فهرس الكتاب

الصفحة 355 من 2431

قال ابن عاشور: «وهذا المركب مستعملٌ في غير معناه؛ لأنه مستعملٌ في النهي عن مفارقة الدين بالإسلام مدة الحياة، وهو مجازٌ تمثيليٌ علاقته اللزوم، لما شاع بين الناس من أن ساعة الموت أمرٌ غير معلومٍ كما قال الصديق 41:

كل امرئٍ مصبحٌ في أهله

والموت أدنى من شراك نعله

فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النهي عن مفارقة الإسلام في سائر أحيان الحياة» 42.

1.الإنسان هو المخلوق الذي كرمه الله تعالى في هذا الكون، وشرفه بعبادته، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، واتصاله بذلك بوحي السماء، ولذا كان لهذا الإنسان النصيب الأعظم في كتاب الله تعالى؛ هدايةً وعنايةً وتربيةً وبيانًا وإرشادًا، وقد حظيت مراحل خلق هذا الإنسان وحياته بالبيان القرآني، بدءًا بإيجاده من عالم الذر، ومرورًا بخلقه في بطن أمه وخروجه، وحياته على وجه هذه الأرض، وليس انتهاءً بموته وإقباره، بل خروجه ونشوره يوم البعث.

وسيتناول هذا المبحث ما قدره الله تعالى من آجال الإنسان منذ تكوينه في بطن أمه حتى مفارقته هذه الدنيا.

أولًا: أجل الخلق والتكوين:

يقول الله تعالى في معرض الحث على التفكر في مخلوقاته من الإنسان والسماوات والأرض: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8) } [الروم: 8] .

يقول تعالى منبهًا على التفكر في مخلوقاته الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه، فقال {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ} يعني به: النظر والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم العلوي والسفلي وما بينهما من المخلوقات المتنوعة والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدًى ولا باطلًا، بل بالحق، وأنها مؤجلةٌ إلى أجلٍ مسمى وهو يوم القيامة 43.

وقد بين الله تعالى أن أجل هذا الإنسان مكتوب معلوم قبل أن يخرج هذا الإنسان للحياة.

يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) } [غافر: 67] .

{وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ} عبارة تتردد في الأدراج المذكورة كلها، فمن الناس من يموت قبل أن يخرج طفلًا، وآخرون قبل الأشد، وآخرون قبل الشيخوخة، وقوله: {وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى} أي: هذه الأصناف كلها مخلوقة ميسرة ليبلغ كل واحد منها أجلًا مسمى لا يتعداه ولا يتخطاه 44.

ثانيًا: أجل وضع الجنين:

قدر الله تعالى وقتًا معلومًا مقدرًا لكل نسمة تنشأ من نطف ابن آدم وتستقر في الأرحام، فهي تمر في خلقها وتقديرها هذا في أطوارٍ كَتَبَها الله تعالى، وقدر لكل نطفة ما شاء من هذه الأطوار نقصًا أو تمامًا، وكل ذلك مؤجلٌ معلوم عند الخالق البارئ البديع.

يقول تعالى ذاكرًا هذه الأطوار وقدره سبحانه وتعالى فيها: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) } [الحج: 5] .

قال: يا أيها الناس إن كنتم في شك من قدرتنا على بعثكم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم، استعظامًا منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم عليه السلام من تراب، ثم إنشاءنا لكم من نطفة آدم، ثم تصريفنا لكم أحوالًا، حالًا بعد حال، من نطفة إلى علقة، ثم من علقة إلى مضغة، لكم معتبرًا ومتعظًا تعتبرون به ... المخلقة المصورة خلقًا تامًا، وغير مخلقة: السقط قبل تمام خلقه ... فمن كنا كتبنا له بقاء وحياة إلى أمد وغاية، فإنا نقره في رحم أمه إلى وقته الذي جعلنا له أن يمكث في رحمها، فلا تسقطه، ولا يخرج منها حتى يبلغ أجله، فإذا بلغ وقت خروجه من رحمها أذنا له بالخروج منها، فيخرج 45.

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المراحل لتكوين الجنين في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربع كلماتٍ، ويقال له: اكتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقيٌ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح) 46.

فهذه مراحل تكوين الجنين في رحم أمه، ولكن الأجل المذكور في هذا الحديث والذي يؤمر الملك بكتابته ليس هو أجل وضع الجنين نقصًا أو اكتمالًا في بطن أمه وإنما هو أجل عمر من قدر له الحياة.

ثالثًا: أجل حياة الإنسان:

حياة الإنسان مقدرة معلومة البداية والنهاية، فهي تقدير العزيز العليم، فهو سبحانه ما خلقنا عبثًا، بل لمهمة عظيمة هي عبادته وإقامة شريعته، وجعل هذه الدنيا دار اختبار ومرورٍ لدار الجزاء والقرار، فكان من حكمته سبحانه أن يجعل لكل إنسان أجلًا مقدرًا تتم فيه حياته، وينقضي فيه إعذاره.

يقول تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) } [الأنعام: 2] .

«وقوله: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قال سعيد بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: « {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} يعني: الموت {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} يعني: الآخرة» .

وهكذا روي عن مجاهدٍ، وعكرمة، وسعيد بن جبيرٍ، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسدي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم.

وقول الحسن في رواية عنه: « {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} وهو ما بين أن يُخلق إلى أن يموت {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} وهو ما بين أن يموت إلى أن يبعث» . هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسانٍ، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها» 47.

ولما كانت مسألة الآجال وانتهاء الأعمار مما يخشاه البشر كثيرًا ويؤملون عدم ورودها، فقد أكد الله تعالى على حتميتها بحيث إن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر، بل هو مكتوب من عند الله تعالى.

قال سبحانه: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران: 145] .

جيء في هذا الحكم بصيغة الجحود للمبالغة في انتفاء أن يكون موتٌ قبل الأجل ... ومثل هذه الحقائق تلقى في المقامات التي يقصد فيها مداواة النفوس من عاهاتٍ ذميمةٍ، وإلا فإن انتهاء الأجل منوطٌ بعلم الله لا يعلم أحدٌ وقته، {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] ... والمراد بـ (إذن الله) : تقديره وقت الموت، ووضعه العلامات الدالة على بلوغ ذلك الوقت المقدر، وهو ما عبر عنه مرةً بـ (كن) ، ومرةً بقدرٍ مقدورٍ، ومرةً بالقلم، ومرةً بالكتاب.

والكتاب في قوله: {كِتَابًا مُؤَجَّلًا} يجوز أن يكون اسمًا، بمعنى: الشيء المكتوب، فيكون 48.

وقال أيضًا: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11) } [المنافقون: 11] .

جاءت هذه الآية تعقيبًا على أمنية العبد أن يؤخر الله أجله ولو شيئًا يسيرًا يبادر فيه إلى العمل الصالح، ولكن هيهات، فهذا أمر مقضي لا يتأخر، {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي: وبادروا إلى الإنفاق من بعض ما رزقناكم، في سبيل الخير العام ... من قبل مجيء أسباب الموت ومشاهدة علاماته، فيقول الواحد منكم: هلا أمهلتني يا رب، وأخرت موتي إلى مدة أخرى قصيرة، فأتصدق بمالي، وأكن من الصالحين المستقيمين، وهذا دليل على أن كل مفرط أو مقصر في عمل الخير يندم عند الاحتضار ...

وقوله: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ} [المنافقون:10] مطالبةٌ بالعودة إلى الدنيا والإمهال، {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ} تعالى أي نفس عن الموت أو قبض الروح إذا حضر أجلها، وانقضى عمرها، والله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم عليها، بالخير خيرًا، وبالشر شرًا، وهذا حض على المبادرة لعمل الخير، ومسابقة الأجل بالعمل الصالح، إن الندم من أي إنسان على التفريط وطلب العودة إلى الدنيا لتدارك التقصير عما فاته، لا يفيد الإنسان شيئًا، فلات ساعة مندم، فقد تم القضاء، ونفذ الأمر، ولا أمل في النجاة إلا بالعمل الصالح. وهذا حض على المبادرة لعمل الخير، ومسابقة الأجل بالعمل الصالح 49.

رابعًا: الإعجاز العلمي وتحديد الآجال:

برز الإعجاز القرآني في كتاب الله تعالى بحديثٍ دقيقٍ عن مراحل تكوين الجنين في رحم أمه بحيث جاءت متطابقة تطابقًا تامًا مع ما اكتشفه العلم الحديث عبر كل وسائل التكنولوجيا المتطورة من تصوير وفحص جيني وكيميائي وغير ذلك، وقد مر بنا آية من كتاب الله ذكرت أطوار الجنين في رحم الأم، وبينت أن كل هذه الأطوار بدءًا وإتمامًا أو نقصًا وسقطًا إنما هي آجال أجلها وكتبها الله عز وجل بعلمه وحكمته، يقول الدكتور محمد علي البار: من خلال آيات القرآن نستطيع أن نحدد معالم أطوار الجنين الإنساني وهي: (1) نطفة، (2) علقة، (3) مضغة مخلقة وغير مخلقة، (4) عظام، (5) لحم يكسو العظام، (6) التسوية والتصوير (خلق آخر) والتعديل، (7) نفخ الروح 50.

وقد اتضح هذا الإعجاز القرآني في العصر الحديث، وتجلت بكل وضوح مراحل وأطوار خلق الجنين، فإن ثمة علمٌ تاريخه حديثٌ، اسمه علم الأجنة، وهو علم تكون الجنين في رحم الأم، وقد تقدم هذا العلم في السنوات الأخيرة تقدمًا كبيرًا، حتى أصبح بإمكان الأطباء والعلماء أن يصوروا الجنين وهو في الرحم في مراحل نموه وتطوره، فهناك صورةٌ للجنين في الأسبوع الثالث، وصورةٌ في الأسبوع الرابع، وصورةٌ في الأسبوع الخامس، وصورةٌ في الأسبوع السادس، ويعنينا من كل هذه الصور صورةٌ للجنين في رحم الأم وهو في بداية الأسبوع السادس، ماذا نرى؟ نرى الأنف مختلطًا بالفم، متصلًا بالعين، نرى اليد كأنها مجدافٌ قصيرٌ، نرى الرأس ملتصقًا بالجذع، هذه صورة الجنين في بداية الأسبوع السادس، فإذا انتهى هذا الأسبوع ابتعد الرأس عن الجذع، وتوضحت معالم العينين، ومعالم الأنف، ومعالم الفم، وملامح اليدين، والرجلين، هذه الملامح هي ملامح نهاية الأسبوع السادس، والأسبوع سبعة أيامٍ، فإذا ضربنا سبعةً بستةٍ، فالناتج هو: اثنان وأربعون (42) .

عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةً، بعث الله إليها ملكًا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكرٌ أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه، فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص) 5152.

1.جعل الله الناس شعوبًا وقبائل وأممًا ليتعارفوا وتكون بينهم الحياة الطيبة يعمرون هذه الأرض بعبادة الله وبنشر الحق والخير، ولكن الشياطين اجتالتهم وحملت بعض الأمم على بعض فاستكبروا وعتو وسعوا بالباطل في هذه الأرض، ونسوا سنن الله في خلقه فجاءت آيات الكتاب العزيز كي تذكر الأمم بأن الله تعالى جعل لهم أعمارًا وآجالًا إليها ينتهون، وجعل لمن عتا منهم عقوبة بها يرتدعون.

قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) } [الأعراف: 34] .

ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رسل الله، ورد نصائحهم، والشرك بالله، مع متابعة ربهم حججه عليهم أجل.

«يعني: وقت لحلول العقوبات بساحتهم، ونزول المثلات بهم على شركهم، فإذا جاء الوقت الذي وقته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا، ولا يمتعون بالحياة فيها عن وقت هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم ساعة من ساعات الزمان ولا يتقدمون بذلك أيضًا عن الوقت الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاك» 53.

أولًا: فناء الأمم.

ومما هو معلوم مكتوب في أم الكتاب، آجال الأمم والشعوب وما قد قدر لها من آثار على وجه هذه الأرض، فكم من أمةٍ اندرست واندثرت آثارها، وكم من شعوبٍ تتابع بعضها على ديار بعض، وكم من أمةٍ أبقاها الله دهرًا وأمدها، وهكذا.

يقول الله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49) } [يونس: 49] .

لكل قوم ميقاتٌ لانقضاء مدتهم وأجلهم، فإذا جاء وقت انقضاء أجلهم وفناء أعمارهم لا يستأخرون عنه ساعة فيمهلون ويؤخرون، ولا يستقدمون قبل ذلك، لأن الله قضى أن لا يتقدم ذلك قبل الحين الذي قدره وقضاه 54.

ثانيًا: هلاك الأمم.

وإن لم يكن اندثار الأمم بفنائها واندراسها مع مرور الزمان جاء فناؤها بهلاكها عقوبةً من عند الله تعالى على انحرافها وسيرها في طريق الشيطان.

يقول سبحانه: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) } [الحجر:4 - 5] .

يخبر تعالى أنه ما أهلك قريةً إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وإنه لا يؤخر أمة حان هلاكها عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيهٌ لأهل مكة وإرشادٌ لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك 55.

وقد تتتابع العقوبات على أمة ما قبل أن يحين هلاكها فلا يكون تتابعها أو شدتها مظنة لتعجيل هلاكهم، فإن أجل الهلاك لا يتقدم مهما زادت العقوبات.

يقول تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) } [الأعراف:130 - 136] .

حين نزل العذاب الشديد وتواترت ألوان العقاب على فرعون وقومه الكافرين من الجراد والضفادع والدم وطوفان الماء وغيرها من الآيات التسع، حينئذ اضطرب قوم فرعون واشتد فزعهم، وطلبوا من موسى عليه السلام أن يدعو ربه، بسبب ما عهد الله عنده من النبوة والرسالة والكرامة والمحبة وصلة العهد مع الله من طاعة موسى ونعمه عليه، وأقسموا له: لئن كشفت عنا بدعائك ذلك العذاب، لنصدقن برسالتك، ونؤمنن بما جئت به من عند ربك، ولنرسلن معك بني إسرائيل إلى حيث تتوجه وتريد، ليتمكنوا من عبادة ربهم كما شاؤوا.

وهذا عهد من فرعون وملئه الذين بيدهم الحل والعقد، ولكن قوم فرعون لما كشف الله عنهم العذاب، وأزال عنهم العقاب مرة بعد مرة، مؤقتًا إلى أجل محدود، منتهون إليه حتمًا، فمعذبون فيه، وهو الغرق، إذا هم ينقضون العهد ويحنثون في كل مرة، ولم ينفعهم ما تقدم في حقهم من الإمهال.

ومعنى قوله تعالى: {إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ} أي: غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك والموت، في الغرق المنتظر ... ولما كشف الله العذاب (وهو الرجز) عن قوم فرعون من قبل مرات ومرات، ولم يقلعوا عن كفرهم وجهلهم، ثم حان الأجل المؤقت لعذابهم، انتقم الله منهم، بأن أهلكهم بالغرق في البحر؛ بسبب تكذيبهم بآيات الله التي نزلت عليهم كلها، وكانوا غافلين عنها وعما يتبعهم من العذاب في الدنيا والآخرة 56.

ثالثًا: استعجال العذاب لا يغير أجله.

يستعدي ابن آدم بجهله، ويستعجل وقوع العذاب بطيشه، ويسيء الظن بربه فيظن أن ربه لا يقدر عليه، فتدفعه رعونته إلى أن يطلب من الرسل أن ينزل الله بهم العذاب، ولكن الله تعالى برحمته الواسعة يمهلهم إلى أجلهم المكتوب لهم.

يقول سبحانه: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53) } [العنكبوت: 53] .

{وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} ، نزلت في النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا حجارة من السماء، {وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى} ، قال ابن عباسٍ: ما وعدتك أني لا أعذب قومك، ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة، كما قال: {بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ} [القمر:46] . وقال الضحاك مدة أعمالهم؛ لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب، وقيل: يوم بدرٍ، {لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ} يعني: العذاب، وقيل: الأجل، {بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} بإتيانه 57.

ورحمة الله تعالى سابقة سابغة فهو لا يعاجل المستعجل بالعقوبة رحمة به ورأفة بعباده، وقد بين سبحانه سبب عدم معاجلة المستعجل بالعقوبة وحكمة تأجيل الآجال والعذاب.

يقول: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) } [يونس: 11] .

وهذا إجمال ينبئ بأن الله جعل نظام هذا العالم على الرفق بالمخلوقات واستبقاء الأنواع إلى آجالٍ أرادها، وجعل لهذا البقاء وسائل الإمداد بالنعم التي بها دوام الحياة، فالخيرات المفاضة على المخلوقات في هذا العالم كثيرةٌ، والشرور العارضة نادرةٌ ومعظمها مسببٌ عن أسبابٍ مجعولةٍ في نظام الكون وتصرفات أهله ... فهذه الجملة معطوفةٌ على جملة {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} [يونس: 7] الآية.

فحيث ذكر عذابهم الذي هم آيلون إليه ناسب أن يبين لهم سبب تأخير العذاب عنهم في الدنيا لتكشف شبهة غرورهم وليعلم الذين آمنوا حكمةً من حكم تصرف الله في هذا الكون.

فبينت هذه الآية أن الرفق جعله الله مستمرًا على عباده غير منقطعٍ عنهم؛ لأنه أقام عليه نظام العالم إذ أراد ثبات بنائه، وأنه لم يقدر توازي الشر في هذا العالم بالخير؛ لطفًا منه ورفقًا، فالله لطيفٌ بعباده، وفي ذلك منةٌ عظيمةٌ عليهم، وأن الذين يستحقون الشر لو عجل لهم ما استحقوه لبطل النظام الذي وضع عليه العالم 58.

ومن جهة موازية فإن الله تعالى يبين أن الآجال لا ترتبط بحجم ظلم البشر وطغيانهم وفسادهم وإفسادهم على هذه الأرض، وإلا لو كان ذلك كذلك ما بقي على وجهها أحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت