فهرس الكتاب

الصفحة 1110 من 2431

وإنما وجه هذا الأمر إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لأنه جبل على الرحمة، فأمر بأن يتخلى عن جبلته في حق الكفار والمنافقين وأن لا يغضي عنهم كما كان شأنه من قبل 112.

وقوله تعالى: {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} ، تذييل قصد به بيان سوء مصيرهم في الآخرة بعد بيان ما يجب على المؤمنين نحوهم في الدنيا، أي: عليك -أيها النبي- أن تجاهدهم وأن تغلظ عليهم في الدنيا، أما في الآخرة فإن جهنم هي دارهم وقرارهم، والمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: وبئس المصير مصيرهم، فانه لا مصير أسوأ من الخلود في جهنم.

ومن هذه الآية الكريمة نرى أن على المؤمنين -في كل زمان ومكان- أن يجاهدوا أعداءهم من الكفار والمنافقين بالسلاح الذي يرونه كفيلًا بأن يجعل كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى 113.

وقوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا} ، الخطاب فيه للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب، والاستفهام للتعجيب من أحوالهم الذميمة، و (بدلوا) من التبديل بمعنى التغيير والتحويل، والمراد به: وضع الشيء في غير وضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر، ونعمة الله التي بدلوها، تشمل كفرهم بالرسول صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله تعالى لإخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله لهم -أي: أهل مكة- بأن جعلهم في حرم آمن، وجعلهم سدنة بيته، ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه في العبادة آلهة أخرى.

ثم بين رذيلة أخرى من رذائلهم، فقال: {وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} ، والمراد بقومهم: أتباعهم وشركاؤهم في الكفر والعناد حتى ماتوا على ذلك، والبوار: الهلاك والخسران، ويطلق أيضًا على الكساد، يقال: بار المتاع بوارًا، إذا كسد، إذ الكاسد في حكم الهالك 114.

{جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا} ، أي: جهنم يصلون حرها وسعيرها، {وَبِئْسَ الْقَرَارُ} قرارهم فيها، والمخصوص بالذم محذوف، أي: بئس القرار هي، أي: جهنم. وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار 115.

لقد ذم القرآن الكريم الذين خالفوا ما شرعه الله من أمور دينهم ودنياهم سواءً كانوا أفردًا أو أممًا أو مللًا، وبيان ذلك في النقاط الآتية:

أولًا: أفراد ذمها الله تعالى:

ذم القرآن الكريم أفرادًا؛ كالشيطان والنمرود وفرعون وهامان وقارون ويأجوج ومأجوج وامرأة لوط وامرأة نوح، وبيان ذلك كما يأتي:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) } [النور:21] .

ذم القرآن الكريم الشيطان في مواضع كثيرة، وورد لفظ (الشيطان) في (ثمانٍ وستين) آيةً 116.

وحذرت الآية المؤمنين من الشيطان وخطر اتباعه، وأن يستجيبوا له فيما يدعوهم إليه، فإن دعوته لا تكون إلا إلى شر.

{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، بدء الخطاب بالنداء المؤكد للمؤمنين بـ (أيها) لتنبيه المخاطبين على أنما بعده أمر خطير، يستدعي مزيد العناية والاهتمام بشأنه، ووصفهم بالإيمان لتنشيطهم والإيذان بأنه داع للمحافظة عليه، ووازع عن الإخلال به 117.

وإنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبع المؤمنون خطاه، وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقًا غير طريقة المشئوم! صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن، ويرتجف لها وجدانه، ويقشعر لها خياله! ورسم هذه الصورة ومواجهة المؤمنين بها يثير في نفوسهم اليقظة والحذر والحساسية 118.

وقوله تعالى: {لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ، أي: لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وتذرون من الأفاعيل، والتي من جملتها: منع الإحسان إلى من أساء إليكم غضبًا وحميةً، وخطوات جمع خطوة، وهي ما بين القدمين في المشي، فكأن المعنى: لا تمشوا في سبله وطرقه من الأفعال الخبيثة، فشبه حال فاعلها في كونه متلبسًا بوسوسة الشيطان، بهيئة الشيطان يمشي، والعامل بأمره يتبع خطى ذلك الشيطان.

وقوله تعالى: {لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ، تمثيلٌ مبني على تشبيه حالة محسوسة بحالة معقولة، إذ لا يعرف السامعون للشيطان خطوات حتى ينهوا على اتباعها 119.

والشيطان النون فيه أصلية، وهو من: شطن أي: تباعد، وقيل: بل النون فيه زائدة، من: شاط يشيط: احترق غضبًا، فالشيطان مخلوق من النار، كما دل عليه قوله تعالى: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) } [الرحمن:15] .

ولكونه من ذلك اختص بفرط القوة الغضبية والحمية الذميمة، وامتنع من السجود لآدم، وقيل: الشيطان اسم لكل عارم من الجن والإنس والحيوانات 120.

وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} ، وضع الظاهر موضع المضمر، حيث لم يقل: ومن يتبعها، أو: ومن يتبع خطواته؛ لزيادة التقرير والمبالغة في الذم والتنفير من خطوات الشيطان وأساليبه، وهذا من أبلغ الذم 121.

{فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} ، والفحشاء: ما أفرط قبحه، والمنكر: ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه 122.

وقوله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا} ، أي: لولا فضله بأن هداكم إلى الخير ورحمته بالمغفرة عند التوبة ما كان أحد من الناس زاكيًا؛ لأن فتنة الشيطان فتنة عظيمة لا يكاد يسلم منها الناس لولا إرشاد الدين، قال تعالى حكاية عن الشيطان، {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) } [ص:82] 123.

وقوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} ، ممن سبقت له السعادة وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} ، لجميع أقوالهم وكلامهم من قذف وغيره، {عَلِيمٌ} ، بحق ذلك من باطله، لا يجوز عليه في ذلك وهم ولا غلط 124.

ذم القرآن الكريم النمرود بن كنعان الذي غره ملكه وسلطانه.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) } [البقرة:258] .

بينت الآية الصفات الذميمة التي حملت هذا الذي جادل إبراهيم عليه السلام في ربه، وجرأته على الإقدام على هذا الغلط العظيم في الجدال والذي سهله له كبره وإعجابه بنفسه، {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ} ، ألف {أَلَمْ} ، استفهام، وفيها معنى التعجب والتنبيه على ما يتعجب منه 125.

و {إِلَى} ، جاءت هنا لتدل على أنه أمر بلغ من العجب غاية بعيدة، وهو بالفعل قد بلغ من العجب غاية بعيدة، والحق سبحانه وتعالى لم يقل لنا من هو ذلك الإنسان الذي حاج إبراهيم في ربه، لأنه لا يعنينا التشخيص سواءً كان النمروذ أو غيره 126.

وذمه بأن سبب هذا الجدال: {أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} ، أي: أبطره إيتاء الملك وحمله على المحاجة وأورثه الكبر، فحاج لذلك، أو حاجه لأجله، وضعًا للمحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه الشكر، وهي من الصفات الذميمة 127.

فقال إبراهيم عليه السلام: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} ، وهذه هي براعة القرآن في أن يترك الشيء ثقة بأن السامع يرد كل شيء إلى أصله، فقوله الحق: {إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} ، فكأن الذي حاج إبراهيم سأله: من ربك؟ فقال إبراهيم: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} 128.

وعبر بالمضارع في قوله: {يُحْيِي وَيُمِيتُ} ، لإفادة معنى التجدد والحدوث الذي يرى ويحس بين وقت وآخر، أي: ربي هو الذي يحيى الناس ويميتهم، كما ترى ذلك مشاهدًا في كثير من الأوقات، فمن الواجب عليك أن تخصه بالعبادة والخضوع وأن تقلع عما أنت فيه من كفر وطغيان وضلال 129.

ثم ذكر جواب النمرود، {قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} ، أي: أنا أحيي من حكم عليه بالإعدام بالعفو عنه، وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله، وهذا الإنكار من ذلك الملك الجبار يدل على أنه لم يفهم قول إبراهيم عليه السلام، فإن الحياة في جوابه بمعنى إنشاء الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها، وإزالة الحياة بالموت، وفي جواب نمروذ بمعنى أنه يكون سببًا في الإحياء والإماتة، من أجل هذا أوضح إبراهيم جوابه كما حكى سبحانه عنه 130.

وقوله تعالى: {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ} ، أعرض إبراهيم عليه السلام عن الاعتراض على معارضته الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه على نحو هذا التمويه دفعًا للمشاغبة، وهو في الحقيقة عدول عن مثال خفي إلى مثال جلي من مقدوراته التي يعجز عن الإتيان بها غيره، لا عن حجة إلى أخرى، ولعل نمروذ زعم أنه يقدر أن يفعل كل جنس يفعله الله فنقضه إبراهيم بذلك، وإنما حمله عليه بطر الملك وحماقته، أو اعتقاد الحلول.

وقيل: لما كسر إبراهيم عليه السلام الأصنام سجنه أيامًا ثم أخرجه ليحرقه، فقال له: من ربك الذي تدعو إليه؟ وحاجه فيه، {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} ، فصار مبهوتًا، وقرئ {فَبُهِتَ} ، أي: فغلب إبراهيم عليه السلام الكافر، {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، الذين ظلموا أنفسهم بالامتناع عن قبول الهداية.

وقيل: لا يهديهم محجة الاحتجاج أو سبيل النجاة، أو طريق الجنة يوم القيامة 131.

ذم القرآن الكريم فرعون عن إضلاله قومه عن دين الهدى.

قال تعالى: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) } [طه:79] .

بينت الآية الصفات الذميمة لفرعون، وأنه كان سببًا في ضلال قومه، {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ} ، والإضلال: الإيقاع في الضلال، وهو خطأ الطريق الموصل، ويستعمل بكثرة في معنى الجهالة وعمل ما فيه ضر، وهو المراد هنا، والمعنى: أن فرعون أوقع قومه في الجهالة وسوء العاقبة بما بث فيهم من قلب الحقائق والجهل المركب، فلم يصادفوا السداد في أعمالهم حتى كانت خاتمتها وقوعهم غرقى في البحر بعناده في تكذيب دعوة موسى عليه السلام 132.

وقوله تعالى: {وَمَا هَدَى} ، أي: ما أرشدهم قط إلى طريق موصلٍ إلى مطلب من المطالب الدينية والدنيوية تقريرٌ لإضلاله وتأكيدٌ له إذ رب مضلٍ قد يرشد من يضله إلى بعض مطالبه، وفيه نوع تهكمٍ به، وتكذيب له في قوله: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:29] .

فإن نفي الهداية عن شخص مشعرٌ بكونه ممن يتصور منه الهداية في الجملة، وذلك إنما يتصور في حقه بطريق التهكم، وحمل الإضلال والهداية على ما يختص بالديني منهما يأباه مقام بيان سوقه بجنوده إلى مساق الهلاك الدنيوي، وجعلهما عبارةً عن الإضلال في البحر والإنجاء منه مما لا يقبله العقل السليم 133.

وذم الله تعالى فرعون بسوء العاقبة.

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) } [هود:96 - 99] .

قال تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) } [القصص:8] .

ذمت الآية هامان في الاقتران الجماعي، حيث اقترن ذكره مع شخصيات مذمومة، وخص تعالى هامان بالذكر تنبيهًا على مكانه من الكفر، ولكونه أشهر رجال فرعون، وكان وزيره المدبر لمكائده، المعين له على ظلمه وبطشه 134.

وقوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} ، تعليل لالتقاطهم موسى عليه السلام بما هو عاقبته ومؤداه تشبيهًا له بالغرض الحامل عليه، {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} ، في كل شيء، فليس ببدع منهم أن قتلوا ألوفًا لأجله، ثم أخذوه يربونه ليكبر ويفعل بهم ما كانوا يحذرون، أو مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربى عدوهم على أيديهم، فالجملة اعتراض لتأكيد خطئهم أو لبيان الموجب لما ابتلوا به 135.

وجاء ذم هامان مقترنًا بشخصيات مذمومة في قوله تعالى: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) } [العنكبوت:39] ، وقوله سبحانه: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) } [غافر:23 - 24] .

في الآيات ذم لهامان باقترانه بشخصيات مذمومة، وبسوء عاقبته، وتكبره.

وقوله: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى} ، أي: وأهلكنا أيضًا قارون صاحب الأموال الطائلة والكنوز الكثيرة، وفرعون ملك الملوك في عصره ومصره ووزيره هامان، ولقد جاءهم موسى بآيات بينات تدل على صدق رسالته، فاستكبروا في الأرض وأبوا أن يصدقوه وأن يؤمنوا به، وما كانوا فائتين الله ولا هاربين من عقابه، بل هو قادر عليهم وآخذهم أخذ عزيز مقتدر 136.

وقوله تعالى: {فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ} ، ذم لهم لأنهم كفروا عن عناد وكبرياء لا عن جهل وغلواء، والاستكبار: شدة الكبر، واستكبر: يعني افتعل الكبر، فلم يقل: تكبر، إنما استكبر كأنه في ذاته ما كان ينبغي له أن يستكبر؛ لأن الذي يتكبر بشيء ذاتي فيه، إنما بشيء موهوب؟ لأنه قد يسلب منه فكيف يتكبر به؟ 137.

وتعليق قوله: {فِي الْأَرْضِ} ، بـ {فَاسْتَكْبَرُوا} ، للإشعار بأن استكبار كل منهم كان في جميع البلاد التي هو منها، فيومئ ذلك أن كل واحد من هؤلاء كان سيدًا مطاعًا في الأرض فالتعريف في الأرض للعهد، فيصح أن يكون المعهود هو أرض كل منهم، أو أن يكون المعهود الكرة الأرضية، مبالغة في انتشار استكبار كل منهم في البلاد حتى كأنه يعم الدنيا كلها، ومعنى السبق في قوله: {وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ} ، الانفلات من تصريف الحكم فيهم 138.

ذم القرآن الكريم قارون، بطغيان المال والتكبر، والتمرد على أمر الله.

قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) } [القصص:76] .

بينت الآية الصفات الذميمة لقارون وسوء عاقبته، وقوله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى} ، أي: من بني إسرائيل، وكان ابن عم موسى عليه السلام، وكان ممن آمن به، {فَبَغَى عَلَيْهِمْ} ، أي: تجاوز الحد في احتقارهم، والقرابة كثيرًا ما تدعو إلى البغي 139.

والبغي: الاعتداء، والاعتداء على الأمة الاستخفاف بحقوقها، وأول ذلك خرق شريعتها 140.

ولم يذكر فيم كان البغي، ليدعه مجهلًا يشمل شتى الصور، فربما بغى عليهم بظلمهم وغصبهم أرضهم وأشياءهم -كما يصنع طغاة المال في كثير من الأحيان- وربما بغى عليهم بحرمانهم حقهم في ذلك المال، حق الفقراء في أموال الأغنياء، فتفسد القلوب، وتفسد الحياة، وربما بغى عليهم بهذه وبغيرها من الأسباب 141.

وذكر سبب هذا البغي وهو الثراء، {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ} ، من الأموال المدخرة، {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ} ، مفاتيح صناديقه، جمع مفتح بالكسر، وهو ما يفتح به.

وقيل: خزائنه، وقياس واحدها المفتاح.

{لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ} ، خبر إن والجملة صلة ما وهو ثاني مفعولي آتى، وناء به الحمل إذا أثقله حتى أماله، والعصبة والعصابة الجماعة الكثيرة، {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ} ، لا تبطر، والفرح بالدنيا مذموم مطلقًا؛ لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها، فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارقه لا محالة يوجب الترح 142.

{لَا تَفْرَحْ} ، فرح الزهو المنبعث من الاعتزاز بالمال، والاحتفال بالثراء، والتعلق بالكنوز، والابتهاج بالملك والاستحواذ، لا تفرح فرح البطر الذي ينسي المنعم بالمال وينسي نعمته، وما يجب لها من الحمد والشكران، لا تفرح فرح الذي يستخفه المال، فيشغل به قلبه، ويطير له لبه، ويتطاول به على العباد.

وعلل النهي ها هنا بكونه مانعًا من محبة الله تعالى فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} ، أي: بزخارف الدنيا، {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ} ، بصرفه فيما يوجبها لك فإن المقصود منه أن يكون وصلة إليها، {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} ، وهو أن تحصل بها آخرتك وتأخذ منها ما يكفيك، وفي هذا يتمثل اعتدال المنهج الإلهي القويم، المنهج الذي يعلق قلب واجد المال بالآخرة، ولا يحرمه أن يأخذ بقسط من المتاع في هذه الحياة، بل يحضه على هذا ويكلفه إياه تكليفًا، كي لا يتزهد الزهد الذي يهمل الحياة ويضعفها 143.

{وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} ، فيما أنعم الله عليك، وقيل: أحسن بالشكر والطاعة كما أحسن إليك بالإنعام، {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ} ، بأمر يكون علة للظلم والبغي، نهي له عما كان عليه من الظلم والبغي، {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} لسوء أفعالهم.

ذم القرآن الكريم امرأة لوط عليه السلام.

قال تعالى: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (133) إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (135) } [الصافات:133 - 135] .

بينت الآية الصفات الذميمة لامرأة لوط عليه السلام بسوء عاقبتها القبيحة.

وقوله تعالى: {وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، أي: وإن لوطًا عليه السلام {لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} ، الذين أرسلناهم لهداية الناس، وقد أرسل الله تعالى لوطًا إلى قرية سدوم -من قرى الشام- وكان أهلها يعبدون الأصنام ويرتكبون الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين 144.

وقوله تعالى: {إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ} ، الظرف «إذ» هو قيد لنجاة لوط وأهله بسبب أنه كان من المرسلين، الذين اختارهم الله لحمل رسالته إلى عباده 145.

وقوله تعالى: {إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ} ، إشارة إلى امرأة لوط، التي كانت من الضالين، الذين لم يستجيبوا لدعوته، وكانت تفشي أسرار زوجها، فأهلكها الله فيمن أهلك من قوم لوط، وقد ضربها الله سبحانه وتعالى مثلًا لنبتة السوء تنبت في الأرض الطيبة.

فقال تعالى فيها وفي امرأة نوح: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) } [التحريم:10] .

فبين أنها خائنة، وأنها من أهل النار، وأنها واقعة فيما أصاب قومها من الهلاك 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت