فهرس الكتاب

الصفحة 2207 من 2431

نستشف من هذه المواقف أن الله سبحانه قريب من عباده لا يبطئ في مساعدتهم وإنقاذهم من محنهم حين يجد فيهم ثباتًا وعزمًا وإيمانًا راسخًا، وأن على العبد أن يجعل كل ثقته بالله تعالى وبقدرته على أن يغير نواميس الكون لقاء خلاصه من شدته، وأن التوكل على الله وتسبيحه هو السبيل الأمثل لتحقيق النجاة من الشدائد.

ثانيًا: نجاة نبي الله يوسف عليه السلام:

وردت قصة نبي الله يوسف عليه السلام في القرآن الكريم كاملة في سورة واحدة من سوره المباركة لتعرض لنا صورة عن مسيرة حياته الحافلة بالشقاء والتعذيب، واللحظات الحياتية الحرجة التي لم يكن أحد ليستطيع إنقاذه منها لولا تدخل العناية الإلهية التي كانت سببًا رئيسًا في نجاته سبع مرات من مواقف مختلفة:

الموقف الأول: إجماع إخوته على إلقائه في قعر الجب، فلما ألقوه فيه أوحى الله تعالى إليه أنه لابد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن أخوتك بصنيعهم هذا، وكانت نجاته من البئر بمعجزة، إذ جاءت سيارة «يسيرون من الشام فأخطؤوا الطريق وهاموا حتى نزلوا قريبًا من الجب، وكان الجب في قفرة بعيدة من العمران، إنما هو للرعاة والمجتاز، وكان ماؤه ملحًا فعذب حين ألقي فيه يوسف» 115.

فأرسلوا واردهم فلما أدلى بدلوه في الجب تعلق فيه يوسف، فاستخرج من البئر ونجا من غياهبه بتوفيق من الله تعالى.

الموقف الثاني: مراودة امرأة العزيز له عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه، فأعدت واستعدت وهيأت وتهيأت، فصرفها الله عنه وأنجاه برؤية برهانه.

قال تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ? وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى? بُرْهَانَ رَبِّهِ ? كَذَ?لِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ? إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف:24] .

واختلف في ذلك البرهان فقيل في تفسيره ستة أقوال 116 حاصل فكرتها جميعًا أن نجاته عليه السلام كانت بمعجزة إلهية خصه بها.

الموقف الثالث: مصادفة العزيز لدى الباب، حيث كادت امرأته بيوسف عليه السلام لتبرئ عرضها وتنزه ساحتها ولتنكل به جراء عدم امتثاله لإرادتها، فتبادلا التهمة عند سيدها: (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ?25?قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) [يوسف:25 - 26] .

في هذه الأثناء تتدخل العناية الإلهية مرة أخرى لتخلص يوسف عليه السلام من مأزقه هذا بشهادة شاهد من أهلها قال ابن عباس كان صغيرًا في المهد 117 فهداهم إلى تحكيم العقل والمنطق في التحقق من مسألة قد قميصه، فأنجاه الله بأن تيقن العزيز أن أمرأته هي التي راودت يوسف عليه السلام بعد أن رأى أن قميصه قد من دبر.

الموقف الرابع: حين شاع خبر امرأة العزيز وافتضح أمرها فكثر اللغط والطعن بعفتها فأرسلت إلى نسوة المدينة وأعتدت لهن متكأ وأخرجته عليهن، فأعظمنه وأجللنه، ثم مدحته بالعصمة وتوعدته بالسجن إن لم يطع أمرها، فأخذن يحرضنه على السمع والطاعة لسيدته 118.

فخشي يوسف عليه السلام من أن تضعف نفسه أمام ما يتعرض له من تحريضهن فدعا ربه: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ? وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) [يوسف:33] .

فكان له ما أراد إذ كتب الله له النجاة بدعائه الصادق قال تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم) [يوسف:34] .

المواقف الخامس والسادس والسابع: أودع يوسف عليه السلام السجن وأنزل به العذاب وضيق عليه، وكان من شدة ما نزل به من الأمر أنه أوصى من نجا من صاحبي السجن أن يذكر أمره عند ربه ويخبره أنه سجن بغير جرم، فأنساه الشيطان، فمكث في سجنه بين ثلاث إلى تسع سنين حتى كان ما كان من أمر رؤيا الملك التي فسرها فكان ذلك التفسير سببًا في نجاته من السجن وشدته من التهمة التي سجن حين برئ بقولها:(أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [يوسف:51] .

من الرق إلى السيادة حين أمر الملك فقال: ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ? فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ) [يوسف: 54] .

ثالثًا: نجاة نبي الله عيسى عليه السلام:

بعث عيسى عليه السلام في زمن الطبائعية الحكماء، فأرسله الله تعالى بمعجزات لا يستطيعونها ولا يهتدون إليها وعلى الرغم من أنه أقام عليهم الحجج، إلا أن أكثرهم استمسك بالضلالة والكفر، فانتدب الله تعالى من بينهم طائفة صالحة ينصرونه ويعينونه.

قال تعالى: (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ? فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ ? فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى? عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ [الصف:14] .

فلما أعلن عن دعوته ورسالته مكروا به ووشوا به إلى ملك ذلك الزمان وكان اسمه داود بن يورا، فقالوا: إن هناك رجلًا يضل الناس ويصدهم عن طاعتك، ويفسد رعاياك، ويفرق بين الأب وابنه، فأمر بقتله وصلبه، فحصروه في دار ببيت المقدس، فلما حان وقت دخولهم ألقى الله شبهه على بعض أصحابه الحاضرين عنده ورفع عيسى من روزنة من ذلك البيت إلى السماء، فلما دخلوا البيت وجدوا ذلك الشاب الذي ألقي عليه شبهه، فأخذوه ظانين أنه عيسى فصلبوه 119.

وفي ذلك يقول تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى? إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ ? ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ?55?) [آل عمران:55] .

ولا يهمنا هنا أن نبحث في كيفية التوفي والرفع بقدر ما يهمنا أن نصل إلى أن الله تعالى تدارك نبيه عيسى عليه السلام ونجاه بقدرته وحده، حيث ألقى شبهه على شخص آخر، فلم يصل إليه شرهم، بل كان عاقبة أمرهم أن الله تعالى مكر بهم وتركهم في ضلالهم يعمهون ظانين أنهم قتلوه (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَ?كِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ? وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ? مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ? وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ?157?بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ? وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ?158?) [النساء:157 - 158] .

أولًا: نجاة مؤمن آل فرعون:

قيل: هو ابن عم فرعون كان يكتم إيمانه بالله من قومه خوفًا منهم على نفسه، ولكنه حين هم فرعون بقتل موسى عليه السلام وقال: {ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} [غافر:26] .

خاف، فتلطف في رد فرعون بكلمة حق جمع فيها الترغيب والترهيب وألقاها على مسامع ذلك السلطان الجائر، قال: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر:28] .

ثم توجه إلى قومه مخاطبًا ومحذرًا أن يسلبوا ملكهم ويذلوا بتعرضهم لدين موسى عليه السلام ودعوته، مذكرًا بأحوال الأمم السالفة وما حل بأقوام نوح وعاد وثمود ومن بعدهم من هلاك بسبب عنادهم وكفرهم وصدهم عن سبيل الحق، وما ناله أولياء الله الذين صدقوا الرسل من رحمة ونجاة بسبب إخلاصهم الدين، فبالغ فرعون في الدفاع عن ألوهيته المزعومة وسخر من دعوة موسى عليه السلام وسعى إلى تكذيبه ليصد الناس عن الافتتان بدينه، ثم عاد مؤمن آل فرعون متوجهًا بالخطاب إلى قومه مطالبًا إياهم باتباع ما نهجه هو من سبيل الهدى مبينًا لهم فضل الدار الآخرة على الدنيا ومتاعها الذي يتمسكون به، ومبشرًا من يعمل صالحًا منهم بالجنة 120.

غير أن خطابه ودعوته الإيمانية هذه جوبهت بمحاولات قومه صده عن سبيل الهدى والعودة به إلى اتباع ربهم الأعلى والتسليم له بالربوبية، حرصًا على حياته من جهة، وذودًا عن سلطان فرعون الذي يخافون بطشه ويطمعون في جائزته من جهة أخرى، فكان مؤمن آل فرعون يشتد بأسه ويتصلب موقفه كلما احتدم الجدال ليعود فيخاطب عقولهم ويعقد مقارنة بين دعوته لهم التي يريد بها إخراجهم من الظلمات إلى النور، ودعوتهم له التي لن تودي به إلا إلى النار فيقول: {وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ} [غافر:41 - 43] .

فلما استيأسوا منه خافوا أن يتشجع العامة من الناس على أن يحذوا حذوه، فيرتدوا عن عبادة فرعون ويلتحقوا بدعوة موسى عليه السلام، فمكروا به للخلاص منه، وكان مكر الله بهم أكبر {فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} [غافر:45] .

وبنجاته من آل فرعون التحق بنبي الله موسى عليه السلام ليكون سببًا في خروجه من مصر ونجاته من القوم الظالمين، إذ أخبره بما يدبر له آل فرعون {قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} [لقصص:20] .

وبهذا يقدم لنا مؤمن آل فرعون صورة عظيمة للموقف الإيماني الراسخ المتسلح بالعقيدة الصادقة التي منحته القوة في مواجهة فرعون وملأه والتصريح بالدعوة إلى الله الواحد الأحد، فوهب الله له الخلاص وكتب له الخلود لشجاعة موقفه وصدق إيمانه.

ثانيًا: نجاة صاحب نبي الله يوسف عليه السلام:

وهو أحد الفتيين اللذين دخلا معه السجن، وكان الملك قد غضب منهما، لأنهما أغريا بتسميمه، فأمر بحبسهما، وكان يوسف عليه السلام معروفًا بإحسانه وتقواه، فقصده الفتيان ليعبر لهما رؤياهما، إذ {قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} [يوسف:36] .

فعبرها لهما بقوله: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ} [يوسف:41] .

وتفسير ذلك أنه قال للساقي: إنك ترد على عملك الذي كنت عليه من سقي الملك، وقال للخباز: وأما أنت فتصلب فتأكل الطير من رأسك 121. وما هي إلا أيام حتى تحقق تعبير الرؤيتين، فصلب الخباز حتى هلك، ونجا الساقي بعفو الملك، وكما كانت نجاة مؤمن آل فرعون سببًا في خلاص موسى عليه السلام، كانت نجاة الساقي سببًا في خلاص يوسف عليه السلام ولو بعد حين، فقد طلب من ذلك الناجي أن يذكره عند ربه بعد خروجه من السجن فأنساه الشيطان ذكر ربه، حتى كانت رؤيا الملك التي ذكرته بعهده ليوسف عليه السلام فكان ما كان من أمر تأويله لرؤيا الملك التي كتب الله بها له النجاة من السجن، ولمصر النجاة من الهلاك.

ثانيًا: الناجون من الجماعات:

أولًا: نجاة نبي الله هود عليه السلام والذين آمنوا معه:

كان من قبيلة يقال لهم: عاد، كانوا عربًا يسكنون الأحقاف، وهم عاد الأولى الذين كانوا أول من عبد الأصنام بعد الطوفان، وأصنامهم ثلاثة صدا وصمودا وهرا، فبعث الله فيهم أخاهم هودًا عليه السلام، قيل: إنه أول من تكلم بالعربية، وثاني الأنبياء - بعد نوح عليه السلام - الذين جابهوا فكرة الوثنية ودعوا إلى عبادة الله الواحد الأحد، فدعا قومه إلى تقوى الله تعالى وإلى إفراده بالعبادة والإخلاص له بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء:131 - 135] .

فكذبوه وخالفوه وتنقصوه وحاجوه أنك ما جئتنا بمعجزة تشهد لك بصدق دعوتك، وما نحن بتاركي عبادة أصنامنا، إن نظن إلا أصابك بعض آلهتنا بغضب فاعتراك جنون، فما كان منه إلا أن تبرأ من إشراكهم مفوضًا أمره إلى الله، أما قومه فقد ترقوا في عداوتهم له من رفضهم لنصائحه ودعواته واتهامهم له في عقله إلى تحديه: {فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} [الأعراف:70] .

واستبعدوا المعاد وأنكروا قيام الأجساد بعد صيرورتها ترابًا وعظامًا وقالوا {هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ} ؛ أي: بعيد بعيد هذا الوعد {إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} [المؤمنون:37] .

ثم عارضوا عبادة الله تعالى بعبادة أصنامهم التي نحتوها وسموها من تلقاء أنفسهم فتوعدهم بالعذاب بقوله: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف:71] .

فاستجار بربه منهم واستعان به عليهم ودعاه إلى أن ينصره وينجيه: {قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ} [المؤمنون:39 - 40] .

يذكر أن عادًا كانوا ممحلين مسنتين، وبسبب رفضهم دعوة هود عليه السلام أمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك فطلبوا الفرج والسقيا {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأحقاف:24] .

فسخرها الله عليهم سبع ليال وثمانية أيام متواصلة، فلم تدع من عاد أحدًا إلا هلك.

قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} [هود:58] .

قيل: اعتزل هود عليه السلام في حظيرة هو ومن معه من المؤمنين ما يصيبهم إلا ما يلين عليهم الجلود ويلتذ الأنفس، وإنها لتمر على عاد بالطعن فيما بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة 122.

قال تعالى: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [الأعراف:72] .

فكانت نجاة هود عليه السلام ومن معه برحمة من الله تعالى خصهم بها.

ثانيًا: نجاة نبي الله صالح عليه السلام والذين آمنوا معه:

هو من قبيلة يقال: لها ثمود أو عاد الثانية، كانوا عربًا من العاربة يسكنون الحجر، وكانوا يعبدون الأصنام كأسلافهم من قوم عاد الأولى، فبعث الله فيهم صالحًا عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وأن يخلعوا الأصنام التي يعبدونها، قال لهم: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [الأعراف:74] .

فآمنت طائفة منهم وكفر جمهورهم ونالوا منه بالمقال والفعال {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} [هود:62] .

لأنهم يرون أنه أصبح مسحورًا لا يدري ما يقول، ثم طالبوه بأن يأتيهم بآية على صدقه فقالوا له هلا أخرجت لنا من هذه الصخرة -وأشاروا إلى صخرة هناك- ناقة ذكروا أوصافًا لها كثيرة، فقال لهم النبي صالح عليه السلام: أرأيتم إن أجبتكم إلى ما سألتم، أتؤمنون بما جئتكم به وتصدقوني ورسالتي؟ قالوا: نعم. فأخذ مواثيقهم على ذلك ثم قام فصلى لله تعالى ما قدر له ثم دعا ربه أن يجيبهم إلى ما طلبوا، فأمر الله تعالى تلك الصخرة أن تنفطر عن ناقة عظيمة عشراء، على الوجه الذي طلبوه، قال: {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الأعراف:73] .

فلما عاينوها كذلك رأوا أمرًا عظيمًا ودليلًا قاطعًا، فآمن كثير منهم واستمر أكثرهم على كفرهم، فاتفق الحال على أن تبقى هذه الناقة بين أظهرهم ترعى حيث شاءت من أرضهم وترد الماء يومًا بعد يوم، فلما طالت عليهم الحال هذه اجتمع ملؤهم واتفق تسعة رهط من المفسدين منهم على أن يعقروا هذه الناقة ليستريحوا منها ويتوفر عليهم ماؤهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم {فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [الأعراف:77] .

فأوعدهم بالعذاب، قال: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65] .

فلم يصدقوه في وعيده هذا، بل هموا بقتله وأرادوا فيما زعموا أن يلحقوه بالناقة {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل:49] .

فأرسل الله تعالى على أولئك الرهط حجارة رضختهم سلفًا وتعجيلًا قبل قومهم، وبينا بقية القوم ينتظرون ماذا يحل بهم من العذاب ولا يدرون ما سيفعل بهم ولا من أي جهة يأتيهم جاءتهم مع شروق اليوم الرابع صيحة من السماء من فوقهم ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس وخشعت الأصوات، فأصبحوا في دارهم جاثمين جثثًا لا أرواح فيها ولا حراك بها 123، إلا صالح عليه السلام ومن آمن معه قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} [هود:66] .

قال الطبري قوله: {بِرَحْمَةٍ مِنَّا} أي: «بنعمة وفضل من الله، {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} يقول: ونجيناهم من هوان ذلك اليوم وذلة ذلك العذاب» 124.

ثالثًا: نجاة نبي الله لوط عليه السلام وأهله:

هو ابن أخي نبي الله إبراهيم عليه السلام وكان لوط قد نزح عن محلة بأمر عمه وإذنه، فنزل بمدينة سدوم ولها أهل من أفجر الناس وأردأهم سريرة وسيرة، وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويأتون في ناديهم المنكر، ثم إنهم ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم إليها أحد من بني آدم، فدعاهم لوط عليه السلام إلى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطي هذه المحرمات والأفاعيل المستقبحات، فتمادوا في طغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم، فلم يستجيبوا له ولم يؤمن به رجل واحد منهم، وهموا بإخراجه من بين ظهرانيهم واستضعفوه وما كان حاصل جوابهم له إلا أن قالوا: {أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل:56] .

فجعلوا غاية المدح ذمًا يقتضي الإخراج، فطلبوا من لوط عليه السلام وقوع ما حذرهم به من العذاب الأليم، فدعا عليهم سائلًا ربه أن ينصره على القوم المفسدين قال: {رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} [الشعراء:169 - 170] .

إذ أرسل الله تعالى رسله فمروا بإبراهيم عليه السلام وبشروه بالغلام العليم وأخبروه أنهم مرسلون إلى قوم لوط عليه السلام فجادلهم في أمر عذابهم، فقالوا له: {يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} [هود:75] .

فقال لهم: {قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:32] .

وانطلق الملائكة إلى أرض سدوم في صورة شبان حسان اختبارًا من الله تعالى لقوم لوط عليه السلام وإقامة الحجة عليهم، فاستضافوه فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره، وحسبهم بشرًا وسيء بهم وضاق ذرعًا بهم واشتد عليه بلاء يومه، وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلًا، فجاء بضيوفه فلم يعلم بهم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت: إن في بيت لوط رجالًا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون إليه. حاول أن يرشدهم إلى عدم تعاطي ما لا يليق من الفاحشة، فأبوا إلا أن يمضوا إلى ما يبتغون فقال لهم: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود:80] .

قالت الملائكة: {قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ} [هود:81] .

ثم بثوا في نفسه الطمأنينة ووعدوه بالنجاة قائلين: {لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ} [العنكبوت:33] .

وأخبروه بأن يسري هو وأهله من آخر الليل قال تعالى: {إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ} [القمر:34] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت