وفي الحديث: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه) 76.
وهذا الأمر ليس قاصرًا على الرجال دون النساء، إنما هو مطلوب من الجنسين الرجال والنساء.
قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ? ذَ?لِكَ أَزْكَى? لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ?30?وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ?) [النور:30 - 31] .
في الآية بيان آداب ما تقتضيه المجالسة بعد دخول المرء المنزل، بألا يكون الداخل إلى البيت محدقا بصره إلى امرأة فيه، بل إذا جالسته غض بصره، واقتصر على الكلام، ولا ينظر إليها إلا النظر الذي يعسر صرفه؛ لأن الغض التام لا يمكن، ومن المفهوم أن المأمور بالغض فيه هو ما لا يليق تحديق النظر إليه، ويشمل غض البصر عما اعتاد الناس كراهية التحقق فيه، كالنظر إلى خبايا المنازل، بخلاف ما ليس كذلك.
وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم ويكون من الحياء، وجاء الأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار؛ لأن النظر رائد الزنا، فالمراد بحفظ الفروج حفظها من أن تباشر غير ما أباحه الدين.
نهى الله النساء عن إبداء زينتهن لما للزينة من أثر في إثارة الشهوات، فتكون سببًا لارتكاب الفاحشة.
قال تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ) [النور:31] .
وكذلك منعهن من الضرب بالأرجل؛ لأن من النساء من كن إذا لبسن الخلخال ضربن بأرجلهن في المشي بشدة لتسمع قعقعة الخلاخل غنجًا وتباهيًا بالحسن، فنهين عن ذلك مع النهي عن إبداء الزينة؛ لأن سماع هذه الزينة أشد تحريكًا للشهوة من النظر للزينة، وهذا يقتضي النهي عن كل ما من شأنه أن يذكر الرجل بلهو النساء ويثير منه إليهن من كل ما يرى أو يسمع من زينة أو حركة، لئلا يثير ذلك دواعي الشهوة منهن إليه، قال تعالى: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ) [النور:31] .
وضع الإسلام آدابا يلتزم بها المسلمون، فلا يجوز للمرأة أن تصف لزوجها ما تراه من محارم النساء، ففي الحديث: عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها) 77.
ولا يخفى أن ذلك إنما سدا للذريعة، وحماية عن مفسدة وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها في نفسه.
قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران:104] .
قال تعالى: (. وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) [الروم:21] .
فقد جعل الله تعالى الزواج حماية للإنسان من الوقوع في الفاحشة؛ فكان الحض على النكاح؛ لأن فيه سترا للمسلم، ومن ثم كان الأمر بالاستعفاف لمن لا يجد النكاح، وفي الحديث: عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) 78.
فقد حرم الإسلام تحريم المصافحة بين الرجال والنساء الأجنبيات، فقد كانت بيعة النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالكلام دون مصافحة، وما مست يد رسول الله يد امرأة إلا زوجة، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ) [الممتحنة:12] .
قال ابن عطية «اختلفت هيئة مبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء بعد الإجماع على أنه لم تمس يده يد امرأة أجنبية قط، فروي عن عائشة رضي الله عنها وغيرها أنه صلى الله صلى الله عليه وسلم بايع باللسان قولًا» 79.
ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد) 80.
لاشك أن مصاحبة الصالحين من علامات الأبرار، ومصاحبة الأخيار والصالحين من الإسلام؛ لأن الإنسان يحتاج دائما لمن يرشده، لذلك يجب علينا مصاحبة الصالحين، فمن عقل المرء أن يختار مصاحبة الصالحين فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، فالصديق الصالح هو الذي يرشد صاحبه إلى طاعة الله، فالمتقون يجتمعون على طاعة الله لا يغش بعضهم بعضًا، ولا يدل بعضهم بعضًا إلى ضلالة أو فاحشة أو ظلم، وإذا وجد صاحبه على ظلم رده عن ظلمه، وإن حصل من أحدهما معصية ينهاه أخوه ويزجره عنها، حتى لا يندم يوم لا ينفع الندم.
قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى? يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ?27?يَا وَيْلَتَى? لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ?28?لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ? وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ?29?) [الفرقان:27 - 29] .
ولا شك أن مصاحبة الصالحين وسيلة لاكتساب الأخلاق الإسلامية الفاضلة، كالإيثار والمروءة، والمسلم يحرص على مصاحبتهم والجلوس معهم للنجاة يوم القيامة من فزع ذلك اليوم.
قال تعالى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ?67?يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ?68?) [الزخرف:67 - 68] .
فإذا كان معهم في الدنيا نجا من الفزع، وفي الحديث: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة) 81.
في الحديث حث على مجالسة أهل الخير، والتحذير من مجالسة أهل الشر، فمن خالط صحبة السوء ناله نصيب من أخلاقهم، إلا من رحمه الله، ومن خالط الصالحين وجالس ذوي التقوى والمروءة وأصحاب مكارم الأخلاق؛ فإنه غالبا ما تناله نفحة طيبة بصحبتهم، فيسلك مسالكهم.
يجب على المسلم أن يتجنب مواطن الفواحش ولا يقترب منها.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ) [الشورى:37] .
هذه صفات للمؤمنين الذين يجتنبون كبائر الإثم، وهي الآثام العظيمة التي نهى الشرع عنها، وتوعد فاعلها بعقاب الآخرة، نحو القذف والاعتداء والبغي، والفواحش جمع فاحشة، وهي الفعلة القبيحة التي شدد الدين في النهي عنها وتوعد عليها بالعذاب أو وضع لها عقوبات في الدنيا للذي يظهر عليه من فاعليها، مثل قتل النفس والزنا والسرقة والحرابة.
وكبائر الإثم والفواحش قد تدعو إليها القوة، ولما كان كثير منها متسببا عن قوة الغضب، كالقتل والجراح والشتم والضرب؛ فقد أثنى على الذين يجتنبونها، فبين أن من صفاتهم المغفرة عند الغضب.
لذا فليحرص المسلم على الحياء الذي يجنبه السقوط في المعصية، ففي الحديث: عن أبي السوار العدوي، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحياء لا يأتي إلا بخير) 82.
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) 83.
والصدق مع النفس وتطهيرها من ظن السوء بالمؤمنين بفعل الفاحشة.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ?) [الحجرات:12] .
قال ابن عطية: «أمر الله تعالى المؤمنين باجتناب كثير من الظن، وألا يعملوا ولا يتكلموا بحسبه لما في ذلك وفي التجسس من التقاطع والتدابر، وحكم على بعضه بأنه إثم» 84.
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) 85.
إن عبادة الله هي المحرك الأساسي لحياة الأمة، والباعث لحضارتها، والضابط لمنظومة قيمها الإنسانية، إذ يهتم الإسلام بحياة المسلمين وعباداتهم الدينية، وفي علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان بالإنسان الآخر، وهو ما يمكن من خلاله تحديد مدى فهم المسلم لدينه وتطبيقه لتعاليمه والعمل بقيمه وفضائله واجتناب نواهيه، والابتعاد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ومفهوم العبادة في الإسلام مفهوم واسع شامل، ذكرها الله سبحانه وتعالى في معرض بيان وظيفة الإنسان في هذه الحياة، فجعلها الغاية من خلقه، فقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56] .
قال ابن عطية: «اختلف الناس في معناه مع إجماع أهل السنة على أن الله تعالى لم يرد أن تقع العبادة من الجميع؛ لأنه لو أراد ذلك لم يصح وقوع الأمر بخلاف إرادته، فقال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: المعنى ما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية، فعبر سبحانه عن ذلك بقوله: (لِيَعْبُدُونِ) إذ العبادة هي مضمن الأمر» 86.
ولهذا كانت حياة المسلم كلها كما أرادها الله عبادة خالصة له سبحانه في جميع جوانبها، فالمسلم عبد لله في كل تحرك وسكون.
قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام:162] .
قال ابن عطية: «أمر من الله عز وجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته وطاعته وذبيحته وغيرها وقصر تصرفه مدة حياته وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله وإرادته وطلب رضاه، وفي إعلان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به حتى يلتزموا في جميع أعمالهم قصد وجه الله عز وجل» 87.
ومتى اهتم المسلم بالعبادات التي فرضها الله عليه سلم من الوقوع في الخطيئة، إذ يجب توطيد العلاقة بين العبادة والمعاملة، حتى لا نجد من يؤدي فروض الإسلام كاملة تامة ولكنه يسقط أمام أول اختبارات المعاملة في خطابه للآخر، أو تعامله معه، أو أدائه الوظيفي، أو واجبه الأسري نحو أسرته وحمايتها.
والعبادات تقرب الإنسان مما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانات، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل، وأمثال ذلك من العبادة.
ولم يترك الله سبحانه وتعالى عبده إذا وقع في المعصية، بل جعل له مخرجا منها، فجعل الصلاة هي السبيل.
قال تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ? إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى? عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ? وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ?45?) [العنكبوت:45] .
قال ابن عطية: «أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أوحى إليه، وإقامة الصلاة، أي: إدامتها والقيام بحدودها، ثم أخبر حكما منه: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى?) صاحبها (عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات وتذكر الله تعالى وتوهم الوقوف بين يدي العظمة وأن قلبه وإخلاصه مطلع عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه، تذللت وخامرها ارتقاب الله، فاطرد ذلك في أقواله وأعماله، وانتهى عن الفحشاء والمنكر» 88.
ومن ثم تجد أن من يخلص في العبادة لله ينل البركة والطمأنينة في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة.
الإشاعة هي الإظهار والنشر للأخبار من غير تثبت وتحر للصواب، ولقد نهى الإسلام عن إشاعة أخبار الناس وبث الشائعات بألوانها المختلفة عنهم، ومن ثم عدم الخضوع لمبرراتها المصحوبة بالكذب والخداع وما تحمله من بث لبذور الفتنة في المجتمعات.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى? مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات:6] .
فقوله تعالى: فَتَبَيَّنُوا) أي: فتثبتوا، التبين: التعرف والتفحص، ومن التثبت الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد إليكم حتى يتضح ويظهر، ومشاورة المختصين والرجوع إلى المصادر الموثوقة قبل نشر الخبر، فمن الخطر الجسيم إعادة نشر أي خبر قبل التثبت من مصدره ومن مضمونه والهدف منه، ولا سيما إذا كان هذا الخبر يتعلق بما ينال إنسانًا من رميه بالفاحشة وما قد يترتب عليه.
لذا فإن الله سبحانه وتعالى ذم المنافقين بإذاعة الأخبار الكاذبة على غير الحقيقة لأغراض خفية في نفوسهم.
قال تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ?) [النساء:83] .
في الآية إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة، وفيها توبيخ للمنافقين ولوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة من المسلمين لما أخبروا به وأفشوا.
لذلك فمن الواجب على المسلم الحذر والتحري قبل إشاعة الأخبار، وعدم التحدث بكل ما يسمعه، جاء في الحديث عن حفص بن عاصم رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) 89.
وذلك إذا لم يتثبت من الخبر؛ لأنه يسمع عادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع لا محالة يكذب، والكذب الإخبار عن الشيء على غير ما هو عليه وإن لم يتعمد ذلك.
وفي الإشاعة أضرار كثيرة، فإذا بلغك عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم تجد له عذرًا فقل: لعل له عذرًا. فالستر مطلوب للناس، وهو أنفع من التشهير حتى مع فرض صحة الخبر، ولا شك أن التماس العذر للآخرين من محاسن الأخلاق، وقد بين القرآن الكريم والسنة النبوية طريقا واضحا للتعامل مع الشائعة يتمثل في التثبت والتبين دون قبول مضمون ما في الشائعة وعدم العمل بمقتضاها.
والمسلم مطالب بعدم الانسياق وراء الإشاعات مهما كانت، وأن يتحرى الصدق، وأن يتذكر قول الله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ?10?كِرَامًا كَاتِبِينَ ?11?يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ?12?) [الانفطار:10 - 12] .
وعلى كل عاقل أن يتروى ويتثبت في كل ما يقال وينقل، وألا يبادر بالتصديق، فإن الأصل في الإنسان البراءة، ولنتذكر دائما قوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18] .
فكل إنسان محاسب على ما يقول، ومن ثم فإنه لا يجوز إشاعة أخبار الفواحش، ويجب على المسلم أن يتثبت من الأخبار والشائعات، ويعلم مصدرها والهدف منها قبل أن يشارك في نشرها، ففي الحديث: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) 90.
ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يعيب إنسانا أو يفضحه لقول قاله أو لرأي، ولم يكن ليعنفه لذلك.
وفي الحديث عن ابن عمر قال: (صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله. قال: ونظر ابن عمر يوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك) 91.
إن نعمة الله علينا تكمن في ديننا القويم من جميع الوجوه، في العبادة والأخلاق، والسلوك في المعاملات، وفي حقوق الله وحقوق العباد، فهو دين يجمع بين الرحمة والحكمة، إذ من طبيعة البشر أن تكون لهم إرادات متباينة، فمنهم من ينزع إلى الخير، ومنهم من ينزع إلى الشر، ولذلك فرض الله الحدود وأوجب على ولاة الأمور إقامتها، وقد أنزل الله تعالى الآيات للناس لتبين للناس ما يترتب على الشر من المفاسد في الدنيا والعذاب في الآخرة، وما يترتب على الخير من المنافع في الدنيا والثواب في الآخرة، وقد فرض الله بحكمته عقوبات دنيوية محددة أو مفوضة إلى ولاة الأمور، فأحكام الحدود هي من أعمال القضاء، إذ عليها يكون حفظ الضروريات، ففي حد الردة حفظ الدين، وفي حد الزنا حفظ الأنساب، وفي حد الخمر حفظ العقل، وفي حد القذف حفظ العرض، وفي حد السرقة حفظ المال.
قال تعالى: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) } [النور:1 - 2] .
في الآيتين دليل واضح على أن الحدود فريضة فرضها الله على عباده، ويجب على ولاة الأمور أن ينفذوا ما فرض الله عليهم، وعليهم أن يقيموا فرائض الله التي فرضها عليهم في عقوبة المجرمين، حتى لا تعم فوضى لا يحدها حد، وقد اقتضت حكمة الله أن تتنوع هذه العقوبات بحسب الجرائم، لتردع المعتدين وتمحو الفساد، وتقيم أود الأمة وتكفر جريمة المجرم فلا يجمع له بين عقوبة الدنيا والآخرة.
ولا شك أن إقامة الحدود فرض واجب يقيمه ولي الأمر، لتستقيم حياة الناس، إذ يجب إقامة الحد على من اقترف إثما مما يوجب الحد، وقد شرع الله إقامة الحدود صونا للأعراض، ودفعا للفساد، وحماية للحقوق، وردعا للمجرمين، حتى تستقيم الحياة وتعم الطمأنينة، ولذلك قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ} [المائدة:38] .
حد الزنا: الزنا هو فعل الفاحشة في قبل امرأة لا تحل له، وهو فاحشة عظيمة من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله وقتل النفس بغير حق.
والزنا درجات متفاوتة في القبح، فالزنا بامرأة ذات زوج من أعظم الفواحش، والزنا بحليلة الجار أعظم، والزنا بذات محرم أشد وأعظم، غير أنه في كل الأمور فاحشة ممقوتة تستحق إقامة الحد، قال تعالى:
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}
[النور:2] .
قال ابن عطية: «قدمت (الزانية) في اللفظ من حيث كان في ذلك الزمن زنا النساء أفشى، وكان لأمراء العرب وبغايا الوقت رايات، وكن مجاهرات بذلك، وإذا العار بالنساء ألحق إذ موضعهن الحجبة والصيانة فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما. وهذه الآية باتفاق ناسخة لآية الحبس وآية الأذي اللتين في النساء» 92.
وقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} المقصود بالآية الكريمة الإغلاظ والتشديد على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، فلا خلاف أن الطائفة كلما كثرت فهو أليق بامتثال الأمر.
ومن رحمة الله بعباده وما اقتضت حكمة الله تعالى التدرج في إنزال العقوبة بفاعل الزنا، فكان في أول الأمر عقوبة الزنا بالإيذاء والتوبيخ والتعنيف، ثم تدرج الحكم بالعقوبة من ذلك إلى الحبس في البيوت بقوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا} [النساء:15 - 16] .
ثم استقر الأمر وجعل السبيل، فجعل عقوبة الزاني البكر مائة جلدة والرجم للثيب حتى يموت، وهذا التدرج يأخذ به إلى العفاف والطهر، وحتى لا يشق على الناس هذا الانتقال فلا يكون عليهم في الدين حرج، وذلك كما في الحديث عن عبادة ابن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) 93.
الإسلام دين يحث على الفضيلة وينفر من الرذيلة، ولقد حرص الإسلام على محاربة العادات التي تتسم بالفواحش، لما تسببه من مفاسد، وتلحق أضرارا بالمجتمع، فانتشار الفواحش في أي مجتمع يعد تدميرًا له.
قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41) } [الروم:41] .