نظام الخلافة الإسلامية، وفقًا لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من تطبيق للحدود والأحكام التي نصت عليها الشريعة الغراء، أو البيعة على فرائض الإسلام وشرائعه، والدفاع عنه.

وقد تكون على الإسلام، مثل البيعة التي أخذها النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، فقد جاءه الناس الكبار والصغار والرجال والنساء فبايعهم على الإسلام والشهادة.

وقد تكون على الإسلام ومكارم الأخلاق، فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مجلس: (تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه) فبايعناه على ذلك 108.

وقد تكون بيعة السياسة والحرب، فعن كعب بن مالك رضي الله عنه قال: خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان من نسائنا، فاجتمعنا في الشعب حتى جاءنا رسول الله ومعه العباس، قلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعلى أن تقوموا في الله، لا تأخذكم في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم، وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة، فقمنا إليه رجلًا رجلًا، فأخذ علينا البيعة 109.

وقد تكون بيعة على الموت، كما حدث في بيعة الشجرة في الحديبية، والبيعة تكون للرجال وللنساء وللكبار وللصغار على حد سواء.

1.حكم البيعة.

يختلف حكم المبايعة باختلاف المبايعين، فأهل الحل والعقد يجب عليهم بيعة من يختارونه للإمامة، ممن قد استوفى الشروط الشرعية لها، وأما سائر الناس فالأصل وجوب البيعة على كل واحد منهم بناءً على بيعة أهل الحل والعقد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهليةً) 110. ولكن المالكية ذهبوا إلى أنه يكفي سائر الناس أن يعتقدوا أنهم تحت أمر الإمام المبايع، وأنهم ملتزمون بالطاعة له 111.

هذا بالنسبة للمبايعين من أهل الحل والعقد وسائر الناس، أما من جهة المختار ليكون إمامًا فيجب عليه قبول البيعة إن تعيّنت الإمامة، بأن لا يوجد غيره مستوفيًا للشروط، فإن كان المستوفون للشروط أكثر من واحد كان قبول البيعة فرض كفاية.

لأن البيعة عقد مراضاة واختيار، لا يدخله إكراه ولا إجبار، وهو عقد بين طرفين: أحدهما: أهل الحل والعقد، وثانيهما: الشخص الذي أدّاهم اجتهادهم إلى اختياره ممن قد استوفوا شرائط الإمامة؛ ليكون إمامًا لهم، فإذا اجتمع أهل الحل والعقد للاختيار، وتصفّحوا أحوال أهل الإمامة الموجودة فيهم شروطها، فقدّموا للبيعة منهم أكثرهم فضلًا، وأكملهم في تلك الشروط، ومن يسرع الناس إلى طاعته، ولا يتوقّفون عن بيعته، فإذا تعيّن لهم من بين الجماعة من أدّاهم الاجتهاد إلى اختياره عرضوها عليه، فإن أجاب إليها بايعوه عليها، وانعقدت ببيعتهم له الإمامة، فلزم كافة الأمة الدخول في بيعته، والانقياد لطاعته، وإن امتنع من الإمامة ولم يجب إليها لم يجبر عليها، وعدل عنه إلى من سواه من مستحقّيها.

2.مشروعية البيعة.

دل على مشروعية البيعة الكتاب والسنة والإجماع:

فمن القرآن قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10] .

والآية تدل أن مبايعة المسلمين للرسول صلى الله عليه وسلم إنما هي في الحقيقة مبايعة لله تبارك وتعالى؛ فيده سبحانه فوق أيديهم، والمراد بالمبايعة في الآية: بيعة الرضوان بالحديبية، وقد أنزل الله تعالى فيمن بايعه فيها قوله جل شأنه: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح: 18] .

وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: «كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، وقال: بايعناه على أن لا نفرّ» 112.

ومما يدل على مشروعية البيعة قوله سبحانه في بيعة النساء: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 12] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت