فهرس الكتاب

الصفحة 1741 من 2431

وتمثل هذه الحالات حوالي نصف حالات السقط التلقائي المبكر، وبعد اكتشاف جهاز الأشعة فوق الصوتية واستخدامه في تشخيص الحمل ومتابعته، تأكدت حالات غور الأجنة واختفائها من داخل الأرحام 131. والله سبحانه وتعالى أعلم.

إن الإيمان بكل الأركان وعلى رأسها الركن الأول والأعظم فيها وهو الإيمان بالله تعالى، إنما هو إيمان بالغيب. إن هذا الإيمان يثمر في نفس الإنسان ثمراتٍ كثيرةً، وله آثاره العظيمة، على مستوى الفرد والأسرة والجماعة، في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة، فكل آثار الإيمان بالله تعالى وتوحيده هي آثار للإيمان بالغيب، و كل ما نجده من خير واستقامة وسعادة وتقدم و إبداع، وكل ما يتطلع الإنسان إليه من القيم و الأخلاق العالية كالتوكل على الله، و اليقين، والعلم، والصدق، والخوف من الله، والرضا، والرجاء، وغير ذلك، هذا كله وأضعافه، إنما هو أثر من آثار الإيمان بالغيب!

وعلى الجانب الآخر؛ عندما يتنكر الإنسان للإيمان بالغيب، تختلف الصورة، وتختلف النتيجة، فكل ما تعاني منه البشرية، على مستوى الفرد والجماعة والأمة، في كل المجالات، من أمراض ومساوئ ومفاسد وأدواء، كاتباع الشهوات والركون للدنيا، والشقاء والاضطراب النفسي و الاجتماعي، والقلق ونحوه، علاوة على التمزق النفسي والضياع والتيه، وإطفاء نور الفطرة التي فطر الله تعالى الإنسان عليها، مع ما ينتظره من الخلود في النار في الآخرة. كل هذا وغيره، إنما هو أثر ونتيجة لهذا الإنكار والإلحاد.

وفيما يلي نتحدث عن: ثمرات الإيمان بالغيب، وبعض نتائج إنكار الغيب، بحسب ما يسمح به المقام.

أولًا: ثمرات الإيمان بالغيب:

جعل الله تعالى الإنسان أكرم المخلوقات وفضله عليها جميعها، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .

وهذا التكريم الإلهي للإنسان يتجلى في صور كثيرة، يأتي على رأسها فطرة الإيمان بالغيب ومالا تدركه الحواس، والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس -أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس-.

وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير. كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض، فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته، ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود. وأن وراء الكون ظاهره وخافيه، حقيقة أكبر من الكون، هي التي صدر عنها، واستمد من وجودها وجوده، حقيقة الذات الإلهية التي لا تدركها الأبصار ولا تحيط بها العقول.

وعندئذ تصان الطاقة الفكرية المحدودة المجال عن التبدد والتمزق والانشغال بما لم تخلق له، وما لم توهب القدرة للإحاطة به، وما لا يجدي شيئا أن تنفق فيه، وهذا الاحترام لمنطق العقل في هذا الشأن هو الذي يتحلى به المؤمنون، وهو الصفة الأولى من صفات المتقين.

لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة، ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان -كجماعة الماديين في كل زمان- يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقرى، إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا (تقدمية) ، وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها، فجعل صفتهم المميزة، صفة: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [البقرة: 3] 132.

الإيمان بالغيب هو الأساس والركن الذي يقوم عليه الشعور الديني والمراقبة لله تعالى والالتزام بالأحكام الشرعية والأوامر الإلهية، وذلك يؤهل المؤمن للوقوف أمام محكمة الضمير أو النفس اللوامة التي أقسم الله تعالى بها، وهو سبحانه لا يقسم إلا بما هو عظيم، فقال: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1 - 2] .

وهي محكمة باطنية، بينما محكمة المجتمع محكمة سطحية ظاهرية لا تتناول من أعمالنا إلا ما يقع تحت السمع والبصر، و لا تتناول من هذه الأعمال إلا ما يصل إلى علمها، فهل هناك محكمة تحيط بظواهرنا و بواطننا، ولا يخفى عليها شيء من أمرنا، و إن بعدنا عن أعين الرقباء؟ نعم! تلك هي المحكمة الإلهية العليا 133.

إن تربية الشعور الديني هي الدافع للاستقامة وحسن السلوك، وهي الضابط الذي يعصمنا من الجريمة ومن ارتكاب الحرام ومن مخالفة الأوامر، فاستقرار الإيمان في النفس البشرية هو سببٌ واضح في عدم مخالفة الأوامر التي يأمر بها الشارع وهو الله -عزوجل-، حتى إن لم يكن هناك أي رقابة خارجية، فالإيمان بالله ومراقبته في السر والعلن والالتزام بأوامره تقوي علاقة الإنسان بربه، وتجعله يستشعر مراقبة الله تعالى له في كل تصرف من تصرفاته.

وهناك أمثلة من الواقع التاريخي تدل على سلطة الايمان في الاستقامة والبعد عن المأثم. ونذكر هنا مثالًا على ذلك، وهو تحريم الخمر في الإسلام، وذلك بمجرد نزول الأمر القاطع في ذلك، بينما فشلت في ذلك أكبر النظم المعاصرة رغم تقدمها المادي والعلمي؛ لأنها لا تقوم على الإيمان، أو لا تنظر إلى حلال أو حرام فيما تشرعه من قوانين.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 90 - 93] .

لقد تمت هذه المعجزة التشريعية؛ لأن المنهج الرباني أخذ النفس الإنسانية بطريقته الخاصة، أخذها بسلطان الله وخشيته ومراقبته، وبحضور الله سبحانه فيها حضورًا لا تمللك الغفلة عنه لحظة من زمان أخذها جملة لا تفاريق، وعالج الفطرة بطريقة خالق الفطرة 134.

إن إيمان المرء بالله تعالى، وإيمانه بكل ما ينطوي عليه من أمر الغيب، له أثره في عمق الشعور بتقوى الله وخشيته، والخوف من حسابه يوم القيامة، ويترتب على ذلك انضباط السلوك وحساسية الضمير تجاه مسئولية الإنسان عن أعماله. فإن الإسلام يرسي قاعدة المسئولية بأوسع معانيها، فهي تشمل الفرد و الجماعة، والحاكم والمحكوم، وتكون هذه المسئولية أمام محكمة الضمير أو الوجدان، كما تكون أمام الرأي العام في الجماعة، وأعلى من هذا كله المسئولية أمام الله تعالى، وهي تقتضي الاستعداد لهذا الحساب الدقيق.

وللدكتور محمد عبدالله دراز رحمه الله كلمةٌ في بيان المحكمة التي سنقف أمامها للمسئولية ونقدم فيها الحساب لمعرفة أثر ذلك في التربية والتهذيب والاستقامة. يقول رحمه الله: «إن القرآن الكريم يضعنا أمام سلطة ثلاثية كأنه يقول لنا: تصوروا أنفسكم في نقطة مركزية تحيط بكم ثلاث دوائر مدرجة الاتساع، و تصوروا أنه قد خرج من كل دائرة سهام أو أنصاف أوتار متجهة نحو هذا المركز، هي أشعة العين التي تراقبكم. انظروا في أنفسكم تجدوا محكمة، وانظروا من حولكم تجدوا محكمة، وانظروا فوقكم تجدوا محكمة، محكمة الضمير في قلوبكم، ومحكمة البشر من حولكم، ومحكمة السماء من فوقكم، و لكل واحدة منها أمانة في أعناقكم سنحاسبكم عليها» 135.

اقرءوا -إن شئتم- قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27] .

وقال الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47] .

وهذا الاستعداد للحساب لا يقتصر على الحياة الفردية، بل يمتد ليشمل مستوياتٍ أوسع وأعلى، فإن إمام المسلمين، أو رئيس الدولة بالتعبير المعاصر، كذلك يكون أكثر محاسبة للنفس واستعدادًا للحساب يوم القيامة؛ لأنه يشعر بعظم المسئولية وأهمية الولاية، فإن الولاية العامة أمانةٌ توجب المسئولية الدينية أمام الله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] .

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] .

وهذا الذي جعل الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقف ليحاسب نفسه وليعلن أنه مسئول، في كلمات كثيرة مأثورة عنه، و في وقائع عملية شاهدة. وحسبنا ما قاله لجرير بن عبد الله البجلي: «يا جرير إني قاسمٌ مسئولٌ، ولو أن سخلةً بالعراق عثرت لخفت أن يسألني الله عنها: لم لم تسو لها الطريق» 136. وغيرها من النصوص عن الخلفاء الراشدين كثيرة متوافرة، و الوقائع العملية التطبيقية شاهدة ناطقة. وما ذاك إلا ثمرة من ثمرات الإيمان بالله تعالى و بالحساب والجزاء.

4.أثره في سلوك الفرد والجماعة: القيم والغايات.

حين يؤمن الإنسان بالغيب، فيؤمن باليوم الآخر وهو غيب، ويؤمن بالجنة والنار، وهو إيمان بالغيب -كما تقدم- ويؤمن بالجزاء والحساب، حين يؤمن بهذا كله إيمان اليقين، نستطيع أن ندرك أهمية هذا في سلوك الفرد وسلوك الجماعة إذا عرفنا نفسية الشخص الذى لا يؤمن بالآخرة وطبيعة تصوره للحياة الدنيا وطريقة شعوره بها. إن الحياة الدنيا في حسه هى الأولى والأخيرة، والعمر فرصة واحدة إن لم تنتهب فسوف تضيع! وإذا كان العمر -مهما طال - محدودًا بسنوات، ولذائذ الحس كثيرة ومتنوعة، فالبدار البدار!

هكذا تكون القضية في حس الذى لا يؤمن باليوم الآخر. فرصة وحيدة محدودة ينبغى أن تنتهز ويؤخذ فيها أكبر قدر من الملذات؛ ولذلك تتكالب الجاهليات دائمًا على متاع الأرض وتتصارع عليه، وتنحصر اهتماماتها في حدود الدنيا.

والجاهلية المعاصرة نموذج لما نقول، فما الذى يشغل الأفراد فيها ويشغل الجماعات؟

أما الفرد فهو يعمل وينتج ليحصل على أكبر قدر يستطيع الحصول عليه من المال، ثم ينفق هذا المال في الحصول على أكبر قدر من المتاع، يستوى في حسه أن يكون من المتاع الحلال أو الحرام! بل إن فكرة الحرام لا تخطر على باله على سبيل الجد! فالأصل عنده هو الاستمتاع، قبل أن تفوت الفرصة التى إن مضت لا تعود! فما معنى الحرام في حسه؟! إنه ليس إلا قيدًا على المتاع! وهو قيد - في نظره- غير معقول ولا موجب له؛ لأنه يضيع الفرص المحدودة التى لن تعود!

لذلك أيضًا فإن قيد الأخلاق وقيد الضمير وقيد المشاعر الإنسانية كلها قيود غير معقولة، كقيد الحرام سواء بسواء! ومن ثم تفسد الأخلاق في الجاهليات، ويضعف وازع المضير وتحل المصلحة محله. أما المشاعر الإنسانية والقيم العليا فتعد سخفًا وسذاجة لا تليق بإنسان عاقل، إذا هى فوتت عليه فرصة المتاع!

أما الأمم والجماعات، فقصتها لا تختلف كثيرًا عن قصة الفرد، فكل جماعة همها الحصول على أكبر قدر من المتاع (أو المزايا بتعبيرهم!) على حساب جماعة أخرى! وكل أمة همها أن تتغلب على أمة أخرى؛ لتسلبها حظها من المتاع وتأخذه لنفسها فتنشأ من ذلك الصراعات والحروب.

وأين القيم العليا؟ وأين حقوق الإنسان؟ وأين الضمير العالمي؟ وأين العهود والمواثيق؟ وأين التعاون في سبيل الخير؟ وأين العدل؟ وأين الإخاء والمساواة؟

إنها كلها -فى الجاهلية- ألفاظ! يلوكها الناس نفاقًا ورياء، فإذا {خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} [البقرة: 14] ! لأنها كلها معوقات عن المتاع في الفرصة والوحيدة المتاحة للمتاع!

ويتقاتل الناس، ويموت منهم من يموت، ولكنهم يموتون وهم يقاتلون في سبيل هذا المتاع الأرضي، فإذا قيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله، أو في سبيل الحق المجرد الذى لا مصلحة لهم فيه مباشرة، هزوا أكتافهم وأعرضوا عنك، إن لم يهبوا لمقاتلتك أنت؛ لأنك تدعوهم إلى شئ يفسد عليهم مصالح الدنيا ومتاع الأرض!

ومن ثم تهبط القيم في الجاهليات وتنحصر الآفاق، كما يضعف الضمير وتفسد الأخلاق. إنه لا شيء يرفع الإنسان من ثقلة الأرض -بعد الإيمان بالله- إلا الإيمان باليوم الأخر. الإيمان بأن كل متاع زائد يتنازل عنه الإنسان في الحياة الدنيا -طاعة لله والتزامًا بأمره- يعوض عنه في الآخرة متاعًا أشف وأعلى وأخلد وأبقى. والإيمان في ذات الوقت بأن كل خروج على أمر الله في الحياة الدنيا -من أجل متاع الأرض الزائل- سيجازى عليه في الآخرة عذابًا ليس في طوق البشر احتماله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56] .

أما حين يؤمن الإنسان بالغيب، فيؤمن باليوم الآخر وبما أعد الله تعالى للمؤمنين في الجنة، فإن القضية تحسم في حسه حسمًا كاملًا وتستقر الأمور، فكل نعيم في الدنيا لا يقاس إلى نعيم الآخرة، ولا يساوي من جهة أخرى غمسةً واحدة في العذاب من أجله، وكل عذابٍ في الدنيا -فى سبيل الله- لا يقاس إلى عذاب الآخرة ولا يوازي من جهة أخرى غمسة واحدة من أجله في النعيم. وعندئذ يقدر الإنسان على موازنة ثقلة الأرض، ويقدر على الارتفاع إلى القيم العليا والأخلاق الفاضلة والمثل الرفيعة؛ لأن يوقن بالجزاء الذى سوف يناله على ذلك كله: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 15 - 17] .

إن أعظم ثمرات الإيمان بالغيب، -وأركان الإيمان إنما هي في حقيقة الأمر إيمان بالغيب- هي دخول النعيم والخلود فيها أبدًا، ويرسم القرآن الكريم صورًا وضيئة وجميلة للمؤمنين يعرض فيها خصالهم وأحوالهم، وأثر الإيمان في قلوبهم وسلوكهم، تجعلنا نحبهم ونحب أن نكون منهم؛ لتنطبق علينا تلك الأوصاف الجميلة، ولنحظى برضا الله في الدنيا والآخرة.

وهذه الصور والأوصاف كثيرة في القرآن؛ لأن فيها دروسًا تربوية يربينا بها الله سبحانه وتعالى حتى تستقيم فطرتنا ويستقيم سلوكنا وتصلح أحوالنا. وإليك بعض النماذج منها:

قال تعالى: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 19 - 24] .

تبدأ الآيات بموازنة بين المؤمنين والكافرين يتبين منها لأول وهلة أنهم مفترقون بعضهم عن بعض في صفاتهم ومقومات حياتهم وفكرهم. والقرآن يصف المؤمنين بأنهم هم الذين يعلمون أن ما أنزل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم من ربه هو الحق، بينما يصف الأخرين بأنهم عمى. ثم يسأل هذا السؤال الإنكاري (أي الذى جوابه دائمًا: لا) {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى} [الرعد: 19] ؟ والجواب لابد أن يكون: لا! فمن يقول: إن الأعمى كالبصير، وإن من يعلم كمن لا يعلم؟!

والتعبير القرآنى الجميل يوحي إلينا بأن من يعلم أن القرآن والوحي حق هو المبصر، الذى يسير في الطريق على نور، ولا يتخبط في سيره؛ لأنه يرى ما حوله، بينما الذى يشك في الوحي ولا يتبعه هو الأعمى الذى يتخبط في الطريق؛ لأنه لا يراه. وهذه حقيقة، فإن المؤمن يعرف -من وحي إيمانه- ما هى غايته في الحياة، وما الطريق الذى ينبغي أن يسلكه ليصل إلى غايته. فغايته هى إرضاء الله سبحانه وتعالى والتقرب إليه، ووسيلته هي الأعمال الصالحة، هي الطاعة لأوامر الله. بينما الكافر لا يعرف لماذا يعيش، إلا لإرضاء ملذاته القريبة، غافلًا عن النهاية التي تنتظره في آخر الطريق.

ثم تجيء الصفات التي يتصف بها هؤلاء المؤمنون الذين يستحقون دخول الجنة، إن الصفة الكبرى التى يتصف بها أولئك العالمون بأن القرآن حق هى أنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، ولا تحدد الآية عهدًا معينًا ولا ميثاقًا معينًا، إنما تشمل كل عهد وكل ميثاق مع الله. والعهد الأكبر هو الذي أودعه الله في الفطرة وأشهد الفطرة عليه، وهو عبادة الله الواحد بلا شريك: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172] .

ولا تنتهي صفة المؤمنين بأنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، بل يستمر السياق فيصفهم بأنهم: يصلون كل ما أمر الله به أن يوصل بإطلاق وعموم وشمول، ومع القيام بهذه الصلات التى أمر الله بوصلها فهم يخشون ربهم، وهي خشية بالغيب، وهذه الخشية تجعلهم يتصرفون في أمورهم بما يرضي الله، فيتعاملون بالصدق والأمانة والإخلاص؛ خشية أن يغضب الله عليهم، وكذلك يخافون سوء الحساب، فيتجنبون الأعمال والأقوال التى تعرضهم للحساب الشديد، مع سائر ما وصفهم الله تعالى به من صفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت