فهرس الكتاب

الصفحة 2318 من 2431

وقد تحدث القرآن عن أثر اتباع الهوى في العقائد في غير ما موضع، فقال سبحانه وتعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى?(19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى? (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى? (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى? (22) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ? إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ? وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى? (23 ) ) [النجم: 19 - 23] .

فهذه الآيات جاءت في معرض التنديد بالمشركين، وبيان أن أوثانهم التي يعظمونها ليس لها حظ من الشرف، وإنما هي محض أسماء ليس لها من الألوهية التي أثبتوها لها سوى اسمها، وأما معناها وحقيقتها فهي أبعد ما تكون عما وصفوها به، وما ذلك إلا «لأنهم لم يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم من الله، ولا عن رسول الله أخبرهم به» 104. فلعبت بهم الظنون، وحركتهم الأهواء.

يقول ابن تيمية رحمه الله: «وأصل الضلال اتباع الظن والهوى، كما قال الله سبحانه وتعالى في حق من ذمهم: (إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ? وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى?) [النجم:23] » 105.

ومما يوحي بشدة خطر الهوى وكيف أنه كان السبب وراء هذه الظنون التي ظنوها، والاعتقادات الفاسدة التي اعتقدوها هو «عطف (وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ?) على (الظَّنَّ) عطف العلة على المعلول، أي: الظن الذي يبعثهم على اتباعه أنه موافق لهواهم وإلفهم» 106.

ومع كل هذا فقد جاءهم من ربهم الهدى والخير، وتأمل التعريف في كلمة (الْهُدَى) فإنه يدل «على معنى الكمال، أي: الهدى الواضح» 107.

فالهدى الذي أتاهم كان ظاهرًا شديد الظهور، ومع ذلك لم ينتفعوا به، وما ذلك إلا لشدة الهوى الذي كان في نفوسهم، ومتى «انتهى الأمر إلى شهوة النفس وهواها فلن يستقيم أمر، ولن يجدي هدى؛ لأن العلة هنا ليست خفاء الحق، ولا ضعف الدليل، إنما هي الهوى الجامح الذي يريد، ثم يبحث بعد ذلك عن مبرر لما يريد! وهي شر حالة تصاب بها النفس، فلا ينفعها الهدى، ولا يقنعها الدليل» 108.

ومما يزيد أمر اتباع الهوى وضوحًا في توحيد الله قوله سبحانه وتعالى: (ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ ? هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ? كَذَ?لِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ?28?بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ? فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ? وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ?29?) [الروم: 28 - 29] .

فهذا مثل ضربه الله للمشركين (هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ) [الروم: 28] .

«أي: لا يرتضي أحد منكم أن يكون عبده شريكًا له في ماله، فهو وهو فيه على السواء» 109.

والمراد أن الإنسان العادي يأنف من هذا، فكيف يرضونه إذًا لرب العالمين؟!

وهذا مثل واضح وظاهر وحاسم لا مجال للجدل فيه، فكان المتوقع أن تكون الإجابة إجابتهم عقلية مساوية للحجة العقلية التي أوردتها الآية، وذلك بالإقلاع عن الشرك، وقبول الإيمان، ولكن هذا لم يصدر منهم؛ ولذلك جاء الإضراب الإبطالي؛ ليكشف عن حقيقة القوم، وعن العلة الأصيلة في هذا التناقض المريب (بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الروم: 29] .

«إنه الهوى الذي لا يستند على عقل أو تفكير، والهوى لا ضابط له ولا مقياس، إنما هو شهوة النفس المتقلبة، ونزوتها المضطربة، ورغباتها ومخاوفها، وآمالها ومطامعها التي لا تستند إلى حق، ولا تقف عند حد، ولا تزن بميزان، وهو الضلال الذي لا يرجى معه هدى، والشرود الذي لا ترجى معه أوبة» 110.

ولذلك ختم الله الآية بقوله: (فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ? وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) [الروم: 29] .

فمن ذا الذي يمكن أن يرد بمن أضله الله موارد الهدى؟! ومن ذا الذي يفض هذا الختم الذي ختم الله به عليه؟! ومن ذا الذي يمكنه نصرته إذ الله أراد به الهلاك؟!

اليوم الآخر من المحاور الكبرى للعقيدة الإسلامية، وهو من المجالات التي ظهر فيها اتباع الأهواء بشكل كبير، ومما حدثنا القرآن فيه عن ذلك قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه: 15 - 16] .

وهذا كلام أتى في مقام تكليف موسى بالرسالة، يؤكد فيه الرب سبحانه وتعالى على أمر الساعة، وأنها آتية لا محالة، وواقعة لا ريب فيها.

والإيمان بقدوم الآخرة منطقي ظاهر، وشواهده غاية في الوضوح، فالمجهول «عنصر أساسي في حياة البشر، وفي تكوينهم النفسي، فلا بد من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه، ولو كان كل شيء مكشوفًا لهم وهم بهذه الفطرة لوقف نشاطهم وأسنت 111 حياتهم، وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد، يحفظهم من الشرود، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة، فهم من موعدها على حذر دائم، وعلى استعداد دائم» 112.

ولكن ذلك كله لمن صحت فطرته واستقام على الجادة، أما من فسدت فطرته، واتبع هواه، فيقع في الإنكار والتكذيب، ويبقى في جهله وغيه حتى يكون من الهالكين {فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه: 16] .

وتأمل كيف أنه زاد {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} «للإيماء بالصلة إلى تعليل الصد، أي: لا داعي لهم للصد عن الإيمان بالساعة إلا اتباع الهوى دون دليل ولا شبهة 113.

ومن الآيات التي كشفت عن مجال الهوى في الآخرة أيضًا قوله سبحانه وتعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الجاثية: 23 - 25] .

وهذه الآيات تكشف بوضوح وجلاء عن شأن الهوى في التصديق باليوم الآخر، وكيف أنه يصرف الإنسان عنه، ويعلقه فقط باليوم الحاضر والشهوة العاجلة، فيكذب ويعاند ويوغل في اللجج والخصومة، مع أن الأمر أظهر ما يكون، ولكن هكذا شأن الهوى في النفوس.

يقول صاحب الظلال: «اتباع الهوى هو الذي ينشئ التكذيب بالساعة، فالفطرة السليمة تؤمن من نفسها بأن الحياة الدنيا لا تبلغ فيها الإنسانية كمالها، ولا يتم فيها العدل تمامه، وأنه لا بد من حياة أخرى يتحقق فيها الكمال المقدر للإنسان، والعدل المطلق في الجزاء على الأعمال» 114.

ثانيًا: الاتباع:

العبد في هذه الحياة مأمور بالطاعة والاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

قال سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24] .

ففي هذه الآية دعوة «قائمة على الناس جميعًا بأن يطيعوا الله ورسوله، وأن يستجيبوا لما يدعون إليه من الإيمان بالله ورسوله، ومن العمل الصالح الذي يدعو إليه الله ورسوله» 115.

ولكن هذه الطاعة لله والرسول والاستجابة لأمرهما التي يجب على العبد النهوض بها من المجالات التي تتدخل فيها الأهواء بشكل كبير.

قال سبحانه وتعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 39 - 40] .

فهذه الآيات جاءت بعدما بين سبحانه وتعالى أنه إنما أرسل رسوله قطعًا لمعذرة الكفار حتى لا يقولوا حين نزول البأس بهم: هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبعه؟! وكيف أنهم لما جاءهم النذير جحدوا وأنكروا وراوغوا وطلبوا المعجزات الحسية، فجاءت هذه الآيات؛ لتفضح سر عدم استجابتهم {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 49 - 50] .

جاءت هذه الآية لتبين «أن الحق في هذا القرآن بين، وأن حجة هذا الدين واضحة، فما يتخلف عنه أحد يعلمه إلا أن يكون الهوى هو الذي يصده» 116.

يقول ابن جرير: «فإن لم يجبك هؤلاء فاعلم أنما يتبعون أهواءهم» 117.

فهما طريقان إذًا ولا ثالث لهما: «إما إخلاص للحق، وخلوص من الهوى، وعندئذٍ لا بد من الإيمان والتسليم، وإما مماراة في الحق، واتباع للهوى، فهو التكذيب والشقاق، ولا حجة من غموض في العقيدة، أو ضعف في الحجة، أو نقص في الدليل كما يدعي أصحاب الهوى المغرضون» 118.

ففي هذه الآية دليل إذًا على أن «كل من لم يستجب للرسول، وذهب إلى قول مخالف لقول الرسول؛ فإنه لم يذهب إلى هدى، وإنما ذهب إلى هوى» 119.

ولقد ذكر القرآن نماذج عدة لأثر الهوى في الاستجابة لله ورسوله، ومن أبرزها ما كان من أمر كفار قريش مع آية انشقاق القمر.

وروى الإمام البخاري عن قتادة عن أنسٍ رضي الله عنه قال: (سأل أهل مكة أن يريهم آيةً فأراهم انشقاق القمر) 120.

وتلك آية عظيمة كان المفترض أن يتحولوا عن كفرهم بعدها، ويحسنوا الاستجابة والسير في طريق الهدى، ولكنهم كما قال القرآن: {وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} [القمر: 2] .

وما ذلك إلا لأن قصدهم ليس اتباع الحق والهدى، وإنما قصدهم اتباع الهوى» 121 ولهذا قال بعدها: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ} [القمر: 3] .

إذ لو «كان قصدهم اتباع الهدى؛ لآمنوا قطعًا، واتبعوا محمدًا صلى الله عليه السلام؛ لأنه أراهم الله على يديه من البينات والبراهين والحجج القواطع ما دل على جميع المطالب الإلهية، والمقاصد الشرعية» 122، ولكن هكذا الهوى يطمس القلوب؛ فلا تنتفع برؤية آيات، ولا تستجيب للنذر، مهما كانت واضحة شديدة الظهور {وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ} [القمر: 4 - 5] .

وإذا كان الله عاب على كفار قريش تركهم الاستجابة واتباع الهوى؛ فإننا نجد أننا بحاجة ماسة إلى فهم مثل هذا الأمر، وخصوصًا في هذا الزمان «الذي كثرت فيه الأهواء، وتنوعت فيه المشارب في التعامل مع النصوص الشرعية، بدعاوى كثيرة، فهذا ينصر بدعته، وهذا يروج لمنهجه في تناول النصوص، وثالث يتتبع الرخص التي توافق مراد نفسه، لا مراد الله ورسوله» 123.

وهذا ما أشار إليه الإمام ابن تيمية بقوله: «فكل من اتبع ذوقًا أو وجدًا، ومن اتبع ما يهواه حبًا وبغضًا بغير الشريعة فقد اتبع هواه بغير هدى من الله» 124.

فالواجب على العبد أن يتعلم التسليم والطاعة والاستجابة، وأن لا يُقَدِّم على كلام الله ولا كلام رسوله أي كلام؛ فإن عدم الاستجابة إنما هي اتباع للهوى، فكل من علم من هدي النبي صلى الله عليه السلام وسنته أمرًا ثم تركه بعد معرفته به فهو متبع للهوى، كما يقول الإمام ابن القيم: «من ترك الاستجابة إذا ظهرت له سنة، وعدل عنها إلى خلافها فقد اتبع هواه» 125.

ولا شك أن المؤمن كامل الإيمان لا يكون هواه إلا تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه السلام، وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه السلام قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به) 126.

ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم أفضل الخلق؛ لما خصوا بالمزايا والصفات الكاملة، أعلاها: الميل إلى ما جاءت به الشريعة السمحة التي ليلها كنهارها في الإضاءة والوضوح، كان أحدهم يقاتل أباه وابنه، وهو في صف المؤمنين، وهما في حيز الكافرين المشركين، بذلوا رضي الله عنهم في طريقه مهجهم، وأنفقوا أموالهم، فطوبى لهم! فمن كان الهوى -وهو الباطل- المطاع المحبوب الاتباع تابعًا لطرق الهدى من الملة البيضاء والسنة الزهراء؛ حتى تصير همومه المختلفة، وخواطره المتفرقة التي تنبعث من هوى النفس، وميل الطبع همًّا واحدًا، يتعلق بأمر ربه، واتباع شرعه؛ تعظيمًا لحقه، وشفقة على خلقه 127.

قال المباركفوري: قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه» أي: ميل نفسه «تبعًا لما جئت به» هذا محمول على نفي أصل الإيمان، أي: حتى يكون تابعًا مقتديًا لما جئت به من الدين والشرع عن الاعتقاد، لا عن الإكراه وخوف السيف كالمنافقين.

وقيل: المراد نفي الكمال، أي: لا يكمل إيمان أحدكم حتى يكون في متابعة الشرع، وموافقته له كموافقته لمألوفاته، فيستمر على الطاعة من غير كلفة وكراهية، وذلك عند ذهاب كدر النفس وبقاء صفوتها، وهذه حالة نادرة إلا في المحفوظين من أوليائه، وقيل في معناه: حتى يحب ما أمر به، ويكره ما نهى عنه، أي: يقدم الشرع على هواه 128.

فلا يميل إلا بأمر الشرع، ولا يهوى إلا حكم الشرع، فمن كان هذا حاله؛ فهو المؤمن الكامل التوحيد، ومن أعرض عنه متبعًا لهواه، مبتغيًا لرضاه؛ فهو الخاسر في دنياه وعقباه.

قال الحافظ ابن رجب: «فجميع المعاصي إنما تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه، فقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50] .

وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع؛ ولهذا يسمى أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله، ومحبة ما يحبه، كذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسول صلى الله عليه السلام، فيجب على المؤمن محبة الله، ومحبة من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عمومًا؛ ولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان أن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وتحريم موالاة أعداء الله، وما يكره الله عمومًا 129.

ثالثًا: الحكم والقضاء:

القضاء والحكم بين الناس من المجالات التي يظهر فيها اتباع الهوى بشكل كبير، ويترتب عليها آثار خطيرة في الدماء أو الأموال أو الأعراض؛ ولذا أكد القرآن على خطر هذا الأمر في غير ما موضع.

قال سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 48 - 50] .

أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال كعب بن أسد وابن صوريا وشأس بن قيس بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد؛ لعلنا نفتنه عن دينه! فأتوه فقالوا: يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتبعنا يهودٌ، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك! فأبى رسول الله صلى الله عليه السلام، فأنزل الله فيهم: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} إلى قوله: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 94 - 50] 130.

ويظهر خطر الأهواء في مجال القضاء من خلال توجيه الخطاب للنبي صلى الله عليه السلام، ففي هذه الآية تحذير للنبي صلى الله عليه السلام من اتباع أهوائهم «بالاستماع لهم وقبول كلامهم ولو لمصلحة في ذلك كتأليف قلوبهم، وجذبهم إلى الإسلام، فالحق لا يوصل إليه بطريق الباطل» 131.

فأن يكون الخطاب موجهًا للنبي صلى الله عليه السلام -وهو من هو- فهذا لا شك يوحي بخطورة الهوى في هذا المجال وبشدته فيه.

والذي يتأمل الآيات يلحظ أن الله سبحانه وتعالى كرر النهي عن اتباع أهوائهم {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ} [المائدة: 49] وما ذلك إلا «لشدة التحذير منها؛ ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى وهو أوسع، وهذا في مقام الحكم وحده، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق» 132.

وتكرار التحذير من اتباع الهوى في هذا المجال أيضًا؛ لأنه شديد التسرب فيه دون أن يلحظه الإنسان، وهكذا يظهر خطر اتباع الهوى في مجال القضاء والحكم بين الناس.

ومن الآيات التي أشارت لخطر الهوى في هذا المجال أيضًا قوله سبحانه وتعالى: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26] .

فهذا أمر رباني من الله لنبيه داود عليه السلام بأن يحكم بين الناس بالحق {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} [ص: 26] .

وبعد هذا الأمر ذكر له الآفة التي من شأنها أن تقطعه عن العدل، ولا تمكنه من التزام الحق عند الحكم فقال: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] .

فـ «اتباع الهوى يبعد الحاكم عن الحكم بالحق، فالهوى في النفس له ميولات وانحرافات لا تحصر، واتباع الهوى يوصل إلى اعتناق الباطل، والاستمساك بالأفكار والمفهومات الفاسدات، ويوصل إلى الظلم والعدوان والبغي والفساد العريض في الأرض» 133.

وهكذا يظهر مدى خطورة أمر اتباع الهوى في مجال الحكم والقضاء، وكيف أنه ينحرف بالإنسان؛ ليبعده عن العدل، ويوقعه في الجور، نسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على الحكم بما أنزل، والقضاء بما شرع.

رابعًا: العلم:

العلم من النعم الكبرى التي يعطيها الله للعبد ويمنحها إياه، كيف لا! وهو الذي ينير للمرء الدروب الحالكة، ويعصمه من ظلمات الشهوات والشبهات، ويمنحه القدرة على حسن الإبصار {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الرعد: 19] .

ولذا طلب الله سبحانه وتعالى منا الاستزادة من العلم {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] .

قال القرطبي: «فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه السلام أن يسأله المزيد منه، كما أمر أن يستزيده من العلم» 134.

ولكن من أخطر الآفات التي تصد المرء عن حسن الانتفاع بالعلم وحقائقه: الهوى؛ وذلك حينما يتسلط على القلب فيفسده ويصرفه عن حقيقته وحقائقه، وهذا ما يظهره ويجليه قوله سبحانه وتعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175] .

وسنقف مع هذا المثل وقفات تجلي أثر اتباع الهوى في عدم التمسك بحقائق العلم:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت