قسمٌ: جعلوها هي المقصود، فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فهؤلاء كانت لهم زادًا إلى دار الشقاء والعناء والعذاب.
والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن الله جعلها ابتلاءً وامتحانًا لعباده؛ ليعلم من يقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلةً لهم وطريقًا يتزودون منها لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها كما قال الله فيها: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} فجعلوها معبرًا إلى الدار الآخرة ومتجرًا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء صارت لهم زادًا إلى ربهم» 43.
كما وصف الله تعالى المال بأنه (زينة) وصفه عزوجل بأنه (فتنة) ، ووصفه بـ (الزينة) جاء مخصوصًا بالحياة الدنيا فقال: {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [آل عمران: 14] .
وقال: {زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28] .
فوصفه بكونه زينة مخصوص بالحياة الدنيا؛ ولذلك أرشد الله تعالى في الآيتين لما هو خير وأبقى للإنسان فقال: {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} وقال: {وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} .
والمراد بالباقيات الصالحات: كل عملٍ صالحٍ من قولٍ أو فعل يبقى للآخرة 44.
فالمال زينة خاصة بالدنيا، فإن أحسن الإنسان استعماله وجعله عونًا على الطاعة ووسيلةً وطريقًا للآخرة فقد نال ثواب الله الأبقى، بينما إذا انشغل بهذا المال عن الآخرة وصارت هذه الشهوة مقصده وغايته، أصبح ذلك المال بلاءً ونقمةً عليه، ومن هنا وصف الله تعالى المال بأنه (فتنة) قال عز وجل: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28) } [الأنفال:28] .
وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) } [التغابن: 15] .
قال ابن جرير: «اعلموا أيها المؤمنون أنما أموالكم التي خولكموها اللهاختبار وبلاء، أعطاكموها ليختبركم بها ويبتليكم، لينظر كيف أنتم عاملون من أداء حق الله عليكم فيها والانتهاء إلى أمره ونهيه فيها» 45.
وقال ابن كثير: «أي: اختبار وابتلاء منه لكم، إذا أعطاكموها ليعلم أتشكرونه عليها وتطيعونه فيها، أو تشتغلون بها عنه وتعتاضون بها منه» 46.
وفي وجه وصف المال بأنه فتنة يقول الشوكاني: «لأنه سبب الوقوع في كثير من الذنوب فصار من هذه الحيثية محنة يختبر الله بها عباده، وإن كان من حيثية أخرى زينة الحياة الدنيا» 47.
وقال القاسمي: «سموا فتنة اعتبارًا بما ينال الإنسان من الاختبار بهم، ويجوز أن يراد بـ (الفتنة) الإثم والعذاب، فإنهم سبب الوقوع في ذلك» 48.
وقال السمرقندي: «إنما ذكر الأموال والأولاد؛ لأن أكثر الناس يدخلون النار لأجل الأموال والأولاد» 49.
وعلى ذلك فمعنى (الفتنة) : إما الاختبار والابتلاء؛ ليتبين الشاكر لهذه النعمة من الجاحد لها، المشتغل بها عما خلقه الله من أجله. وإما أن يكون معنى الفتنة العذاب والإثم فسمى المال فتنة؛ لأنه سبب للوقوع في الإثم والعذاب.
فالمال من الفتن العظيمة التي يبتلى بها المؤمن، وقل من يصبر عليها، يقول صلى الله عليه وسلم: (إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة أمتي المال) 50.
قال المناوي: «أي: الالتهاء به؛ لأنه يشغل البال عن القيام بالطاعة وينسي الآخرة» 51.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته من فتنة المال فقال: (أبشروا وأملوا ما يسركم، فو الله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم) 52.
قال الشيخ ابن عثيمين: «لما كان الناس إلى الفقر أقرب، كانوا لله أتقى وأخشع وأخشى، ولما كثر المال، كثر الإعراض عن سبيل الله، وحصل الطغيان، وصار الإنسان يتشوف لزهرة الدنيا وزينتها ويعرض عما ينفعه في الآخرة» 53.
يقول المراغي في تفسيره: «فتنة المال عظيمة لا تخفى، إذ أموال الإنسان عليها مدار معيشته، وتحصيل رغائبه وشهواته، ودفع الكثير من المكاره عنه، من أجل ذلك يتكلف في كسبها المشاق، ويركب الصعاب، ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال واجتناب الحرام، ويرغبه في القصد والاعتدال، ويتكلف العناء في حفظها وتتنازعه الأهواء في إنفاقها، ويفرض عليه الشارع فيها حقوقًا معينة وغير معينة» 54.
وفتنة المال قديمة، لكنها اشتدت هذا الزمان مع بعد الناس عن دينهم ولهثهم وراء الحياة، وانبساط الدنيا، وتنوع وسائل الكسب، وتفنن المصارف والبنوك في استجلاب واستقطاب الناس لكسب أموالهم بطرق مختلفة ووسائل متنوعة
رابعًا: من صور الافتتان بالمال:
الصورة الأولى: أن يكون المال سببًا في الإعراض عن الإيمان وقبول الحق.
وهو أعظم صور الافتتان بالمال وأخطرها على الإنسان، حين يصده ماله عن متابعة الحق والإذعان إليه؛ لذلك ندد الله تعالى بالمشركين والكفار كالوليد بن المغيرة وغيره؛ لما صدتهم أموالهم بكثرتها عن الإيمان بالله ومتابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) } [القلم:14] .
أي: لأجل كثرة ماله وولده طغى واستكبر عن الحق، ودفعه حين جاءه، وجعله من جملة الأساطير التي يمكن صدقها وكذبها 55.
وقال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) } [المدثر:11 - 16] .
فهذا تقريع وتوبيخ لأولئك الكفرة على مقابلة ما أنعم الله به عليهم من المال بالكفر بآيات الله تعالى والإعراض عنها.
والآيات وإن كانت في سببٍ خاص إلا أنها عامة في كل من اتصف بهذا الوصف أو سار على هذا النهج، فكان ماله سبب كفره وجحوده وإعراضه عن الحق؛ لأن القرآن نزل لهداية الخلق كلهم، فيدخل فيه أول الأمة وآخرها؛ ولأن العبرة في آيات الكتاب العزيز بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الصورة الثانية: أن يكون المال سببًا للبطر والطغيان.
قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (7) } [العلق:6 - 7] .
وقال عز وجل: {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الاسراء:83] .
قال القاسمي: «فيما يورث البطر مثل الغنى، وبه تستجمع أسباب السؤود والرئاسة والمجد والتفاخر» 56
الصورة الثالثة: أن يكون المال سببًا في التشاغل عن الطاعات وذكر الله تعالى.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) } [المنافقون:9] .
فهذا نداء من الله تعالى لعباده المؤمنين وتنبيهٌ لهم بألا تشغلهم أموالهم وتدبيرها، والعناية بشؤونها، واستثمارها، وتنميتها، وتحصيلها، عن القيام بذكر الله تعالى وطاعته من التسبيح، والتحميد والتهليل، وقراءة القرآن، وأداء فروض الإسلام، وحقوق الله تعالى. ثم علق الخسران الكامل بالتلهي عن الذكر وطاعة الله بالدنيا وزينتها ومتاعها 57 حيث قال سبحانه: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المنافقون:9] .
وقد حذر الله تعالى من الانشغال بالأموال فقال عز وجل: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24] .
وفي آية أخرى ذم الله تعالى وندد بالمتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجهاد في سبيله، من الأعراب الذين تعللوا واحتجوا بانشغالهم بأموالهم.
قال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا} [الفتح:11] .
الصورة الرابعة: صيرورة المال غاية في ذاته وبذل الوقت في جمعه وتنميته.
وقد ذم الله تعالى من كانت هذه صفته فقال سبحانه: {وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (1) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (3) } [الهمزة:1 - 3] .
والمقصود كل من لا هم له سوى جمع المال وتعديده، ولارغبة له في إنفاقه، وجهلًا منه يحسب أن ذلك المال سببًا للخلود في الدنيا؛ ولذلك كان كده وسعيه في تنمية ماله الذي يظن أنه ينمي عمره 58.
وذم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم عبد المال فقال سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) } [التوبة:58] .
فهؤلاء جعلوا الرضا والغضب تبعًا لأهواء أنفسهم الدنيوية، وأغراضهم الفاسدة، ومن ذلك حب المال والحرص عليه 59.
وقال صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض) 60.
قال ابن حجر رحمه الله: « (عبد الدينار) أي: طالبه الحريص على جمعه القائم على حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده. قال الطيبي: خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها، كالأسير الذي لا يجد خلاصًا، ولم يقل مالك الدينار ولا جامع الدينار؛ لأن المذموم من الملك والجمع الزيادة على قدر الحاجة» 61.
وجاء في رواية أخرى: (تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) .
قال ابن حجر: «وفيه إشارة إلى الدعاء عليه بما يثبطه عن السعي والحركة، وسوغ الدعاء عليه كونه قصر عمله على جمع الدنيا واشتغل بها عن الذي أمر به من التشاغل بالواجبات والمندوبات» 62.
الصورة الخامسة: عدم التحري في كسب المال والحصول عليه.
وهو ناتجٌ عن الصورة السابقة من صيرورة المال غاية في ذاته، فلا يأبه أمن حلالٍ جمعه أم من حرام، ولا يسأل ولا يتحرى في كسبه مشروع هو أم ممنوع، وينسى أو يتناسى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس) وذكر منها: (وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه 63.
والذي يتأمل حال الناس اليوم، يرى انكبابهم على كسب المال بأي وسيلة، سواء كانت مساهمات مشبوهة، أو معاملات فيها مخالفات، أو طرق محرمة أصلًا كالربا والغش وأكل المال بالباطل. فطاشت عقول الناس- إلا من رحم ربي- مع الأسهم والمساهمات وصنوف المعاملات، بالرغم من وجود البدائل المباحة، وجهود أهل العلم من المختصين في بيان أحكام المعاملات والأسهم والمساهمات، وكل ما يستجد من صنوف المعاملات المالية، فصدق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على الناس زمان، لا يبالي المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من حرام) 64.
الصورة السادسة: منع الحقوق فيه، سواءً كانت حقوقًا لله تعالى أم للخلق.
فمن الافتتان بالمال البخل، والشح به، ومنع حقوق الله تعالى فيه وعلى رأسها الزكاة.
قال تعالى: {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ} [النساء:37] .
أي: يمنعون ما عليهم من الحقوق الواجبة 65.
وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) } [التوبة:34] .
قال السعدي: «وهذا هو الكنز المحرم، أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات، أو الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا وجبت» 66.
وكذا الإمساك وكراهة الإنفاق في سبيل الله تعالى، قال عز وجل: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:81] .
ومثله منع حقوق الخلق كالإمساك عن النفقة الواجبة، أوالتهاون في رد الحقوق كالديون والأقساط لأصحابها.
الصورة السابعة: التفاخر بالمال والتكاثر فيه واعتباره معيارًا للأفضلية.
فمن صور الافتتان بالمال التفاخر به والتكاثر فيه والتنافس في تحصيله وجمعه، وهذا ما سيأتي بيانه في المطلب القادم بإذن الله تعالى.
خامسًا: النجاة من فتنة المال:
إذا علم الإنسان فتنة المال وخطره، فعليه التوقي من تلك الفتنة والحذر منها ومما يعين الإنسان على النجاة من فتنة المال ما يلي:
1.الإيمان بالله تعالى، ومعرفة ما له من صفات الكمال ونعوت الجمال، فهو سبحانه الغني والخلق كلهم فقراء. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ? وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) [فاطر: 15] . وقال عز وجل: (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ?) [محمد:38] .فالمخلوق فقير مهما بلغت أملاكه، والله تعالى هو الغني الحميد، فإن علم العبد ذلك عظم ربه واحتقر نفسه ونجا من فتنة المال.
2.العلم التام واليقين الكامل بأن المال كله لله (وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ?) [النور:33] . وقال عزوجل: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) [النحل:53] . وقد ذم الله تعالى قارون لما نسب المال إلى علمه (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ عِنْدِي ?) [القصص:78] . فرد عليه عزوجل بقوله: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى? عِلْمٍ عِندِي ? أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًاٹ) [القصص:78] .
3.العلم بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الزهد والاقتصاد في العيش، فإنه لم يسأل ربه مالًا قط بل سأله الكفاف: (اللهم ارزق آل محمدًا قوتًا) 67.
4.الدعاء واللجوء إلى الله تعالى أن يقيه وينجيه من هذه الفتنة، ومن الأدعية في ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر، ومن عذاب القبر، ومن فتنة النار، ومن عذاب النار، ومن شر فتنة الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر) 68.
5.التفكر والتأمل فيما قصه الله تعالى في كتابه الكريم من مصير أرباب الأموال الذين لم يقدروا النعمة ولم يرعوا حق الله تعالى في ذلك المال، كقصة قارون، وأصحاب الجنة، وصاحب الجنتين.
6.العلم بحقيقة الدنيا وهوانها ومعرفة حقيقتها، والتفكر في أحوالها وسرعة زوالها وفنائها وانقضائها، فإن ذلك مما يسقط حبها والتعلق بمتعها وزينها من القلب وبذلك ينجو من فتنة المال.
7.تذكر التهديد والوعيد الرباني لأولئك الذين طغى على قلوبهم حب المال فقدموه على محبة الله ورسوله. قال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى? يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(24 ) ) [التوبة:24] .
8.لزوم القناعة والرضا بما كتبه الله للعبد، والاستغناء بغنى النفس يقول صلى الله عليه وسلم: (كن ورعًا تكن أعبد الناس، وكن قنعًا تكن أشكر الناس) 69.
9.التحري في كل مالٍ يناله الإنسان، فيعلم مصدر رزقه ومورد دخله، فيبتعد عن المحرمات ويتقي الشبهات، ويحرص على تطييب مكسبه.
سادسًا: الابتلاء في المال:
كل ما تقدم كان في التحذير من فتنة المال وصور الافتتان به، وكما تكون الفتنة بالمال فإنها قد تكون فيه، ويكون ذلك بنزول البلاء والمحن على العبد في ماله امتحانًا من الله وتمحيصًا وتمييزًا وتبيانًا للمؤمن الصادق الصابر الشاكر، من الكافر أو المنافق الكاذب الجاذع.
قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة:155] .
وقال سبحانه: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ} [آل عمران:186] .
فهذا قسم من الله تعالى بأنه سيصيب أهل الإيمان بشيءٍ من نقص الأموال، ويكون ذلك بما يعتريها من جوائح سماوية، أوغرق أو ضياع، أو أخذ الظلمة للأموال سواء كان ذلك الظالم صاحب سلطة ورئاسة كالملوك، أو من قطاع الطرق، أو ما يعتري الأموال من خسارة وكساد أو تعرضها للسرقة. أو غير ذلك.
فالمؤمن يصبر ويسترجع ويستسلم لقضاء الله وقدره، ويرضى بحكمه، ويسلم لأمره، فذاك الذي يؤجر على المصيبة، فيعوضه الله خيرًا منها، ويؤتيه ثواب صبره في الدنيا والآخرة؛ لذلك قال سبحانه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) } [البقرة:155 - 157] .
أما الكافر أو المنافق فإن الدنيا تضيق عليه إذا نزلت به المصيبة، مع الجزع والتسخط وعدم الرضا، بل قد يؤدي به حزنه إلى الاعتداء على الآخرين، والتفوه بما لا يليق من الألفاظ مع الاعتراض الكامل على قضاء الله وقدره.
سابعًا: المال مجال للتفاخر والتكاثر:
سمى الله تعالى المال (خيرًا) ، ووصفه بأنه (زينة) ، ووصفه بأنه (فتنة) ، ومن أوجه كونه فتنة، أنه وسيلة لما يكون سببًا في الوقوع في الإثم واستيجاب العذاب من التنافس على الدنيا، والتكاثر في تحصيل متعها ومتاعها وزينتها وزخرفها، والتفاخر به، والتعالي على الناس بجمعه وتكثيره وحيازته، حتى ينشغل القلب بهذا التكاثر والتفاخر فيغفل ويلهى عن حقيقة الدنيا، وزوالها وهوانها وسرعة انقضائها وفنائها، وينسى الحياة الحقيقية والدار الآخرة الباقية فيقصر في العمل والاستعداد لها.
قال عز وجل في وصف الدنيا وحال الناس فيها: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} [الحديد:20] .
وأخبر سبحانه عن حال الناس وانشغالهم بالتنافس والتكاثر والتفاخر فيها مدة حياتهم فقال عز وجل: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) } [التكاثر:1 - 2] .
والتكاثر: التباهي بكثرة المال والولد والجاه والمناقب 70. ويقع على أحد وجوه ثلاثة:
الأول: أن يكون بين الاثنين فيكون من باب المفاعلة.
الثاني: أن يكون من فاعل واحد لكن على سبيل التكلف، كما تقول: تكارهت على كذا، إذا فعلته وأنت كاره. وتقول: تباعدت عن الأمر، إذا تكلفت البعد عنه.
الثالث: أن يراد به مطلق الفعل، كما تقول: تباعدت عن الأمر، أي: بعدت عنه.
والتكاثر الوارد في الآيتين يحتمل الوجهين الأولين، فيحتمل التكاثر بمعنى المفاعلة؛ لأنه كم من اثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه: {أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34) } [الكهف:34] .
ويحتمل تكلف الكثرة، فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله 71.
وفي آية الحديد جاء التكاثر مبينًا فيما يكون حيث قال سبحانه: {وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} فهذا تصريحٌ بأن المكاثرة تكون في المال والولد، أما في سورة التكاثر فجاء الخبر مطلقًا {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} ولم يعين المتكاثر به بل ترك ذكره، إما لأن المذموم هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتكاثر به، وإما لإرادة العموم 72، وذهب بعض أهل التفسير إلى أن المتكاثر به هو المال والولد 73، حملًا للعام على الخاص الوارد في آية الحديد.
وذهب آخرون إلى بقاء العموم على عمومه، فيشمل ذلك كل ما يتكاثر فيه الناس من مالٍ وولد وجاه ورئاسة ومسكن ومركب إلخ 74.
قال الرازي: «وجاء في المراد بالآية أن المنهي عنه هنا والمذموم هو التكاثر بالمال، واستدلوا عليه بما ورد في الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ سورة التكاثر، وقال: (يقول ابن آدم: مالي. مالي. قال: وهل لك، يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟) 75 76.