أولًا: المعنى اللغوي:
جاء في كتب اللغة: مَنَّ عليه مِنَّةً أي: امتن عليه، يقال: المِنَّةُ تهدم الصنيعة، وفي الحديث (ما أحدٌ أَمَنَّ علينا من ابن أبي قحافة) 1 أي: ما أحدٌ أجود بماله وذات يده، وفي التنزيل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264] .
فالمَنُّ ههنا أن تَمُنَّ بما أعطيت وتعتد به كأنك إنما تقصد به الاعتداد.
وقوله جل شأنه: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ} [المدثر:6] . أي: لا تعط شيئًا مقدرًا لتأخذ بدله ما هو أكثر منه، وقد يطلق المنان على الذي لا يعطي شيئًا إلا مِنَّةً واعتد به على من أعطاه 2.
ومن معاني المن في اللغة كذلك: الاعتداد، والعطاء، والقطع 3.
ويأتي المن أيضًا بمعنى الإثقال بالنعمة، كما في قول الله تعالى {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 164] 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف المَنُّ في الاصطلاح بتعريفات مختلفة بحسب موضوعه، فمنه المحمود الذي يعني الإحسان إلى الناس وصنع الجميل لهم، ومنه المذموم الذي تبعه أذى أو طلب شكر أو منفعة كان مذمومًا مقطوعًا عن الأجر، وأورد هنا طرفا من تعريفات المن على هذا النحو:
فعرفه الغزالي بأنه: التحدث بالمعروف على الفقير وإظهاره وطلب المكافأة منه بالشكر والدعاء والخدمة والتوقير والتعظيم والقيام بالحقوق والتقديم في المجالس والمتابعة في الأمور 5.
وردت مادة (مَنَّ) في القرآن الكريم (51) مرة، يخص موضوع البحث منها (26) مرة 6.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 8 ... {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا} [آل عمران:164]
الفعل المضارع ... 7 ... {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم:11]
فعل الأمر ... 1 ... {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) } [ص:39]
اسم مفعول ... 4 ... {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) } [القلم:3]
مصدر ... 6 ... {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد:4]
وجاء المن في القرآن على وجهين 7:
الأول: العطاء: قوله تعالى: {وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) } [المدثر: 6] . يعني: لا تعط شيئًا قليلًا تزدريه؛ لتعطى أكثر منه.
الثاني: المنة بعينها: قال تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات: 17] . أي: المنة لله أن هداكم للإيمان.
العطاء:
العطاء لغة:
جاء في كتب اللغة: العطاء والعطية اسمٌ لما يعطى، والجمع عطايا وأعطية، وأعطياتٌ جمع الجمع، ويقال: إنه لجزيل العطاء، وهو اسمٌ جامعٌ فإذا أفرد قيل: العطية وجمعها العطايا، وأما الأعطية فهو جمع العطاء، يقال: ثلاثة أعطيةٍ ثم أعطياتٌ جمع الجمع، ويقال: رجلٌ معطاءٌ كثير العطاء، وامرأة معطاءٌ كذلك، ومفعالٌ يستوي فيه المذكر والمؤنث 8.
قال الشاعر: أعطى وهنأنا ولم تك من عطيته الصغاره ومن العطية ما تعى جذماء ليس لها بذاره 9.
العطاء اصطلاحًا:
والعطية عند الفقهاء ما يعطى بغير عوض هبة كان أو صدقة أو هدية 10.
والمعنى في الاصطلاح لا يختلف عن المعنى اللغوي، حيث إن العطاء يدور معناه حول المناولة وهي في اللغة والاستعمال عبارة عن كل نفع أو ضر يصل من الغير إلى الغير كما ذكر ابن العربي عن حقيقة العطاء 11.
الصلة بين المَنِّ والعطاء:
كلاهما يحقق معنى البذل بلا مقابل وفيهما المحمود الذي يوصف بالنفع، أو المذموم الذي يوصف بالضر.
الإيتاء:
الإيتاء لغة:
الإيتاء: الإعطاء، آتى يؤاتي إيتاءً، وآتاه إيتاءً، أي: أعطاه، ويقال: آتاه الشيء، أي: أعطاه إياه 12.
ويرى الزبيدي أن الإيتاء أقوى من الإعطاء في إثبات مفعوله؛ لأن الإعطاء له مطاوع بخلاف الإيتاء تقول: أعطاني فعطوت ولا يقال: آتاني فآتيت، وإنما يقال: آتاني فأخذت، والفعل الذي له مطاوع أضعف في إثبات مفعوله مما لا مطاوع له 13.
الإيتاء اصطلاحًا:
إعطاء المال للغير على سبيل التمليك وحرية التصرف.
الصلة بين الإيتاء والمَنِّ:
أما الصلة بين المن والإيتاء فتتضمن معنى العطاء والدفع والأداء من شخص إلى آخر، وأن من الإيتاء ما هو تفضل مثل المن المحمود وليس واجبًا ملزمًا على المعطى.
الإحسان:
الإحسان لغة:
مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة 14
الإحسان اصطلاحًا:
هو: إتقان الأعمال والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل منه 15.
وقال الراغب: (الإحسان على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علم علمًا حسنًا أو عمل عملًا حسنًا 16.
الصلة بين الإحسان والمن:
وتأتي الصلة بين الإحسان والمن في كونهما يتفقان في معنى الإنعام على الغير بما يحققه المن المحمود.
أولًا: التعريف باسم الله المنان:
ورد في بعض الأحاديث تسمية الله عز وجل بالمنان، فقد روي (عن أنسٍ أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا ورجلٌ يصلى ثم دعا اللهم إنى أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم. فقال النبى صلى الله عليه وسلم(لقد دعا الله باسمه العظيم الذى إذا دعى به أجاب وإذا سئل به أعطى) 17.
وقد وردت أقوال للعلماء في التعريف باسم الله المنان منها ما يلي:
قال الزجاج: « (المنان) فعَّال، من قولك: مننت على فلان، إذا اصطنعت عنده صنيعة وأحسنت إليه، فالله عز وجل منان على عباده بإحسانه وإنعامه ورزقه إياهم، وفلان يمن على فلان: إذا كان يعطيه ويحسن إليه» 18.
وقال الحليمي: «ومنها: (المنان) وهو عظيم المواهب، فإنه أعطى الحياة والعقل والنطق، وصور فأحسن الصور، وأنعم فأجزل، وأسنى النعم، وأكثر العطايا والمنح 19.
قال تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } [إبراهيم:34] .
وقال أبو بكر الأنباري: «وفي أسماء الله تعالى الحنَّان المنَّان، أي: الذي ينعم غير فاخر بالإنعام، وقال في موضع آخر: «المنان: معناه: المعطي ابتداء ولله المنة على عباده، ولا منة لأحد منهم عليه، تعالى الله علوًّا كبيرًا» 20.
وقال ابن الأثير: «من أسماء الله تعالى: (المنَّان) هو المنعم المعطي، من المن: العطاء، لا من المنة. وكثيرًا ما يرد المن في كلامهم بمعنى الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه، فالمنان من أبنية المبالغة، كالسَّفَّاك والوهَّاب» 21.
والمنان تقدست أسماؤه جل وعلا، يقال: مَنَّ يَمُنُّ مَنًّا فهو المنان، والاسم: المنة، واشتقاقه في موضوع اللسان من المن، وهو العطاء دون طلب عوض، ومنه قوله تعالى {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) } [ص: 39] في أحد وجوهه.
ويكون أيضًا مشتقًّا من: المنة، التي هي التفاخر بالعطية على المعطى، وتعديد ما عليه، والمعنيان في حق الله تعالى صحيحان، ويتصف أيضًا بهما الإنسان، لكن يتصف بالمعنى الواحد على طريق المدح، وبالمعنى الثاني على طريق الذم.
فالأول: الذي هو ممدوح، نحو أن يكون عطاؤه أو مَنُّهُ لوجه الله تعالى، ولا لنيل عوض من الدنيا.
ومن هذا القسم قوله عليه السلام فيما رواه أبو سعيدٍ الخدرى رضي الله عنه قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وقال:(إن الله خَيَّرَ عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله) . قال: فبكى أبو بكرٍ، فعجبنا لبكائه أن يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبدٍ خيرًا. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكرٍ أعلمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أَمَنِّ الناس عليِّ في صحبته وماله أبا بكرٍ، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربى لاتخذت أبا بكرٍ، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد بابٌ إلا سد، إلا باب أبى بكرٍ) 22.
والثاني: وهو أنْ يَمُنَّ الإنسان بالعطية، أي: يذكرها ويكررها، فهو المذموم، ومنه قوله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} [البقرة: 264] .
والمنان: الذي لا يعطي شيئًا إلا منة، كذا جاء مفسرًا في حديث مسلم عن أبى ذرٍّ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنان الذى لا يعطي شيئًا إلا منه، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره) 23.
والمنان أيضًا: الذي يمن على الله بعمله، وهذا كله في حق المخلوق حرام مذموم.
ولما كان البارئ سبحانه يدر العطاء على عباده منًّا عليهم بذلك وتفضلًا، كانت له المنة في ذلك، فيرجع المنان إذا كان مأخوذًا من المن الذي هو العطاء إلى أوصاف فعله.
ويرجع المنان إذا أخذته من المنة التي هي تعداد النعمة وذكرها، والافتخار بفعلها في معرض الامتنان، إلى صفة كلامه تعالى.
وبهذا يتبين أن كلمة المنان لها وجهان، وجه محمود ووجه مذموم، وذلك في حق البشر، أما في حق الله عز وجل، فلا تقتضي إلا المدح، وأنها اسم من أسماء الله تعالى، ولهذا تواترت آيات القرآن الكريم التي ورد فيها المن من الله تعالى على الناس على نحو ما سيأتي.
الثاني: المن على العرب بإرسال الرسول منهم:
من حكمة الله تعالى أنه أرسل الرسل والأنبياء لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، وتلك نعمة كبرى تستحق الشكر، وقد أتى القرآن الكريم بمعنى من معاني المن ألا وهو الفضل والإيتاء، حيث أكرم الله تعالى العرب وأرسل إليهم رسولا من أنفسهم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فقال جل شأنه: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) } [آل عمران: 164] .
قال الإمام الطبري في تفسيره: «لقد تطول الله على المؤمنين، إذ بعث فيهم رسولا، حين أرسل فيهم رسولا من أنفسهم، نبيا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم، فلا يفقهوا عنه ما يقول، فيقرأ عليهم آي كتابه وتنزيله، ويطهرهم من ذنوبهم باتباعهم إياه، وطاعتهم له فيما أمرهم ونهاهم، ويعلمهم كتاب الله الذي أنزل عليه، ويبين لهم تأويله ومعانيه، ويبين لهم السنة التي سنها الله جل ثناؤه للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، و إن كانوا من قبل أن يمن الله عليهم بإرساله رسوله الذي هذه صفته، لفي ضلال مبين، أي: في جهالة جهلاء، وفي حيرة عن الهدى عمياء، لا يعرفون حقًّا، ولا يبطلون باطلا» 24.
وهناك أقوال في معنى المنة في الآية وقد ذكرها الإمام القرطبي في تفسيره بيانها على النحو التالي:
حيث قال: «منها أن يكون معنى (من أنفسهم) أي: بشر مثلهم، فلما أظهر البراهين وهو بشر مثلهم علم أن ذلك من عند الله. وقيل: {مِنْ أَنْفُسِهِمْ} منهم. فشرفوا به صلى الله عليه وسلم، فكانت تلك المنة.
وقيل: {مِنْ أَنْفُسِهِمْ} ليعرفوا حاله ولا تخفى عليهم طريقته. وإذا كان محله فيهم هذا كانوا أحق بأن يقاتلوا عنه ولا ينهزموا دونه. وقيل {مِنْ أَنْفُسِهِمْ} (بفتح الفاء) يعني: من أشرفهم؛ لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل من قريش، وقريش أفضل من العرب، والعرب أفضل من غيرهم. ثم قيل: لفظ المؤمنين عام ومعناه خاص» 25.
وقد جعل الله سبحانه وتعالى منة إرسال الرسول للمؤمنين خاصة؛ ليبين لهم عظم هذه المنة عليهم، حيث أنهم المنتفعون به، فكان النبي صلى الله عليه وسلم واحد منهم ومثلهم، وقد ذكر الله تعالى ذلك في مواضع عدة من كتاب الله تعالى، أكثرها ليس بلفظ المنة، ولكن بلفظ إرسال الرسول من نفس المؤمنين، وموضع واحد بلفظ المنة وهو قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) } [آل عمران:146] .
روي عن عائشة رضي الله عنها: « {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ} قالت: هذه للعرب خاصة. وقال آخرون: أراد به المؤمنين كلهم 26.
أما المواضع الأخرى التي فيها بيان نعمة إرسال الرسول من أنفسنا، وليست بلفظ المنة فهي:
قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151 - 152] .
وقوله جل شأنه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) } [التوبة: 128] .
وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89) } [النحل: 89] .
وهذه الآية في معرض شهادة النبي عليه الصلاة والسلام علينا أو لنا يوم القيامة.
وقوله جل شأنه: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) } [الجمعة: 2] .
وقد حدثنا الله تبارك وتعالى عن نعمته علينا بإرسال رسول لنا يتلو علينا آيات الله، ويعلمنا الدين، وأن هذا الرسول منا نعرفه قبل أن يكلف بالرسالة، فقد آمن بسيدنا محمد من يعرفونه أكثر من غيرهم، ووضح هذا الأمر من خلال بيان القرآن الكريم لذلك.
قال تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) } [البقرة: 151 - 152] .
وقد فسر الشيخ الشعراوي هذه الآية فقال: «إن أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم هم أولئك الذين يعرفونه أكثر من غيرهم، كأبي بكر الصديق، وزوجته صلى الله عليه وسلم السيدة خديجة، وابن عمه علي بن أبي طالب، هؤلاء آمنوا دون أن يطلبوا دليلا؛ لأنهم أخذوا الإيمان من معرفتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلف بالرسالة، فهم لم يعرفوا عنه كذبًا قط. فقالوا: إن الذي لا يكذب على الناس لا يمكن أن يكذب على الله فآمنوا، فالله سبحانه وتعالى من رحمته أنه أرسل إليهم رسولا منهم أميًّا ليعلمه ربه» 27.
ولذلك قال الحق تبارك وتعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) } [التوبة: 128] .
ونعمة الله على العرب بإرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إنما ذكرنا الله تعالى بها كثيرًا من أجل أن نذكر نعمه دائما علينا وقت حياتنا، والله عز وجل يريد من عباده الصالحين أن يذكروه دائما كما جاء في الحديث القدسي المشهور عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه، وإن اقترب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا، اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) 28.
فالعبد الصالح يدرك نعم الله عليه في الدنيا والدين، وأنه واجب عليه أن يشكره على هذه النعم الظاهرة والباطنة، وأن يحمده على ما علمه عن طريق رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثالثًا: المن بالنبوة والرسالة:
أرسل الله تعالى الرسل والأنبياء لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور كما هو معروف، وأمد الله الرسل بالمعجزات الباهرة، وأيدهم بالحجج القوية، وآتاهم القوة المعنوية والروحية التي يحاجون بها خصومهم، وهذا لدى جميع الأنبياء، وأمدَّ بعضهم بالقوة الجسدية والثروة، وملهكم ملكًا عظيمًا كما هو الحال عند نبي الله سليمان عليه السلام.
وقد ورد في القرآن طرفًا من ذلك، والذي يعتبر نموذجا لمنة الله تعالى على أحد أنبيائه، ففي قصة موسى عليه السلام نجد مِنَّةَ الله تعالى عليه في جوانب متعددة:
أولها: المن عليه بالاصطفاء بالنبوة وإنجائه من فرعون وهو طفل وليد.
والثاني: إرساله إلى فرعون وملائه.
والثالث: إنعامه عليه بالنجاة من فرعون وهو كبير، حيث فر إلى مدين وأقام بها ما أقام ثم عودته إلى دياره. وغيرها من المنن المتعلقة بالنبوة والرسالة.
وبداية التذكير بهذه المنة نجده في أوائل سورة القصص، بلفظ إرادة المنة بتخليص المستضعفين من بطش فرعون وجنوده، حيث قال الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) } [القصص: 5 - 6] .
ثم توالى ذكر المنن بعد ذلك في آيات مختلفة من سورة طه والصافات.
وفي موضع آخر يأتي ذكر منة الله تعالى على الأخوين موسى هارون في آيات جامعة لجملة من النعم التي أنعم الله تعالى عليهما بها، وذلك في قول الله تعالى: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (119) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (120) } [الصافات: 114 - 120] .
قال الطبري في معناها: «ولقد تفضلنا على موسى وهارون ابني عمران، فجعلناهما نَبيَّيْن، ونجيناهما وقومهما من الغم والمكروه العظيم الذي كانوا فيه من عبودة آل فرعون، ومما أهلكنا به فرعون وقومه من الغرق» 29.
وذكر الماوردي في معنى المنِّ هنا:
أحدهما: بالنبوة، قاله مقاتل.
والثاني: بالنجاة من فرعون، قاله الكلبي.
وأورد في معنى كلمة {وَنَجَّيْنَاهُمَا} : قولين:
الأول: النجاة من الغرق.
والثاني: النجاة من الرق 30.
رابعًا: المن بالهداية بعد الإيمان:
الإيمان سلعة غالية ومطلب كبير، وسبب لفلاح الناس ونجاحهم في الدنيا والآخرة، ولذلك ورد ذكره والتنويه بشأنه والتصريح بأهميته في آيات عدة من كتاب الله تعالى.
والله تعالى قد أرسل الرسل لهداية البشر، وجعل الرشاد في اتباعهم، والغي والضلال في مخالفتهم، وبين سبحانه وتعالى حال الأمم السابقة وحال البشر جميعا قبل هدايتهم للإيمان، ومنته تعالى عليهم بهذه النعمة، وقد جاء ذكر ذلك في موضعين:
الموضع الأول: في قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) } [النساء: 94] .