فهرس الكتاب

الصفحة 2190 من 2431

والبهيج من النبات هو: الحسن الجميل، وهو الذي يسر به الناظرون، ويسعد به المشاهدون، ووصف النبات بهذا الوصف يفيد تقوية الاستدلال على دقة صنع الله تعالى، ويفيد أيضًا الامتنان عليهم بذلك؛ ليشكروا النعمة ولا يكفروها 55.

وبهذا فإن ما في النبات من بهجة وحسن يعد من مظاهر النعم التي أودعها الخالق سبحانه في النبات؛ فينعم العباد بالبهاء والجمال، وحسن المنظر، وطيب الرائحة، ويتفكروا في آيات ربهم، ويشكروا نعمه العظيمة عليهم.

ثالثًا: النبات ونعمة الإقامة والسكنى:

لا شك أن من حاجات الإنسان الضرورية في هذه الحياة الدنيا الحاجة إلى السكنى والقرار؛ إذ الإنسان محتاج إلى بيت يؤويه، وإلى مكان آمن مريح يحتمي فيه، ويقي به نفسه الحر والبرد، ويستر فيه عورته، ويضع فيه متاعه، ويتمتع فيه بالاستقرار، و لا يمكن أن تستقيم حياة الإنسان بدون ذلك، وقد ذكر القرآن الكريم هذه النعمة.

وذلك في قوله تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] .

حيث ذكرت هذه الآية أن من نعم الله عز وجل على عباده أن جعل لهم بيوتًا يسكنون فيها، ويحتمون بها، ويحفظون فيها أنفسهم وأهليهم وأمتعتهم، ويقضون حاجاتهم ومنافعهم فيها، وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع، وجعل سبحانه لعباده أيضًا من جلود الأنعام بيوتًا خفيفة، يستخفون حملها في أسفارهم؛ يضربونها في إقامتهم وفي سفرهم وحضرهم، وكل ذلك من نعم الله عز وجل على عباده 56.

وقد قرن الله عز وجل بين نعمة المقام الكريم ونعمة الجنات والعيون والزروع وذلك في قوله عز وجل في سياق الحديث عن إهلاك فرعون وجنده: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الشعراء:57 - 58] .

وفي موضع آخر قال سبحانه في نفس السياق: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 25 - 27] .

«والمراد بالمقام الكريم ما كان لهم من المجالس والمنازل الحسنة» 57.

وفي هذا دلالة واضحة على أن نعمة السكنى والمقام الكريم نعمة جليلة، قرنت بنعمة الجنات والعيون والزروع والفاكهة، ولا يحصل النعيم بالجنات والعيون إذا فقدت نعمة الإقامة بأمن واستقرار.

وللنبات الذي أنعم به الخالق سبحانه على عباده دور كبير في توفير نعمة الإقامة والسكن للإنسان؛ فلقد علم الله عز وجل الإنسان -من لحظة نزوله على الأرض- كيف يستفيد من الأشجار والنباتات في بناء بيوته، وإقامة مساكنه من جذوع النبات وأغصانها وأوراقها، ولا زال الناس إلى عصرنا هذا يستفيدون مما خلق الله عز وجل لهم من أشجار في بناء بيوتهم، وصنع أمتعتهم وأثاثهم، وحتى تلك البيوت العصرية لا تستغني عن أخشاب الأشجار في صنع أبوابها وأثاثها.

ولا يقتصر نفع النبات والأشجار على الإنسان في توفير نعمة السكن والإقامة في كونها أساسًا لبناء البيوت وأماكن السكنى؛ بل الأمر أعظم من ذلك بكثير، فالنبات كان منذ العصور الأولى لحياة الإنسان على الأرض سببًا لاستقراره وإقامته؛ وذلك أن الإنسان قد علمه الله عز وجل الزراعة، والزراعة تتطلب من الإنسان أن يستقر بجانبها؛ يبذر بذورها، ويرعاها ويعتني بها، ثم يحصد ويجني ثمارها، وبهذا تعلم الإنسان الاستقرار والسكنى في مكان واحد.

والإنسان المعاصر يعتمد كثيرًا في صناعاته على أخشاب النباتات والأشجار، وما أكثر الصناعات القائمة على النبات؛ كصناعة الأوراق، والأثاث، والأدوات، والمعدات، والفحم النباتي، والألياف، والنسيج، وصناعة الزهور والعطور، وكثيرًا من الصناعات المتنوعة، وهذا كله من الفوائد والمنافع التي أودعها الله عز وجل في النبات، ولم يذكر القرآن الكريم هذه الفوائد بالتفصيل؛ وإنما أشار إليها ضمنًا على أنها رزقًا للعباد، {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] .

حتى يستخدم الإنسان عقله وتفكيره في البحث عن تلك المنافع والفوائد. ولا شك أن من الفوائد والنعم التي جعلها الله عز وجل في النبات -مما يتصل بنعمة الإقامة والسكنى- أن فيها نعمة الظل الظليل، والوقاية من حر الشمس؛ يستريح في ظلها العباد، وينعم تحت أغصانها الناس، وقد ذكر الخالق تعالى عباده بتلك النعم العظيمة.

قال عز وجل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81] .

فالله سبحانه هو الذي جعل لعباده الظل في النبات والشجر وفي كل ما يستظل به؛ يستريحون فيه من حر الشمس، ويكنهم من الأمطار والرياح 58.

وهو سبحانه من ألهم عباده إلى الانتفاع بتلك المخلوقات، والتوقي بها من أضرار الحر والبرد؛ فخلق الظلال صالحة للتوقي من حر الشمس، وخلق الكهوف في الجبال ليمكن الالتجاء إليها، وخلق مواد اللباس مع الإلهام إلى صناعة نسجها، وخلق الحديد لاتخاذ الدروع للقتال 59.

وبهذا فإن النبات فيه نعمة توفير الإقامة والسكنى للإنسان، وتلك نعمة عظيمة لا يستغني عنها الإنسان، ولا يعيش بدونها، وتلك النعم تستوجب على العباد شكر المنعم سبحانه، والإقرار بمنته وفضله على عباده، ولله الحمد والشكر.

إن المتأمل في آيات الكتاب العزيز التي ذكرت النبات يجد أن هذه الآيات قد ذكرت أنواعًا متعددة، وأصنافًا كثيرة من النبات والأشجار، وذكرت بعضًا مما تثمره من الفاكهة والثمار، والملاحظ أن آيات الذكر الحكيم فصلت الحديث عن بعض أصناف النبات، وأجملت الحديث عن بعضها الآخر، وبعض الآيات شملت جميع أصناف النبات، كما في قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 99] .

وفي قوله عز وجل: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج: 5] .

ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن القرآن الكريم كتاب هداية وإرشاد للعالمين، وليس كتابًا متخصصًا بالنباتات وأنواعها وخصائصها وفوائده؛ وما في القرآن الكريم من حديث عن النبات إنما هو في سياق الحديث عن آيات الله عز وجل، وبراهين وجوده، ودلائل عظمته، وبيان فضله ونعمه على عباده، إلا أنه لا يخلوا تخصيص هذه النباتات والثمار بالذكر دون غيرها من فوائد دنيوية تنفع الإنسان في معاشه، وهذا يحتاج إلى مزيد جهد وبحث من العلماء للوقوف على ما في تلك النباتات والثمار من فوائد.

ويجد المتأمل لكتاب الله عز وجل أن الآيات التي ذكرت النبات منها ما تحدثت عما ينبته الله عز وجل من الأرض من نبات الدنيا، ومنها آيات تحدثت عن بعض ما في الآخرة من نبات وأشجار، وفي النقاط الآتية بيان ذلك.

أولًا: نبات الدنيا:

لقد ذكر القرآن الكريم أنواعًا عديدة من النباتات التي يخرجها الله عز وجل لعباده من الأرض؛ فذكر الحب المتراكب، وذكر أصنافًا من الخضار؛ كالبصل والقثاء والفوم، وذكر أصنافًا من الفاكهة؛ كالعنب والتين، والرمان وغير ذلك، والآيات في ذلك عديدة.

فبعض الآيات ذكرت ما يخرجه الله عز وجل من الأرض من ثمرات للعباد، كما في قوله تعالى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] .

فذكر الله عز وجل هنا ما يخرجه لعباده من الثمرات، وذلك في سياق الاستدلال على ربوبيته سبحانه، ووجوب عبادته وحده، وبيان فضله سبحانه ونعمه على عباده؛ فهو سبحانه من جعل الأرض فراشًا والسماء بناءً، وهو سبحانه من ينزل الماء من السماء، ويخرج به من الثمرات رزقًا للعباد، فوجب بذلك على العباد أن يفردوه وحده بالعبادة دون سواه؛ لذا سبقت هذه الآية بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] .

ولفظ الثمرات في الآية لفظٌ عامٌ يشمل جميع ما يطعمه العباد وينتفعون به من النبات والشجر 60.

قال القرطبي في معنى الآية: «والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألوانًا من الثمرات، وأنواعًا من النبات؛ طعامًا لكم، وعلفًا لدوابكم» 61.

والملاحظ هنا أن القرآن الكريم استعمل جمع القلة (الثمرات) ، ولم يستعمل جمع الكثرة (الثمر) أو (الثمار) ، مع أن ما يخرجه الله عز وجل لعباده من الأرض كثيرٌ جمٌ، وأصنافه كثيرة عظيمة، وكذا أنواعه وأشكاله، وعلل بعض المفسرين ذلك بأنه قصد بالثمرات جماعة الثمرة، كما في قولهم: فلان أدرك ثمرة بستانه، يريدون ثماره كلها، أو أن الجموع يحل بعضها مكان بعض؛ لالتقائها في الجمعية 62.

وذكر بعض المفسرين أن في ذلك تنبيهًا على قلة ثمار الدنيا، وإشعارًا بتعظيم أمر الآخرة وما فيها من ثمارٍ ونعيمٍ، والله أعلم 63.

وفي آية أخرى -وهي من أعظم الآيات التي تحدثت عن النبات- ذكر الله عز وجل ما يخرجه من نبات على وجه الإجمال، ثم فصل ذكر بعض أصنافها.

قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 99] .

فقوله تعالى في بداية الآية: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} يشمل جميع أصناف النبات، ويشمل كل ما أطلق عليه نبات؛ فيشمل ما كان له ساق قوية كالنخل والزيتون والرمان، ويشمل الزرع الذي له ساق لينة كالقصب وأصنافًا من الخضار، ويشمل الشجر المعروش كالعنب، ويشمل ما كان على وجه التربة بلا ساق، وهو النجم، مثل البطيخ واليقطين والقرع؛ فقوله تعالى: {نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ} يفيد العموم في الخبر، فيشمل النباتات مختلفة الأصناف والأنواع والثمرات والأشكال والخصائص والأطعمة والألوان.

ثم بعد هذا الإجمال أتت الآية بالتفصيل في أنواع بعض النبات؛ فقال تعالى: {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا} ، والخضر هو أول ما يكون عليه النبات عند خروجه من الأرض؛ حيث يكون طريًا غضًا أخضر اللون، وقد خص بعض المفسرين المراد بالخضر بالزرع والحبوب؛ كالقمح والذرة والشعير وغيرها 64.

ولعل الأصوب أن لفظ: (خضرًا) يشمل جميع النبات؛ إذ إن لفظ: (خضرًا) نكرة، والنكرة تفيد العموم، والمراد به أول خروج النبات من التربة.

ثم فصلت الآية في ذكر بعض أنواع النبات فقال تعالى: {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} ، فذكرت الآية الحب المتراكب؛ كالأرز والقمح والشعير، وذكرت بعض الأشجار التي تقوم على ساقٍ قويةٍ؛ كالنخيل والزيتون والرمان، وذكرت الآية أيضًا من النبات ما كان بحاجة إلى أن يعرش له كالعنب، ووصفت الآية ذلك النبات كله بأنه {مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} ، إشارة إلى أن بعض النبات يشبه بعضه، وبعض الثمر يشبه بعضه في الشكل أو اللون أو المذاق، يقول محمد رشيد رضا في تفسيره: «وصرحوا بأن المشتبه والمتشابه هنا بمعنى واحد، والحق أن في الصفتين فرقًا؛ فمعنى اشتبها: التبس أحدهما بالآخر من شدة الشبه بينهما، ومعنى تشابها: أشبه أحدهما الآخر ولو في بعض الوجوه والصفات، فهذا أعم مما قبله، ولا شك في أن بعض ما ذكر يتشابه ولا يشتبه، وبعضه يتشابه حتى يشتبه على البستاني الماهر» 65.

وفي آية أخرى يخبر الله سبحانه عن بعض أصناف النبات فيقول سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأنعام: 141] .

فذكرت هذه الآية الجنات من النباتات المعروشات، وهي النباتات التي تحتاج لإسنادها على العرش؛ لصيانة ثمرها من الهلاك، وذكرت الجنات من النبات غير المعروش، وهي تشمل جميع النباتات التي تقوم على سيقان قوية، ولا تحتاج لعرش، كالنخيل والزيتون والرمان.

وقد وردت هذه الآية في سياق الحديث عن ضلالات المشركين في التحليل والتحريم بأهوائهم، وجعلهم لشركائهم نصيبًا مما رزقهم الله عز وجل، وتحريم بعض ما أحل الله سبحانه، فناسب أن يذكر الله عز وجل في هذه الآية أنه سبحانه هو الذي خلق تلك الأشجار والثمار، وهو الذي رزق العباد بأصناف الأطعمة، وألوان النعيم، وهو سبحانه من أحل ذلك لعباده، ولا ينبغي أن يحرم أحدٌ شيئًا مما أحله الله عز وجل؛ فالله هو وحده الخالق، وهو سبحانه وحده المحلل والمحرم، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] .

وفي كتاب الله عز وجل آيات أخرى ذكرت أصنافًا معينة من النبات والثمار كما في قوله تعالى: {يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 11] .

وفي قوله عز وجل: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] .

وكذا في قوله سبحانه: {فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 24 - 32] .

والملاحظ في هذه الآيات ونظائرها في كتاب الله عز وجل أنها تذكر ما أخرج الله عز وجل لعباده من الأرض من نبات وثمار في سياق تعداد الله عز وجل لنعمه على عباده، وتذكيرهم بفضله عليهم، أو في سياق دعوة العباد للتفكر والنظر في آيات ربهم عز وجل؛ ليصلوا بهذه الآيات الباهرات إلى الإيمان بعظمة الخالق سبحانه، واستحقاقه للعبادة دون سواه، قال الشنقيطي -رحمه الله- في تفسير الآية الأول من هذه الآيات: «بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إنباته بالماء ما يأكله الناس من الحبوب والثمار، وما تأكله المواشي من المرعى، من أعظم نعمه على بني آدم، ومن أوضح آياته الدالة على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، وأوضح سبحانه هذا المعنى في آيات كثيرة» 66.

وقد ختمت كثير من هذه الآيات بما يحث العباد على التفكر والتعقل والنظر فيما خلق الله عز وجل لهم، وفيما أخرجه لهم من الأرض، كقوله تعالى: {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} [السجدة: 27] .

وقوله عز وجل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد: 4] .

وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى} [طه: 54] .

وفي ذلك تحفيز للعباد على التفكر فيما أخرج الله عز وجل لهم من نبات الأرض، للوصول إلى الإيمان بعظمة الخالق، وعظيم منته وفضله على خلقه.

وعند التأمل في الآيات التي تحدثت عن النبات وبعض أصنافها نجد أن هذه الآيات ذكرت بعض النباتات بأسماء ثمارها؛ كالعنب والتين والزيتون والرمان، وذكرت نباتات أخرى بأسماء أشجارها مثل النخيل والزرع، وذكرت بعضها باسم نوعه فقط كالفاكهة والحبوب، وفي ذلك إشارة إلى التفاضل بين النبات، واعتماد الإنسان في غذائه على أنواع أكثر من أنواع أخرى؛ فغذاء الإنسان يعتمد أكثر على الحبوب والزروع، وهي أقوات للإنسان، أما أنواع الفاكهة فهي للتفكه أكثر مما هي قوت، فلا يعتمد عليها الإنسان في قوته.

وقد خص القرآن الكريم بعض أصناف الفاكهة بالذكر دون بقية الأصناف، فخص العنب والتين والزيتون والرمان والنخيل، ولعل الحكمة من ذلك أن هذه الأنواع هي المعروفة والمشهورة أكثر لدى الناس في كل زمان ومكان، ثم إن هذه الأنواع هي التي كانت موجودة في أرض العرب وقت نزول القرآن، ثم إن هذه الأنواع فيها الكثير من الفوائد الغذائية والصحية -منها ما تم اكتشافه ومنها ما يحتاج إلى بحث-، وهي ثمار تؤكل على مدار السنة؛ طازجة ومجففة.

أما الحبوب والخضار فلم يرد في القرآن الكريم تفصيل أنواعها؛ إلا ما ورد في سياق قصة موسى عليه السلام مع قومه لما طلبوا منه أن يسأل ربه أن يخرج لهم مما تنبت الأرض.

وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة: 61] .

ولعل الحكمة من عدم التفصيل في ذكر أصناف الحبوب والخضار أنهما يعدان قوتًا أساسيًا للإنسان، فالإنسان يتغذى عليها كأقوات وليس للتفكه، وكأن حاجته إليها هي التي تدفعه إلى تناولها، وليس رغبة في التفكه كما الحال في أصناف الفاكهة والله أعلم 67.

وهكذا يجد المتأمل في كتاب ربه أن حديث القرآن عن النبات جاء في سياق أمرين؛ إما للدلالة على عظمة الخالق المصور، أو لبيان فضل الله وكرمه على عباده، وفي كلا الأمرين مصلحة كبرى للعباد؛ إذ بهما يتوصلون إلى الإيمان العميق بعظمة ربهم، واستشعار عظيم نعمه عليهم، فيزيدهم ذلك قربًا إلى ربهم عز وجل، ومزيدًا من شكره على فضله ونعمه.

ثانيًا: نبات الآخرة:

تحدث عن نبات الآخرة وأشجارها، وقد ذكرت آيات كثيرة ما يتعلق ببعض أشجار الجنة.

إنه من خلال استقراء آيات القرآن الكريم التي ذكرت النبات نجد أن جزءًا من هذه الآيات قد تحدث عن نبات الآخرة وأشجارها، وقد ذكرت آيات كثيرة بعض ما في الجنة من أشجار ظليلة مثمرة، وثمار دانية منضودة، وذكرت بعض الآيات شيئًا مما في نار جهنم من شجر الزقوم الذي فيه العذاب والغصة لأهل النار.

وبتأمل الآيات التي تحدثت عن أشجار الجنة نجد أن الله عز وجل قد أخبر عن أوصافها وثمارها بما يشوق المؤمنين لها، ويرغبهم بالعمل الجاد لتحصيلها؛ ومن ذلك أنه سبحانه أخبر عن أشجار الجنة بأنها أشجار كثيفة ملتفة الأغصان، متنوعة الثمار، وإنما سميت الجنة بذلك لكثرة شجرها، وتشابك أغصانها 68.

وقد قال الله عز وجل: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الحجر: 45] .

وقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الدخان: 51 - 52] .

وقد أخبر الله عز وجل بأن أشجار الجنة شديدة الخضرة، كثيرة الري، فقال سبحانه: {وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 62 - 64] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت