وإذا أشرقت النفوس بنور الحق، وتحلت بالأخلاق الحميدة، قويت على تلقي ما يرد عليها من الحقائق السامية. فقال: {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} وهي صفة رابعة للرسول صلى الله عليه وسلم. أي: ويعلمكم القرآن الكريم، ويبين لكم ما انطوى عليه من الحكم الإلهية، والأسرار الربانية، التي لأجلها وصف بأنه هدى ونور، فالنبى صلى الله عليه وسلم كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه؛ حتى يبقى مصونًا من التحريف والتصحيف، ويرشدهم إلى ما فيه من أسرار وحكم ليهتدوا بهديه، ويستضيئوا بنوره. {وَالْحِكْمَةَ} وهي العلم المقترن بأسرار الأحكام ومنافعها، الباعث على العمل بها، ذاك أن سنة الرسول العملية وسيرته صلى الله عليه وسلم في بيته، ومع أصحابه في السلم والحرب، والسفر والإقامة، في القلة والكثرة، جاءت مفصلة لمجمل القرآن، مبينة لمبهمه، كاشفة لما في أحكامه من الأسرار والمنافع، ولولا هذا الإرشاد العملي لما كان البيان القولي كافيًا في انتقال الأمة العربية من طور الشتات والفرقة والعداء والجهل، إلى الائتلاف والاتحاد، والتآخي والعلم، وسياسة الأمم.
فالنبى صلى الله عليه وسلم وقف أصحابه على فقه الدين، ونفذ بهم إلى سره، فكانوا حكماء علماء عدولًا أذكياء، حتى إن أحدهم كان يحكم المملكة العظيمة، ويقيم فيها العدل، ويحسن السياسة، وهو لم يحفظ من القرآن إلا بعضه، لكنه فقهه وعرف أسرار أحكامه 98.
وقوله تعالى: {وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} صفة خامسة له صلى الله عليه وسلم. قال القاسمي: «تنبيه على أنه تعالى أرسل رسوله على حين فترة من الرسل، وجهالة من الأمم، فالخلق كانوا متحيرين ضالين في أمر أديانهم. فبعث الله تعالى النبي بالحق، حتى علمهم ما احتاجوا إليه في دينهم، فصاروا أعمق الناس علمًا، وأبرهم قلوبًا، وأقلهم تكلفًا، وأصدقهم لهجة، وذلك من أعظم أنواع النعم.
قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ} [آل عمران: 164] الآية.
وذم من لم يعرف قدر هذه النعمة فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم: 28] .
قال ابن عباس يعني: بنعمة الله، محمدًا صلى الله عليه وسلم. والمراد بعدم علمهم: أنه ليس من شأنهم أن يعلموه بالفكر والنظر وغير ذلك من طرق العلم؛ لانحصار الطريق في الوحي.
ومما لم يكونوا يعلمونه وعلمهم إياه صلى الله عليه وسلم: وجوه استنباط الأحكام من النصوص أو الأصول المستمدة منها، وأخبار الأمم الماضية، وقصص الأنبياء، وغير ذلك مما لم تستقل بعلمه عقولهم. وبهذا النوع من التعليم صار الدين كاملًا قبل انتهاء عهد النبوة 99.
إذًا التزكية هي إحدى وظائف الأنبياء عليهم السلام جميعًا، وقد أدوها خير الأداء دون تقصير أو إخلال، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ الرسالة و أدى الأمانة، وبما أن العلماء الذين هم الصف الأول في اتباع الأنبياء، فهم ورثة الأنبياء، والأنبياء عليهم السلام لم يورثوا درهما ولا دينارًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر، إن مهمة التزكية تنتقل إليهم بوفاة الأنبياء.
إن طبيعة الأديان تعتبر النفس الصالحة هي البرنامج المفضل لكل إصلاح، والخلق القوي هو الضمان الخالد لكل حضارة. وليس في هذا تهوين، ولا غض من عمل الساعين لبناء المجتمع والدولة، بل هو تنويه بقيمة وأهمية تزكية النفوس والإصلاح النفسي في صيانة الحياة وإسعاد الأحياء.
إن النفس المختلسة تثير الفوضى في أحكم النظم، وتستطيع النفاذ منه إلى أغراضها الدنيئة، والنفس الكريمة ترقع الفتوق في الأحوال المختلفة، ويشرق نبلها من داخلها، فتحسن التصرف والمسير وسط الأنواء والأعاصير 100، ومن هنا كان حتمية تزكية النفس وإصلاحها وتقويمها، وسوف نستعرض أهم وسائل التزكية من خلال القرآن على النحو الآتي:
لكن قبل ذلك نقول: أنه يقصد بوسائل التزكية: الأعمال التي تؤثر تاثيرًا مباشرًا على النفس بأن تشفيها من مرض، أو تخرجها من أسر، أو تحققها بخلق 101.
أولًا: الإيمان:
الأساس الأول في التزكية هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، فهذا هو الوسيلة الأساسية والأولى التي تبنى عليها كافة الوسائل الأخرى للتزكية، فلابد لكل بناء من أساس، وبمقدار قوة ذلك الأساس ورسوخه بمقدار ما ينهض البناء ويعلو ويقاوم الأعاصير، وبناء النفس على الاستقامة والصلاح، أساسه العبودية الحقة لله وحده، والإيمان به سبحانه وتعالى وبالدين الحق الذي ارتضاه لعباده؛ ليكون لهم شرعة ومنهاجًا، والإيمان ليس مجرد إعلان المرء بلسانه أو كلمات يرددها بين الحين والآخر، وإنما هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، فهو عمل نفسي يبلغ أغوار النفس ويصحبه الخضوع والطاعة والتسليم والعبادة، وكلما ازداد الإيمان رسوخًا أثمر ثمراته اليانعة في تزكية النفس واستقامة السلوك 102.
والقرآن قد بين أركان الإيمان الستة في قوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: 177] .
وقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .
وقد جاء في حديث جبريل المشهور بيان لأصل الإيمان الذي هو التصديق الباطن، وفيه تفصيل لما يجب أن نؤمن به، وذلك جوابًا عن قوله صلى الله عليه وسلم: (فأخبرني ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال صلى الله عليه وسلم: صدقت) 103.
فالإيمان بالله من شأنه أن يفجر المشاعر النبيلة، ويوقظ حواس الخير، ويربي ملكة المراقبة، ويبعث على طلب المعالي من الأمور وأشرفها، وينأى بالمرء عن محقرات الأعمال وسفسافها.
والإيمان بالملائكة يدعو إلى التشبه بهم والتعاون معهم على الحق والخير، كما يدعو إلى الوعي الكامل واليقظة التامة، فلا يصدر من الإنسان إلا ما هو حسن، ولا يتصرف إلا لغاية كريمة.
والإيمان بالكتب السماوية السابقة، إنما هو عرفان بالمنهج الرشيد الذي رسمه الله للإنسان كي يصل بالسير عليه إلى كماله المادي والأدبي.
والإيمان بالرسل إنما يقصد به ترسم خطاهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأسي بهم، باعتبارهم أنهم يمثلون القيم الصالحة، والحياة النظيفة التي أرادها الله للناس. فالتمسك بما جاءوا به هو الطريق الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة.
والإيمان باليوم الآخر هو أقوى باعث على فعل الخير، وترك الشر، فيحرص الإنسان على طاعة الله؛ رغبة في ثواب ذلك اليوم، والبعد عن معصيته؛ خوفًا من عقاب ذلك اليوم.
والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره، يزود المؤمن بقوى وطاقات إيمانية تساعده على تحدي كل العقاب والصعاب. والمؤمن بالقدر إذا رزقه الله مالًا، أو جاهًا أو علمًا أو غير ذلك تواضع لله؛ لعلمه أن هذا من الله وبقدر الله، ولو شاء لانتزعه منه، إنه على كل شيء قدير، كما أنه يجعله يرضى بالله ربًا مدبرًا مشرعًا، فتمتليء نفسه بالرضا عن ربه، فإذا رضي بالله أرضاه الله 104.
وهكذا يبدو بجلاء أن العقيدة الإسلامية، وأسسها يقصد بها تهذيب السلوك، وتزكية النفوس، وتوجيهها نحو الأمثل، فضلًا عن أنها حقائق ثابتة، بل هي تعد من أعلى المعارف الإنسانية إن لم تكن أعلاها على الإطلاق، وتهذيب سلوك الفرد وتزكية نفسه من خلال الإيمان وغرس العقيدة الإيمانية هو من أعظم أساليب التربية، ذلك أن للدين سلطانًا على النفوس وتأثيرًا على المشاعر والأحاسيس، لا يكاد يدانيه في سلطانه وتأثيره شيء آخر من الوسائل التي ابتكرها العلماء والحكماء ورجال التربية 105.
ولهذا جعل القرآن الإيمان رأس تزكية النفوس، فقال موسى عليه السلام لفرعون عدو الله: {فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى} [النازعات: 18 - 19]
قال الطبري: «فقل له يا موسى: هل لك إلى أن تتطهر من دنس الكفر، وتؤمن بربك؟» 106. يعني: هل ترغب في توحيد ربك، وتشهد أن لا إله إلا الله، وتزكي نفسك من الكفر؛ فتطهر من الذنوب 107 وهذا لطف في الاستدعاء؛ لأن كل عاقل يجيب مثل هذا السؤال بنعم، وتزكى 108.
فالمقصود من الآية: حثه على أن يستعد لتخليص نفسه من العقيدة الضالة التي هي خبث مجازي في النفس، فيقبل إرشاد من يرشده إلى ما به زيادة الخير، فإن فعل المطاوعة يؤذن بفعل فاعل يعالج نفسه ويروضها إذ كان لم يهتد أن يزكي نفسه بنفسه 109.
فالحق أرشده إلى طريق الدعوة بألطف طريق؛ وذلك أن يعرض عليه ليؤامر نفسه ويرى رأيه، كما تقول للضيف: ألا تنزل بنا؟ وهذا فحوى قوله: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} 110.
وهنا يرد سؤال: لم أمرا بتليين القول للعدو المعاند؟ جوابه: لأن من عادة الجبابرة إذا أغلظ لهم في الكلام أن يزدادوا عتوًا وعلوًا. وقيل: لما له من حق تربية موسى شبه حق الأبوة 111.
ولما أشار له إلى الطهارة عن الشرك، أتبعها بالأعمال فقال: {وَأَهْدِيَكَ} أي: أبين لك بعد التزكية بالإيمان الذي هو الأساس: كيف المسير {إِلَى رَبِّكَ} أي: الموجد لك، والمحسن إليك، والمربي لك بتعريفك ما يرضيه من الأعمال، وما يغضبه من الخصال، بعد أن بلغك في الدنيا غاية الآمال {فَتَخْشَى} أي: فيتسبب عن ذلك أنك تصير تعمل أعمال من يخاف من عذابه خوفًا عظيمًا، فتؤدي الواجبات وتترك المحرمات وسائر المنهيات، فتصير إلى أعلى رتب التزكية، فتجمع ملك الآخرة إلى ملك الدنيا، فإن الخشية هي الحاملة على كل خير، والآمن هو الحامل على الشر. وتقديم التزكية على الهداية لأنها تخلية 112.
أي: أن المطلوب أولًا: التخلي عن دنس الشرك والكفر بالإيمان، ثم التحلي ثانيًا بخصال الخير والفضائل وملء النفس بالأخلاق الفاضلة، وإحلالها محل الأخلاق الرذيلة -وعلى رأسها الشرك- بعد أن خليت منها.
وقوله: {هَلْ لَكَ} خبر مبتدأ مضمر. و {إِلَى أَنْ تَزَكَّى} متعلق بذلك المبتدأ، وهو حذفٌ سائغٌ، والتقدير: هل لك سبيل إلى التزكية، ومثله: هل لك في الخير، تريد: هل لك رغبة في الخير 113.
وفى هذا الأسلوب القرآنى الخطة المثلى، والمثل الكامل القويم لأصحاب الدعوات، من القادة، والزعماء، والمصلحين، إنهم لن يبلغوا بدعوتهم مواطن الإقناع، ولن يحصلوا منها على ثمر طيب، إلا إذا جعلوا الرفق واللين سبيلهما إلى الناس، والا إذا غذوها بمشاعر الحب، والرغبة الصادقة في الإصلاح، وبخاصة إذا كان الداعي يدعو إلى حق، ويهدف إلى هدى وإصلاح، {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 145] .
وليس مما يدخل في هذا الباب، المداهنة، والمخادعة، والنفاق، فذلك كله شر، إذا اختلط بالدعوة الصالحة أفسدها، وإذا خالط الحق أثار الدخان الكثيف في سمائه الصافية، فغشى على الأبصار، وحجب الرؤية عن مواقع الهدى 114.
ومن هنا يظهر لنا أن نقطة البداية والنهاية في تزكية النفس هي التوحيد، فهو الذي يطهر النفوس من أدران الشرك، وما يستتبعه الشرك من عجب وغرور، وكبر وحسد، وغير ذلك، وبقدر ما يتعمق التوحيد في النفس بقدر ما تزكو وتتحقق بثمرات التوحيد من صبر وشكر، وعبودية، وتوكل، ورضا 115.
ثانيًا: أمهات العبادات:
إن العبادات التي شرعت في الإسلام واعتبرت أركانًا في الإيمان به ليست طقوسًا مهمة في النوع الذي يربط الإنسان بالغيوب المجهولة، ويكلفه بأداء أعمال غامضة، وحركات لا معنى لها، كلا، فالفرائض التي ألزم الإسلام بها كل منتسب إليه، هي تمارين متكررة لتعويد المرء أن يحيا بأخلاق صحيحة، وأن يطهر نفسه من قبائح الأعمال، فالصلاة والصيام والحج، وما أشبه هذه الطاعات من تعاليم الإسلام هي مدارج الكمال المفرد، وروافد التطهر الذي يصون الحياة ويعلي شأنها، فإذا لم يستفد المرء منها ما يزكي قلبه، وينقي لبه، ويهذب بالله وبالناس صلته فقد هوى 116 وسوف نعرض لذلك كما يلي:
الوسيلة الأولى: الصلاة:
تأتي الصلاة في الرتبة الأولى من العبادات التي لها دور في تزكية النفس، وتطهيرها من الآثام والشرور، ولأهمية هذه الشعيرة عند الحق لم يعف منها مسلم ولا مسلمة -كأصل عام- مهما كانت ظروفهما، فلا يحول دون أدائها فقر ولا ضعف، ولا مرض ولا سفر، بل لم يعف منها مسلم وقت الحرب -ولذلك كانت صلاة الخوف-، وهذا دليل قاطع على منزلة الصلاة عند الله؛ لما فيها من فوائد تعود على مؤديها بالخير والصلاح في الدنيا والآخرة 117.
فالصلاة أبان الله لنا الحكمة منها قائلًا: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] .
يقول الإمام ابن كثير: «إن الصلاة تشتمل على شيئين: على ترك الفواحش والمنكرات، أي: إن مواظبتها تحمل على ترك ذلك» 118.
فالصلاة تنأى بالمؤمن عن الغرور بمتاع الدنيا، والاستعلاء على غيره من خلق الله وظلمهم والطغيان فيهم، حين يقف بين يدي الواحد الديان، خاشعًا مكبرًا ومتجردًا ومنصرفًا عن كل متاع الدنيا وزخرفها، متوجهًا إلى الحق سبحانه إيمانًا بأن العزة كلها لله. {إِنَّ الصَّلَاةَ} حين تقام حق القيام {تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ذلك أنها اتصال بالله، يخجل صاحبه ويستحيي أن يصطحب معه كبائر الذنوب وفواحشها ليلقى الله بها، وهي تطهرٌ وتجردٌ لا يتسق معها دنس الفحشاء والمنكر وثقلهما 119.
فالصلاة في الإسلام تشكل دعامة أساسية من دعامات التهذيب النفسي، فالإبعاد عن الرذائل، والتطهير من سوء القول، وسوء العمل، هو حقيقة الصلاة، وهذا هو جوهر التزكية.
الوسيلة الثانية: الزكاة:
إن الزكاة -ومثلها الصدقة- ليست ضريبة تؤخذ من الجيوب، بل هي تطهير للنفس من داء البخل والشح، وتدريبها على البذل والسخاء، وتربيتها على الإنفاق والعطاء. وعليه فتشكل الزكوات والإنفاق في سبيل الله الوسيلة الثانية في الأهمية في باب التزكية، قال تعالى: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128] .
والإنفاق في سبيل الله هو الذي يطهر النفس من الشح فتزكو بذلك النفس 120 كما قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [التوبة 103] .
قال ابن عباس: لما أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه انطلق أبو لبابة وصاحبه، فأتوا بأموالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: خذ أموالنا وتصدق بها عنا، وصل علينا، يريدون استغفر لنا وطهرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا آخذ شيئًا منها حتى أومر به) ، فأنزل الله عز وجل: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ... } الآية. فظاهر قوله: {تُطَهِّرُهُمْ} أن الزكاة إنما وجبت لكونها طهرة من الآثام. فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم ويزكيهم به 121.
وكأن الحق يقول: {خُذْ} يا أكمل الرسل {مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أى: من أموال هؤلاء المذنبين التائبين النادمين عما صدر عنهم من المخالفة حين أذنوا لك أن تخرج أنت منها {صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ} عن أدناس الطبيعة المولعة بحب المال والحرص في جمعها ونمائها {وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} أى: تصفي بواطنهم عن الشواغل العائقة عن اللذات الروحانية.
قال ابن كثير: «وهذا عام، وإن أعاد بعضهم الضمير في {أَمْوَالِهِمْ} إلى الذين اعترفوا بذنوبهم، وخلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا» 122.
فالزكاة تطهر صاحبها عن خبث البخل المهلك، وإنما طهارته بقدر بذله، وبقدر فرحه بإخراجه واستبشاره بصرفه إلى الله تعالى 123؛ ولهذا جعل الحق الإنفاق والزكاة سببًا من الوقاية من النار فقال: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى} [الليل: 17 - 18] .
غاية القول: أن للزكاة دورًا في تزكية النفس؛ ذلك أنها تدرب الإنسان على قهر نفسه وقمع شهواتها، بل يتعدى دور الزكاة إلى تزكية وتطهير نفس المحتاجين من الحقد والحسد، والمقاربة بين نفوس المؤمنين، فيحل التحاب والتواد محل البغضاء والكراهية.
الوسيلة الثالثة: الصوم:
يأتي الصوم في المرتبة الثالثة من الأهمية في تزكية الأنفس، فمن الشهوات العاتية عند الإنسان شهوتا البطن والفرج، ذلك أن المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين.
وتضيق مجاري الشيطان من العبد بتضييق مجاري الطعام والشراب، وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ومعادها، ويسكن كل عضو منها وكل قوة عن جماحه وتلجم بلجامه، فهو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعل شيئًا، وإنما يترك شهوته وطعامه وشرابه من أجل معبوده، فهو ترك محبوبات النفس وتلذذاتها إيثارا لمحبة الله ومرضاته، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه، والعباد قد يطلعون منه على ترك المفطرات الظاهرة، وأما كونه ترك طعامه وشرابه وشهوته من أجل معبوده، فهو أمر لا يطلع عليه بشر، وذلك حقيقة الصوم 124.
إن الصوم علاج للنفس للبشرية، فرضه الله لحكمة ارتضاها؛ وقاية وصيانة وجهادًا وتربية وترقية وتهذيبًا، كما قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [القرة: 183] .
لأن الصيام وصلة إلى التقى؛ إذ هو يكف النفس عن كثير مما تتطلع إليه من المعاصي 125.
فالحق سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى؛ لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى، فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش، ويهون لذات الدنيا ورئاستها؛ وذلك لأن الصوم يكسر شهوتي البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه، فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين، وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعًا له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهونًا عليه أمر الرياسة في الدنيا، وذلك جامع لأسباب التقوى 126.
والحديث عن الصيام ذو شجون، جملة الحديث: أن الصوم كما يقول الإمام الكمال بن الهمام -أحد فقهاء الحنفية- في فوائد الصوم: «أن الصوم يسكن النفس الأمارة بالسوء ويكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح، من العين واللسان والأذن والفرج؛ ولذلك قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء، وإذا شبعت جاعت كلها» 127.
ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يوصي الشباب، والذين تموج بهم عواصف الشهوات، وتكون غرائزهم مهيأة لاقترافها أكثر من غيرهم بالزواج، فإن لم يستطيعوا إليه سبيلًا، فإن أنجع طريق لهم مقيدة لشهواتهم وكسر حدتها الصوم؛ فيقول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) 128.
الوسيلة الرابعة: الحج: