فهرس الكتاب

الصفحة 681 من 2431

ثم نزل حكم الزاني المحصن (المتزوج) بالرجم في آية: (الشيخ والشيخة) 37 المنسوخة لفظًا لا حكمًا، حتى كانت التربية الإيمانية تدفع الزاني للاعتراف، وطلب التطهر من دنس الزنا، مثل ماعز 38 والغامدية 39 اللذين أقرا بالزنا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما، فكان للتدرج أثر بالغ في التكليف، وتقرير العقوبة، واجتثاث الفاحشة.

وجاء في السنة ما يؤيد أسلوب القرآن في التدرج، فقد ثبت أنه لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه واليًا على اليمن، وأرشده إلى ما يجب أن يعمله، وابتداء ذلك بالدعوة إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة فقال: (فإذا عرفوا الله، فأخبرهم ... ) 40.

فإن عليه أن يخبرهم بأوجب الواجبات بعد التوحيد، وهما الصلاة والزكاة، فإن امتثلوا أمره، فإن عليه أن يراعي فيهم جانب العدل، فلا يضارهم بأخذ خيار أموالهم؛ لأن ذلك ظلم لهم؛ وذلك مما يستثيرهم، فيدعون عليه، ودعوة المظلوم لا تردّ.

وهذا الحديث صريح في التدرج، وأن الشرائع يبنى بعضها على بعض (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله) 41، وقوله: (فليكن أول) فيه التدرّج في الدعوة، وأنه يبدأ بالأهم فالأهم، وهذه طريقة الرسل أنهم أول ما يبدءون بالدعوة إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله؛ لأنها الأصل والأساس الذي يبنى عليه الدين، فإذا تحققت شهادة أن لا إله إلا الله فإنه يمكن البناء عليها بالأمور الأخرى، أما إذا لم تحقّق شهادة أن لا إله إلا الله فلا فائدة من بقية الأمور، فلا تأمر الناس بالصلاة وعندهم شرك، ولا تأمرهم بالصيام والصدقة والزكاة وصلة الأرحام وغيرها، وهم يشركون بالله؛ لأنك لم تضع الأساس أولًا، وهذا بخلاف كثير من دعاة اليوم الذين لا يهتمون بشهادة أن لا إله إلا الله، وإنما يدعون الناس إلى ترك الربا، وإلى المعاملات الحسنة ... ، لكن التوحيد لا يذكرونه، ولا يلتفتون له، وكأنه ليس مفروضًا -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، فهؤلاء مهما أتعبوا أنفسهم فإن عملهم لا ينفع؛ حتى يحقّقوا الأصل في الأساس الذي تبنى عليه أمور الدين، من حاكمية، ومن صلاة، ومن زكاة، ومن حج، إلى آخره، هذا منهج الأنبياء: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] 42.

فمن الحكمة والاتّباع أن يراعي الداعية مبدأ التدرج في الدعوة؛ فلقد استقر في المنهج الشرعي النظر إلى المقاصد والغايات ورعايتها، ومما يوصل إلى تحقيق الغايات والمقاصد الأخذ بسنّة التدرج؛ لئلا تثمر الخطوة نتائج عكسيّة غير مرغوبٍ فيها؛ وتطبيقًا لهذا المعنى ينبغي أن يكون معلومًا لدى الداعية أنّ تحصيل الكليات من الدين مقدّمٌ على تحصيل الأمور الفرعية، ولا مانع من تحصيل شيءٍ من الفروع قبل الأصول إذا كانت في الطريق، ولم يكن ذلك على حساب تحصيل الأصول، أما إذا كان تحصيل الفروع على حساب الأصول فإن الحكمة وإن مراعاة سنة التدرج تقتضي تأجيل هذا المقصد إلى وقته المناسب 43.

ثالثًا: التدرج في التربية والتعليم:

سلك القرآن الكريم في تغيير أحوال النفس وتربيتها وتزكيتها وتعليمها منهج التدرج.

ومن الأدلة التي تدل على التدرج في التربية قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16] .

وقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

وقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185] .

وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] .

وأكد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه) 44.

وقال: (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق) 45.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (والقصد القصد تبلغوا) 46.

وكل هذه الأدلة تدل على أن الإسلام لم يكلّف النفس إلا وسعها واستطاعتها، وأن الله لم يرد بها إلا اليسر، ولم يرد بها العسر، وأن من اليسر بها: أنه تدرج بها نحو التزكية والكمال درجة درجة.

وامتدح الله تعالى الذين يسلكون هذا المسلك -التدرج- في تربية الناس، فقال: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79] .

ففي البخاري: (الرّبّانيّ: الّذي يربّي النّاس بصغار العلم قبل كباره) 47.

وقال ابن الأثير رحمه الله: «الربانيّ: قيل: هو من الربّ بمعنى التربية، كانوا يربّون المتعلمين بصغار العلوم قبل كبارها» 48.

ويقول الراغب الأصفهاني: «الرب في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا فحالًا إلى حد التمام» 49. وهذا هو التدرج.

وهذا يعني أن تربية الأمم والمجتمعات لا تتم إلا بهذه السنة الربانية، والطريقة النبوية، وسبب ذلك أن التربية على منهج الإسلام تحتاج إلى جهد كبير ووقت طويل، ولا تتم بين يوم وليلة، يقول سيد قطب: «ولقد جاء هذا القرآن ليربي أمة، ولينشيء مجتمعًا، ويقيم نظامًا، والتربية تحتاج إلى زمن وتأثّر وانفعال بالكلمة، وإلى حركة تترجم التأثّر والانفعال إلى واقع، والنفس البشرية لا تتحوّل تحوّلًا كاملًا شاملًا بين يوم وليلة بقراءة كتاب شامل للمنهج الجديد، إنّما تتأثر يومًا بعد يوم بطرف من هذا المنهج، وتتدرج في مراقيه رويدًا رويدًا، وتعتاد على حمل تكاليفه شيئًا فشيئًا، فلا تجفل منه كما تجفل لو قدّم لها ضخمًا ثقيلًا عسيرًا» 50.

فالداعية الذي يريد تأثيرًا لكلماته، وثمارًا لدعوته فعليه أن يسلك هذا الطريق القرآني النبوي في الدعوة إلى الإسلام؛ لأنّ بهذه الطريقة بنى النبي صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام، يقول ابن تيمية: «فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه كما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم شيئًا فشيئًا، بمنزلة بيان الرسول لما بعث شيئًا فشيئًا، ومعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يبلّغ إلا ما أمكن عمله والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فامر بما يستطاع» 51.

وقد أشار الإمام النووي لهذا المسلك التربوي، فقال: «وينبغي أن يؤدّب المتعلم على التدريج بالآداب السنية، والشيم المرضية» 52.

والتدرج في التعليم والتربية هو ما نراه ملموسًا وعمليًّا في تعليم النشء على مراحل، وصفوف، وحصص، وساعات مدرسية وسنوات، وهذا المنهج في التدرج أحد خصائص التشريع الإسلامي الذي أنزله الله تعالى الحكيم في شرعه، الخبير بنفوس عباده، وأشرف على تطبيقه عمليًّا المعلم الأول، والمربي الرحيم محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اصطفاه الله واجتباه، وكلّفه حمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، وتربية الأمة، والأخذ بها إلى جادة الصلاح والرشاد، فهو مبدأ تربوي مقبول عقليًّا وواقعيًّا.

والمتأمل في التربية القرآنية للصحابة رضي الله عنهم يجد أنها كانت تربية متدرّجة، فبدأت بتصحيح العقيدة، ونبذ الشرك والأوثان، وإفراد الله تعالى بالعبودية، ثم بعد بضع سنين من تصحيح العقيدة وتثبيتها في قلوب المؤمنين فرضت الصلاة، ثم الصوم، وباقي الأركان، وكذلك التدرج في تحريم المنكرات مثل الخمر كان على مراحل، بدأ بتذكير المؤمنين بما له من مضار ومفاسد، ثم بعد ذلك كان التحريم النهائي على وجه القطع.

بل إن مراعاة التدرج كانت سمة لازمة للتربية النبوية للصحابة في مكة والمدينة؛ لأن تربية النفس الأمارة بالسوء، وغسلها وتزكيتها وتطهيرها حتى يزول ما علق بها من شرك وجبروت وآفات ليس بالخطب الهين، كما أن ما تجذّرت عليه من مألوفاتها لا يمكن إزالتها في وقت وجيز، بل الأمر يحتاج إلى تدرج، ومراحل عديدة.

والذي يمكن التأكيد عليه أن التدرج لازم لتربية النفوس؛ إذ هو سنة من سنن الله في خلقه التي يجب مراعاتها والأخذ بها، فكما بدأت الدعوة النبوية بالتدرج عبر مراحل، فكذلك التربية والدعوة جزء منها، وهذا في غاية الأهمية؛ إذ لا يمكن أن نتصور تغييرًا بين عشية وضحاها، فلو كان الأمر كذلك لكان سيد الوجود أولى به، وقد أخذ بسنة التدرج في كل أنواع الجهاد، من تربية ودعوة وقتال في سبيل الله، وبناء المجتمع الإسلامي؛ لأن التربية عليها مدار كل شيء؛ إذ لا يمكن أن نتصور جهادًا بدون تربية، هذا فضلًا على أن التربية تقوم بمعالجة أشخاص لهم ماضٍ وبيئة اجتماعية مفتونة، واستعدادات، هذه المعالجة تريد من المربي أن يتدرج في التربية، وتريد منه حلمًا كثيرًا وتؤدة، وصبرًا طويلًا، وتنويعًا في الوسائل والأساليب، حتى تنضج الثمرة، ويشتد عود الغرس.

وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عامًا في مكة، وعشر سنوات في المدينة يربي أصحابه على الإيمان والمحبة والبذل والتؤدة والجهاد، مراعيًا سنة التدرج، وسنة الله في تغيير الأنفس، فتدرجت التربية من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان بكل أركانه، وذكر الله وعبادته، إلى اختبار الصدق والإخلاص بالابتلاء، إلى البذل والسخاء، إلى ربط العلم بالعمل، إلى التميز عن المشركين ومفارقتهم، إلى الصبر وتحمل الأذى في سبيل الله، إلى تجديد قصدٍ ومضاءٍ في الطريق، إلى اكتمال الرجولة والجهاد والموت في سبيل الله.

وجدير بالذكر أن إعداد هذا الجيل قد تم تأسيسه على مدى ثلاثة وعشرين عامًا؛ أي: إنه لم يتم ذلك في دفعة واحدة، ولا بجرة قلم، ولا بأوامر واجبة التنفيذ في الحال، ولكنه تم بتدرج؛ مراعاة لأحوال النفس البشرية، فإنها لا تتخلى عن مألوفاتها ومعتقداتها في يوم وليلة، ولكن الله الحكيم العليم الخبير الرحيم، سلك بهم طريق التدرج حتى صار الإيمان في قلب الواحد منهم كالجبل، وصار الدين عند أحدهم أغلى وأعزّ عليه وأحب إليه من ماله وولده ونفسه والناس أجمعين 53.

رابعًا: التدرج في الإصلاح والتغيير:

لقد تدرّج القرآن في عملية الإصلاح والتغيير، سواء كان هذا الإصلاح للمجتمع أو للفرد، أيًّا كان هذا الفرد، ابنًا أو زوجة أو عبدًا.

ولنأخذ مثالًا على هذا التدرج في عملية الإصلاح والتغيير، وهي من الحالات التي ينبغي التدرج فيها، وهي حالة نشوز وعصيان الزوجة.

قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} [النساء: 34] .

فهذه الآية تتحدث عن وسائل ناجعة لعلاج المرأة عند ظهور بدايات النشوز والتمرد عندها، وقبل أن يستفحل النشوز عندها، وتعلن تمرّدها، وهذا لا يصيب كل الزوجات إنما يصيب بعضهن، ومعظم الزوجات المسلمات ملتزمات بأحكام الشرع، تعرف الواحدة منهن واجبها فتؤدّيه، وتعرف حقّها على زوجها فتأخذه، فالآية لا تضع تشريعًا لكل الزوجات وإنما للنسبة القليلة الناشزة منهن!.

وترشد الآية زوج الناشز إلى اتخاذ ثلاث خطواتٍ متدرجة، فإن تم العلاج في الأولى فبها ونعمت، وإلا انتقل للثانية، والثالثة آخر الخيارات.

وهذا الترتيب بين هذه الأفعال المعطوفة غير متلقّى من صيغة لفظية؛ إذ العطف بالواو وهي مسلوبة الدلالة على الترتيب متمحضة الإشعار بالجمعية فقط، وإنما يتلقّى الترتيب المذكور من قرائن خارجة عن اللفظ، مفهومة من مقصود الكلام وسياقه.

قال القاسمي: «وجمهور العلماء على أن من الواجب على الزوج أن يسلك في معالجته لزوجته تلك الأنواع الثلاثة على الترتيب، بأن يبدأ بالوعظ، ثم بالهجر، ثم بالضرب؛ لأن الله تعالى قد أمر بذلك؛ ولأنه قد رتّب هذه العقوبات بتلك الطريقة الحكيمة التي تبدأ بالعقوبة الخفيفة، ثم تتدرج إلى العقوبة الشديدة، ثم إلى الأكثر شدة» 54.

فالأمور الثلاثة مرتبة؛ لأنها لدفع الضرر كدفع الصائل، فاعتبر فيها الأخف فالأخف، وقيل: إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ، فإن أثّر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر، وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب.

حتى الطريقة الثالثة وهي: {وَاضْرِبُوهُنَّ} فلابد أن يكون ضرب تأديب غير مبرّح ولا مشين.

قال الرازي: «وبالجملة، فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه، والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب؛ وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف، وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق» 55.

وهذه طريقة من قال: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب والتدرج، فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب.

والتعبير بالخوف في قوله تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ} ظاهره أنّ ترتب العقوبات المذكورة يكون بمجرد خوف النشوز وإن لم يقع النشوز بالفعل، إلا أن هذا الظاهر بعيد؛ لذلك أوّل العلماء هذه الآية عدة تأويلات، فمنهم من فسّر الخوف بالعلم، ومنهم من قدّر مضافًا: تخافون دوام نشوزهن، أو أقصى مراتب نشوزهن، ومنهم من قدّر معطوفًا محذوفًا: تخافون نشوزهن ونشزن 56.

ومنهم من أبقى الخوف على أصله، وجعل جزاءه الوعظ فقط، تخافون نشوزهن بظهور أماراته، كخشونة بعد لين، وتعبيس بعد طلاقة، وإدبار بعد إقبال، ومتى ظهرت هذه الأمارات كان للزوج أن يعظها فقط، ويخوّفها عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة، فإن لم تمتثل كان ذلك نشوزًا محققًا، وله فيه الوعظ والهجران والضرب.

والمراد بالوعظ: أن يقول لها مثلًا: اتقي الله! فإنّ لي عليك حقًّا، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك، ونحو ذلك.

واختلفوا في معنى الهجران في المضاجع، فقيل: إنه كناية عن ترك جماعهن، وقيل: المراد: تركهنّ منفردات في حجرهنّ ومحل مبيتهن، فيكون في ذلك ترك جماعهن، وترك مكالمتهن، ولا يزيد في هجر الكلام عن ثلاثة أيام، وفسّر العلماء الضرب المباح بأنه الضرب غير المبرّح 57.

وسنة التدرج في الإصلاح والتغيير تقتضي النظر إلى العواقب، والسير برفق وتأنٍّ، فليس كل منكر تجب إزالته أو تغييره على الفور، وإنما ذلك مشروط بألا يؤدي إلى منكر أكبر منه، فإن أدى إلى منكر أكبر منه وجب التوقف بشأنه، مع الكراهة القلبية له، ومقاطعته، ومع البحث عن أنجح الوسائل لإزالته، والأخذ بها، ومع العزم الصادق على الوقوف في أول الصف حين تتاح فرصة التغيير 58.

وفي السنة والسيرة شواهد على ذلك:

فهاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث والأصنام تملأ جوف الكعبة، وتحيط بها وتعلوها من كل جانب، ثم لا يقبل على إزالتها بالفعل إلا يوم فتح مكة في العام الثامن من الهجرة، أي: أنها بقيت منذ بعث إلى يوم تحطيمها إحدى وعشرين سنة؛ ليقينه صلى الله عليه وسلم بأنه لو قام بتحطيمها من أول يوم قبل أن يحطمها من داخل النفوس لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بصورة أبشع وأشنع فيعظم الإثم، ويتفاقم الضرر؛ لذلك تركها، وأقبل يعد الرجال، ويزكي النفوس، ويطهّر القلوب، حتى إذا تم له ذلك أقبل بهم يفتح مكة، ويزيل الأصنام مرددًا: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81] .

وتوقف النبي صلى الله عليه وسلم في شأن تجديد الكعبة، وإعادتها إلى قواعد إبراهيم خوفًا من أن يؤدي ذلك إلى منكر أكبر، وهو الفرقة والشقاق؛ بدليل قوله في رواية أخرى: (ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم) 59.

بل إن المسلم حين يسكت عن منكر خوفًا من أن يؤدي إلى منكر أكبر مع الرفض القلبي والمقاطعة، ومع البحث عن أفضل السبل للتغيير، ومع العزم الصادق على أنه حين تتاح الفرصة لن يكون هناك توانٍ ولا تباطؤ لا يكون آثمًا بذلك، وصدق الله الذي يقول: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

{فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا} [التغابن: 16] .

والمقصود أن سنن الله في التغيير وإصلاح المجتمعات جرت على اعتبار سنة التدرج، وسنة الأجل المسمى؛ لأن ما تراكم من الخطأ والانحراف في سنين لا يمكن تغييره بين عشية وضحاها؛ ولذلك وجب التأني والتدرج في علاج الأمور.

وقد قال سبحانه: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] .

وقوله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت: 34] .

وقد جعل الله لكل حال وواقع أجلًا مسمى يمضي فيه؛ ولذلك قال ابن عطاء الله السكندري: «ما ترك من الجهل شيئًا من أراد أن يحدث في الوقت ما لم يظهره الله فيه» 60.

ومن أشهر أمثلة التدرج في الإصلاح ما وقع من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز؛ فإنه جاء إلى الحكم بعد مظالم اقترفها بعض الذين سبقوه، فتدرّج في الإصلاح، ولم يتعجل في التغيير، فدخل عليه ولده عبد الملك، فقال له: يا أبت: ما منعك أن تمضي لما تريده من العدل؟ فو الله! ما كنت أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك، قال: يا بنيّ! إني إنّما أروّض النّاس رياضة الصّعب، وإنّي أريد أن أحيي الأمر من العدل، فأؤخّر ذلك حتّى أخرج معه طمعًا من طمع الدّنيا، فينفروا من هذه، ويسكنوا لهذه 61.

ومما يبيّن أهمية التدرج في التغيير والإصلاح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: «فأمّا إذا كان المأمور والمنهيّ لا يتقيّد بالممكن: إمّا لجهله، وإمّا لظلمه، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه، فربّما كان الأصلح الكفّ والإمساك عن أمره ونهيه ... ، فالعالم في البيان والبلاغ كذلك؛ قد يؤخّر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التّمكّن، فإذا حصل من يقوم بالدّين من العلماء، أو الأمراء أو مجموعهما؛ كان بيانه لما جاء به الرّسول شيئًا فشيئًا بمنزلة بيان الرّسول لما بعث به شيئًا فشيئًا، ومعلومٌ أنّ الرّسول لا يبلّغ إلّا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشّريعة جملةً ... ، فكذلك المجدّد لدينه، والمحيي لسنّته لا يبلّغ إلّا ما أمكن علمه والعمل به ... ، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرّمات، وترك الأمر بالواجبات؛ لأنّ الوجوب والتّحريم مشروطٌ بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشّرط، فتدبّر هذا الأصل فإنّه نافعٌ» 62.

إنّ هذه المنهجيّة، منهجيّة التدرّج والمرحليّة في التغيير تضع أسسًا علميّة وشرعيّة بين أيدي الدّعاة والعاملين على تغيير المجتمع، من أوضاعه غير الإسلامية إلى أوضاع تقوم على أساس الإسلام، في الفكر والثّقافة والتّشريع والقيم والأعراف والعادات.

فإنّ مجتمعات المسلمين الحاضرة تحمل في أبعادها المختلفة أوضاعًا غير إسلامية؛ ولكي يتمّ استئصال تلك الظواهر وتغييرها واستبدالها بأوضاع إسلاميّة، فهم في حاجة إلى أن يتبعوا منهج القرآن في سنّة التدرّج، رغم إنّ المسلمين جميعًا يؤمنون بالإسلام غير أنّ الغالبية منهم يعوزها فهم الإسلام ووعي مناهجه.

والمشكلة الأخرى هي عدم العمل بالإسلام وتطبيقه شريعةً ونظامًا ومنهج حياة للفرد والمجتمع والدولة؛ لذا فإنّ عمل الدعاة إلى الإسلام يتركّز في التوعية والتثقيف وتعميق الوعي الإسلامي، وتبصير المسلمين بدينهم، متّخذين من الرسول الكريم محمّد صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة، ومن القرآن دليلًا وهاديًا.

إنّ التّغيير كما في ثقافة القرآن ومنهجه يبدأ من أعماق الذات الإنسانية، فما لم تتغيّر الأفكار والثقافة والعواطف والأخلاق لا يتغيّر الوضع الاجتماعي: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11] .

جدير ذكره أنّ الأوضاع الاجتماعية الخارجية لها آثارها وبصماتها في سلوك الأفراد وثقافتهم؛ لذا فإنّ إصلاح البيئة الاجتماعية، وحلّ مشاكل الإنسان الماديّة والمعاشيّة هي إحدى أهم الوسائل في إصلاح المجتمع إذا قام الإصلاح المادي على أساس قويم من الإصلاح الفكري والسّلوكي.

-للتدرج ضوابط، نتناولها بالبيان فيما يأتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت