فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 2431

إن قذف الزوجة يختلف عن قذف الأجنبية، حيث إن ضرر القذف لا ينحصر في المقذوفة فقط بل يقع على القاذف، وهو الزوج من حيث الفضيحة التي تطاله، وصحة نسبة أبنائه إليه؛ لذا فإن الزوج غالبًا لا يقذف زوجته إلا صادقًا، ولهذا وضع القرآن الكريم الحلول لمثل هذه المشكلة.

فقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} [النور: 6 - 10] .

فهذه الآية الكريمة فيها الفرج والمخرج للأزواج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة؛ أن يلاعنها، كما أمر الله عز وجل، وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء، {إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} أي: فيما رماها به من الزنى {وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} ، فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها، ويتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا إن تلاعن، فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أي: فيما رماها به، {وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} ولهذا قال: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} يعني: الحد، {أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنى إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها. والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه.

ثم ذكر تعالى لطفه بخلقه، ورأفته بهم، وشرعه لهم الفرج والمخرج من شدة ما يكون فيه من الضيق 57.

سادسًا: الشقاق:

الشقاق: أن ينال الفرد من صاحبه ما كربه وآذاه وأثقلته مساءته 58.

قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35] .

والمعنى: وإن خفتم الشقاق بين الزوجين والمباعدة والمجانبة حتى يكون كل منهما في شق {فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} أي: رجلين مكلفين مسلمين عدلين عاقلين يعرفان ما بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق.

فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه، ثم يلزمان كلا منهما ما يجب، فإن لم يستطع أحدهما ذلك، قنعا الزوج الآخر بالرضا بما تيسر من الرزق والخلق، ومهما أمكنهما الجمع والإصلاح فلا يعدلا عنه.

فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما إلا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح؛ فرقا بينهما 59.

يتبين مما سبق رأفة الله سبحانه بعباده، ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج، ومن شدة ما يكون بهم من الضيق، ومن وقوع هذه المشكلة التي لا علاج لها سوى ما ذكره الله تعالى من الأحكام التي سبق ذكرها.

ثالثًا: مشكلات الأبناء:

يعتبر استقرار الأسرة من أقوى دعائم تربية الأولاد تربية صالحة، والعمود الفقري في ذلك قوة العلاقة بين الزوجين والاحترام المتبادل بينهما حقيقةً لا تكلفًا، وما قد يحدث بينهما من مشكلات أو اختلاف يجب ألا يكون أمام الأبناء بل في معزل عنهم، ويجب على كل واحد منهم أن يعظم قدر الآخر في نظر الأولاد ويحافظ على هيبته ومكانته، ومن هذه المشكلات ما يلي:

1.عقوق الوالدين.

تمثل ذلك في قصة الابن العاق الذي ورد في القرآن متمردًا ورافضًا ما يدعوه إليه والداه من الخير والإيمان، مصرًا على الكفر والانحراف.

قال تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأحقاف: 17] .

يقول سيد قطب: «فالوالدان مؤمنان، والولد العاق يجحد برهما أول ما يجحد فيخاطبهما بالتأفف الجارح الخشن الوقح: {أُفٍّ لَكُمَا} ... ثم يجحد الآخرة بالحجة الواهية: {أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي} .. أي: ذهبوا ولم يعد منهم أحد .. والساعة مقدرة إلى أجلها، والبعث جملة بعد انتهاء أجل الحياة الدنيا، ولم يقل أحد إنه تجزئة، يبعث جيل مضى في عهد جيل يأتي، فليست لعبةً وليست عبثًا، إنما هو الحساب الختامي للرحلة كلها بعد انتهائها! والوالدان يريان الجحود ويسمعان الكفر، ويفزعان مما يقوله الولد العاق لربه ولهما، ويرتعش حسهما لهذا التهجم والتطاول ويهتفان به: {وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} .. ويبدو في حكاية قولهما الفزع من هول ما يسمعان، بينما هو يصر على كفره، ويلج في جحوده: {فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} .. هنا يعاجله الله بمصيره المحتوم» 60.

وقد ظهر ذلك أيضًا من موقف ابن سيدنا نوح عليه السلام مع أبيه حيث رفض الاستجابة له، والالتحاق بهم في السفينة، والانصياع لدين الله سبحانه فكان عاقبته الموت غرقًا.

قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} [هود: 42 - 43] .

وهكذا يفرق الضلال بين الابن وأبيه، حتى ليأبى الولد وهو بين يدي هذا البلاء المحيط به أن يستجيب لأبيه، وأن يستمع له، فيخرج عن أمره، وهو يدعوه إلى ما فيه سلامته ونجاته، وهكذا يوفى كل من الأب والابن جزاء ما كسب، فينجو الأب بإيمانه، ويهلك الابن الكافر بكفره 61.

2.الغيرة والحسد بين الأبناء.

العدل بين الأبناء مهم جدًا لاستقرار الحياة داخل الأسرة، وقد أظهر القرآن الكريم أن الغيرة بين الأبناء قد تؤدي إلى أن يفكر بعض الأبناء في إيذاء أو قتل بعضهم البعض بسبب ذلك، ونفهم ذلك من القصص الواردة في القرآن، التي تعرض لمثل هذه الحوادث، ومن ذلك ما حصل بين قابيل وهابيل.

قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة: 27] .

قال الزحيلي: «أورد الله تعالى هذه القصة لبيان تأثير الحسد والحقد وحب الذات، وأن ذلك يؤدي إلى المخاطر والمهالك والقبائح، فقضى على رابطة الأخوة التي تجمع بين الأخوين، وأدى إلى سفك الدماء» 62.

ومن الأمثلة التي تؤكد ذلك قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} [يوسف: 7 - 9] .

والمعنى: أن هذا الذي يزاحمكم في محبة أبيكم لكم، أعدموه من وجه أبيكم؛ ليخلو لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتختلوا أنتم بأبيكم، وتكونوا من بعد إعدامه قومًا صالحين 63.

3.سرعة الغضب وعدم التحكم في الأقوال والأفعال.

من المشكلات التي يقع فيها الأبناء، هي سرعة الغضب وعدم التحكم في الاقوال والأفعال، وقد حذر القرآن الكريم الأبناء من الوقوع في هذه المشكلة؛ لأنها تؤدي إلى إيذاء الآخرين وتوقعهم فيما لا تحمد عقباه، وخصوصًا سخط الله سبحانه وكذلك سخط الآباء.

قال تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء: 23] .

والمعنى: لا تؤفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما يتأذى به الناس، ولكن اصبر على ذلك منهما، واحتسب في الأجر صبرك عليه منهما، كما صبرا عليك في صغرك 64.

قال تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} [الأحقاف: 17] .

أي: قال لأبويه حينما دعواه إلى الإيمان بالله واليوم الآخر: أف لكما، أي: أتضجر وأتبرم مما تقولانه، أأنتما تخبرانني أنني سأبعث من قبري بعد الموت لموعد الله؟ إن هذا البعث بعد الموت المستبعد مستنكر، فقد مضت الأمم السابقة الكثيرة من قبلي، كعاد وثمود، ماتوا ولم يبعث منهم أحد، وذهبوا ولم يرجع منهم مخبر 65.

4.التلفظ بالألفاظ النابية مع الآخرين.

حذر القرآن الكريم المسلمين من استخدام الألفاظ النابية، التي تثير الحقد وتدفع إلى الكراهية، وبالتالي لابد للمسلم أن يربي أبناءه على اجتناب مثل هذه الألفاظ، حتى يكون أبناؤه مثالًا يقتدى في الأخلاق الحميدة.

قال تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ} [الحجرات: 11] .

بين القرآن ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن، فذكر أنه لا ينبغي أن يسخر منه ولا أن يعيبه بالهمز واللمز، ولا أن يلقبه باللقب الذي يتأذى منه؛ لأن ذلك من الأمور التي تؤدي إلى ضياع الأمة وتفشي الظلم والكراهية فيها 66.

هذا وقد بين القرآن الكريم أهمية خفض الصوت أثناء الحديث مع الآخرين في الحديث عن وصايا لقمان لابنه قال تعالى: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان: 19] .

قال سيد قطب: «والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيء الأدب، أو شاك في قيمة قوله، أو قيمة شخصه يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق! والأسلوب القرآني يرذل هذا الفعل ويقبحه في صورة منفرة محتقرة بشعة حين يعقب عليه بقوله: {إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} .. فيرتسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية، مع النفور والبشاعة» 67.

5.الصحبة السيئة.

قد يقع بعض الأبناء في سوء اختيار الصديق، مما يؤدي إلى تأثيرات سلبية على هذا الابن وعلى أسرته من حوله، حيث إنه يتعلم من هذه الصحبة السيئة أمورًا تؤدي إلى انحراف سلوكه في المجتمع وداخل الأسرة انحرافًا كبيرًا، فيتفشى لديه الكذب، وقد يتعاطى المخدرات، وبالتالي يهمل في دروسه، الأمر الذي يؤدي به إلى السرقة، أو القتل، فتكون نهايته وخيمة في الدنيا والآخرة، لذا يجب على الوالدين متابعة أبنائهم في ذهابهم وإيابهم، ومعرفة من يتقرب إليهم ويحيط بهم، ومساءلتهم عند التقصير، وقد حذرنا القرآن الكريم من رفقاء السوء، فقال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] .

يقول سيد قطب: «وإن عداء الأخلاء لينبع من معين ودادهم .. لقد كانوا في الحياة الدنيا يجتمعون على الشر، ويملي بعضهم لبعض في الضلال، فاليوم يتلاومون، واليوم يلقي بعضهم على بعض تبعة الضلال وعاقبة الشر. واليوم ينقلبون إلى خصوم يتلاحون، من حيث كانوا أخلاء يتناجون! {إِلَّا الْمُتَّقِينَ} .. فهؤلاء مودتهم باقية فقد كان اجتماعهم على الهدى، وتناصحهم على الخير، وعاقبتهم إلى النجاة» 68.

6.الطمع في ملذات الحياة الدنيا.

قد يتربى الأبناء على الاهتمام بتحصيل ما يستطيعون من ملذات الحياة والانشغال عن حقوق الله سبحانه، وقد تناول القرآن بيان ذلك عند حديثه عن أصحاب الجنة، التي طمع أصحابها في ثمر جنتهم، واتفقوا على عدم إعطاء الفقراء منه، كما كان يفعل والدهم فأحرق الله لهم جنتهم عقابًا لهم على ما فعلوه، فتابوا إلى الله سبحانه، ورجعوا نادمين على فعلتهم 69.

قال تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} [القلم: 17 - 20] .

يتبين مما سبق أن الأبناء قد يقعون في مثل هذه المشكلات، بل أكثر من ذلك إذا وجدت الأرض الخصبة لذلك، لذا لابد من الوالدين القيام بواجباتهم تجاه أبنائهم على أكمل وجه، حتى يكونوا صالحين نافعين لهم ولوطنهم، وقد ذكر القرآن في موضعين أن الأولاد كالأموال فتنة يجب الحذر منها وإعدادها إعدادًا سليمًا لتكون عنصر بناءٍ لا عنصر هدم في مجتمعها، وحتى لا تكون وبالًا وخسارًا على نفسها ومن حولها.

قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 28] .

يقول أبو حيان عند تفسيره للآية: «أي: سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو محنة واختبار لكم، وكيف تحافظون على حدوده فيها، ففي كون الأجر العظيم عنده إشارة إلى أن لا يفتن المرء بماله وولده، فيؤثر محبته لهما على ما عند الله، فيجمع المال ويحب الولد حتى يؤثر ذلك» 70.

1.إن مما لاشك فيه أن الوضع الفطري الطبيعي بالنسبة للرجل أن تكون له زوجة يرتبط بها برباط وثيق يجمعهما، ويتعاونان من خلاله على إنشاء أسرة متماسكة قوية البنيان؛ لإنجاب النسل الصالح الذي يرفد المجتمع بأفراد صالحين، يرثون عن سلفهم مسئوليات المجتمع، لكن هناك من انحرف عن جادة الصواب وخالف الفطرة الإنسانية، وشذ عن الطبيعة التي فطر الله سبحانه الناس عليها، فابتلاهم الله سبحانه بالأمراض والأوبئة التي لم تكن في أسلافهم.

أولًا: الأسرة في القرآن:

الأسرة في نظر القرآن كيان مقدس، وهي اللبنة الصالحة الأساسية في بناء المجتمع الإنساني السليم، ولهذا أولى القرآن بناءها عناية خاصة، وأحاط إنشاءها بأحكام وآداب تكفل أن يكون البناء متماسكًا قويًا، يحقق الغاية الكبرى من وجوده، وجعل الزواج ميثاقًا محكمًا تأخذه المرأة على زوجها.

قال تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21] .

قال الطبري: «وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك، قول من قال: الميثاق الذي عني به في هذه الآية: هو ما أخذ للمرأة على زوجها عند عقدة النكاح من عهدٍ على إمساكها بمعروف أو تسريحها بإحسان، فأقر به الرجل؛ لأن الله -جل ثناؤه- بذلك أوصى الرجال في نسائهم» 71.

وقال الشعراوي عند تفسيره للآية: «والميثاق هو: العهد يؤخذ بين اثنين، ساعة سألت وليها: زوجني، فقال لك: زوجتك، ومفهوم أن كلمة الزواج هذه ستعطي أسرة جديدة، وكل ميثاق بين خلق وخلق في غير العرض هو ميثاق عادي، إلا الميثاق بين الرجل والمرأة التي يتزوجها؛ فهذا هو الميثاق الغليظ، أي: غير اللين، والله لم يصف به إلا ميثاق النبيين فوصفه بأنه غليظ، ووصف هذا الميثاق بأنه غليظ، ففي هذه الآية {أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} فهنا إفضاء، وفي آية أخرى يكون كل من الزوجين لباسًا وسترًا للآخر {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} لهذا كان الميثاق غليظًا.

وهذا الميثاق الغليظ يحتم عليك إن تعثرت العشرة أن تتحملها وتعاملها بالمعروف، وإن تعذرت وليس هناك فائدة من استدامتها فيصح أن تستبدلها، فإن كنت قد أعطيتها قنطارًا إياك أن تأخذ منه شيئًا، لماذا؟ لأن ذلك هو ثمن الإفضاء، وما دام هذا القنطار هو ثمن الإفضاء وقد تم، فلا تأخذ منه شيئًا، فالإفضاء ليس شائعًا في الزمن كي توزعه، لا والحق يقول: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} هنا يجب أن نفهم أن الحق حين يشرع فهو يشرع الحقوق، ولكنه لا يمنع الفضل، بدليل أنه قال: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] » 72.

ولم يقتصر القرآن الكريم على اعتبار الميثاق في الأسرة ما يكون بين المرء وزوجه، بل اعتبر أن طلب الميثاق يكون من الأب لأبنائه، وهذا ما ذكره القرآن الكريم عند حديثه عما جرى في قصة يوسف عليه السلام، عندما طلب يعقوب من أبنائه الميثاق حتى يوافق على اصطحاب أخيهم بنيامين لهم في رحلتهم لجلب المؤنة من مصر.

قال تعالى: {قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} [يوسف: 66] .

قال الشوكاني: « {حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ} حتى تحلفوا بالله لتأتنني به، أي: لتردن بنيامين إلي، والاستثناء بقوله: {إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ} هو من أعم العام؛ لأن {لَتَأْتُنَّنِي بِهِ} وإن كان كلامًا مثبتًا فهو في معنى النفي، فكأنه قال: لا تمنعون من إتياني به في حال من الأحوال لعلة من العلل إلا لعلة الإحاطة بكم، والإحاطة مأخوذة من إحاطة العدو، ومن أحاط به العدو فقد غلب أو هلك، فأخذ يعقوب عليهم العهد بأن يأتوه ببنيامين إلا أن تغلبوا عليه أو تهلكوا دونه، فيكون ذلك عذرًا لكم عندي {فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ} أي: أعطوه ما طلبه منهم من اليمين {قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ} أي: قال يعقوب: الله على ما قلناه من طلبي الموثق منكم وإعطائكم لي ما طلبته منكم مطلع رقيب، لا يخفى عليه منه خافية، فهو المعاقب لمن خاس في عهده، وفجر في الحلف به، أو موكول إليه القيام بما شهد عليه منا» 73.

ثانيًا: الأسرة في المواثيق الدولية:

هناك عدد من القضايا المهمة تتمحور حولها اتفاقيات الأمم المتحدة التي تمس الأسرة بشكل مباشر، وتؤثر عليها تأثيرًا خطيرًا، من حيث التركيب، والقيم، والهوية، والتماسك، من أهم تلك القضايا:

1.اعتبار الأسرة المكونة من رجل وامرأة ارتبطا برباط الزواج الشرعي أسرة نمطية تقف في طريق الحداثة، ويجب استبدالها بالنموذج اللا نمطي الإبداعي للأسرة.

2.إقرار الشذوذ الجنسي، وإعطاء الشواذ كافة الحقوق منها الزواج، وتكوين أسر، بما يعني إقرار العلاقات غير الشرعية، سواءً بين الرجال والنساء، أو العلاقات الشاذة بين مثليي الجنس، فالأشكال المختلفة للأسرة تشمل النساء والرجال الذين يعيشون معًا بلا زواج، والشواذ، كما تشمل النساء اللائي يأتين بالأطفال سفاحًا، ويحتفظن بهؤلاء الأطفال فيقمن بالإنفاق عليهم، ويطلق على هذا التشكيل اسم الأسرة ذات العائل المنفرد، وتسمى الأم بـ (الأم المعيلة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت