أولًا: اسمه ونسبه:
ورد ذكر نسب نبي الله إبراهيم عليه السلام في موضعين من كتابه -جل وعلا-، وفي كل موضع كان ذكره باعتبار خاص، وذلك كما يلي:
الموضع الأول: جاء على سبيل التشريف وذلك في سورة آل عمران، حيث يقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 33 - 34] .
وفي هاتين الآيتين ذكر اصطفاء الله للأنبياء المذكورين على العالمين بالنبوة، وأخبر أنهم يرجعون لأصل واحد، فآل عمران من إبراهيم، وإبراهيم من نوح، ونوح من آدم، فآدم أبو البشر الأول، وهو الذي خلقه الله بيده، وأسجد له الملائكة، ونوح هو أبو البشر الثاني، وهو أطول الأنبياء عمرًا، قضاه في تبليغ دين الله، وإبراهيم أبو الأنبياء، وإمام الحنفاء، وصاحب الهجرات العديدة لله، في سبيل إعمار الأرض بعبادة الله وتوحيده كما سيأتي، فهم ذرية طيبة بعضها من بعض عليهم السلام.
الموضع الثاني: جاء في سورة الأنعام، وهو على سبيل ذكر النسب من حيث الأصل وفرعه، وأن إبراهيم هو ابن آزر الذي هو تارخ كما هو عند جمهور المفسرين وعلماء الأنساب، يقول تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 74] .
هذا ما ورد في القرآن، أما ما ورد في كتب التاريخ والأنساب، فقد جاء ذاكرًا للآباء بين آزر ونوح زيادة على ما جاء في القرآن على النحو التالي:
هو إبراهيم نبي الله عليه السلام ابن آزر واسمه تارخ بن ناحور بن شاروخ بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، لا يختلف جمهور أهل النسب، ولا أهل الكتاب في ذلك إلا في النطق ببعض هذه الأسماء 1.
ثانيًا: زمانه عليه السلام:
ذكر الإمام الطبري في تاريخه أماكن كثيرة ذكرها أهل العلم من أن مولد سيدنا إبراهيم عليه السلام كان فيها، غير أنها في مجملها تبين أن ميلاده كان في أرض العراق، وقد كان النمرود هو حاكمها، وكان اسمه زرهي بن طهما سفان 2، وقد ظهر ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس، وبلغ فيما ذكره أهل التاريخ مشارق الأرض ومغاربها، ونسب الطبري في أثر عن بعض الصحابة، ولم يسمهم، أن النمرود بن كنعان هو أول ملوك الأرض شرقها وغربها، وأن الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: نمرود، وسليمان بن داود، وذو القرنين، وبختنصر: مؤمنان وكافران 3.
والنمرود هو الذي جاء ذكره في القرآن في قول الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258] .
ذكر إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم
ورد ذكر إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم (69) مرة، في (25) سورة.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة ... الآيات
البقرة ... 125 - 127، 258، 260
الأنعام ... 74 - 80
هود ... 69 - 75
مريم ... 41 - 50
الحج ... 26 - 29
العنكبوت ... 16 - 18، 31 - 32
الزخرف ... 26 - 28
الذاريات ... 24 - 37
الممتحنة ... 4
منزلة نبي الله إبراهيم عليه السلام بين الأنبياء:
أما عن منزلته بين الأنبياء، فهو أحد أولي العزم من الرسل، وهم حسب الترتيب في الفضل: محمد صلى الله عليه وسلم وهو أفضلهم، وأعلاهم منزلة، ويأتي بعده إبراهيم عليه السلام، ثم موسى، ثم عيسى، ثم نوح، والله أعلم 4، وقد اجتهد أحد الشعراء فجمعهم في بيت شعر قال فيه 5:
أولو العزم نوح والخليل بن آزر
وموسى وعيسى والحبيب محمد
وقد ذكرهم الله مجتمعين في كتابه مرتين.
في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [الأحزاب: 7] .
وفي قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى? بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى? ? أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ? كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ? اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) [الشورى: 13] .
وإبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء جميعًا، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ) [العنكبوت: 27] .
فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته، ولا نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين. وهذا من أعظم المناقب والمفاخر، أن تكون مواد الهداية والرحمة والسعادة والفلاح في ذريته، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون 6.
والخلة هي أعلى منزلة بلغها عبد عند الله تبارك وتعالى، ولم يثبت في كتاب الله ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنه قد حازها إلا اثنان:
الأول: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بما رواه عنه جندب رضي الله عنه أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمسٍ، وهو يقول: (إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا؛ لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا) 7.
الثاني: إبراهيم الخليل عليه السلام، وقد أصبح ذكر هذه المنزلة مصروفًا عند ورودها في الكلام له عليه السلام، وكأنها صارت علمًا عليه؛ فيقال إبراهيم الخليل، أو خليل الله إبراهيم، أو الخليل، فلا يعلم أنه يراد غيره عليه السلام وهذا لأنه مذكور في القرآن من قول الله عز وجل: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) [النساء:125] .
يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: «والخلة أعلى أنواع المحبة، وهذه المرتبة حصلت للخليلين محمد وإبراهيم -عليهما الصلاة والسلام-، وأما المحبة من الله فهي لعموم المؤمنين، وإنما اتخذ الله إبراهيم خليلا؛ لأنه وفى بما أمر به، وصبر على ما ابتلي به» 8.
شرع لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم ذكرًا نقوله في الصباح والمساء، نقر فيه باتباعنا لما أمرنا الله به في كتابه، فنحن نقول: (أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وعلى ملة أبينا إبراهيم حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين) 9 كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو امتثالًا منه ومنا لقول الله تبارك وتعالى: (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [النساء: 125] .
وذلك أنه باتباع ملته ينال شرف الانتساب إليه، وخاب وخسر من دنس دينه بالشرك، أو التحريف والتضليل والتزييف، فلا يمكن أن يكون من أتباعه، فملته هي الملة المائلة عن طريق الشرك، المستقيمة على طريق التوحيد، الحنيفية السمحة، أحب الأديان إلى الله، التي التزمت ما جاءها من عند مولاها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة) 10.
والله سبحانه وتعالى يقول: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَ?ذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ? وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 68] .
آمنوا بكل ما جاءهم من عند الله، متبعين لا مبتدعين، يتأولون القرآن والسنة بأفعالهم لا بأهوائهم، وذلك بتطبيقه في حياتهم واقعًا عمليًا.
إن عداوة المبطلين والمعاندين لأهل الحق سنة ماضية، وطريقة متبعة، ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، منذ أن أرسل الله الرسل عليهم السلام لأهل الشرك في الأرض، فحين يعجز أهل الباطل عن الدفاع عن باطلهم، ولا يقبلون الاستسلام والانقياد للحق.
ويسعون في إظهار باطلهم في صورة يخدعون بها أهل الحق؛ ليوهموهم أن الباطل حق، والحق باطل، بزخرفة القول، والإغراءات المادية، وأساليب الترغيب والترهيب؛ فإنهم يلجؤون إلى الأساليب القمعية في أشنع صورها، ولا يدخرون عذابًا إلا واستعملوه في التنكيل بمخالفيهم.
وقد كان إبراهيم عليه السلام ممن بلغت عداوة قومه له مداها، والرغبة في الانتقام منه منتهاها، حين حطم آلهة قومه الجوفاء من كل مضمون للألوهية باطنًا، والعارية من كل موجب للربوبية ظاهرًا، فدعاهم، واستهداهم، وخاطبهم بكل ألوان الخطاب المقنعة، وأقام عليهم الحجج الدامغة، ولكنهم زين لهم سوء عملهم؛ فافتعل تلك المشكلة المثقلة، التي أوقفتهم حائرين ضالين، أعماهم حبهم لآلهتهم عن اكتشاف انتفاء قدرتها، وامتهان قدرها؛ فهالهم قهرها؛ فطارت لذلك عقولهم، وانخلعت له قلوبهم؛ فعموا وصموا، وتساءلوا عمن قام بهذه الفعلة النكراء، فتذكروا ما كان من إبراهيم عليه السلام من التوعد والوعيد لها؛ فانقلبت لديهم الموازين، وجعلوا التعدي على آلهتهم فعلًا لا يفعله إلا أعظم الظالمين، فجعلوا شركهم عدلًا، وتوحيد إبراهيم عليه السلام ظلمًا.
فقرروا الانتقام؛ فاستنفروا كل قوتهم، وجمعوا جماعتهم؛ ليوقعوا عليه نقمتهم؛ فقابلهم الله تبارك وتعالى بأن عطل ناموسًا من نواميس الكون وقوانينه، ردًا على قلب الموازين الذي فعلوه؛ فجعل النار التي من سنتها أن يكون أثرها إتلافًا وإحراقًا، أن تصير نعيمًا وسلامًا وإشراقًا، فقد كانت هذه الحادثة صفحة مشرقة من صفحات التاريخ، نتلو خبرها في كتاب الله عز وجل إلى قيام الساعة، وذلك حين نصر الله عز وجل نبيه ووليه إبراهيم عليه السلام، على أعدائه الطغام.
وخبر هذه الحادثة جاء في قوله جل جلاله: (وَلَقَد آتَينا إِبراهيمَ رُشدَهُ مِن قَبلُ وَكُنّا بِهِ عالِمينَ ?51? إِذ قالَ لِأَبيهِ وَقَومِهِ ما هذِهِ التَّماثيلُ الَّتي أَنتُم لَها عاكِفونَ ?52? قالوا وَجَدنا آباءَنا لَها عابِدينَ ?53? قالَ لَقَد كُنتُم أَنتُم وَآباؤُكُم في ضَلالٍ مُبينٍ ?54? قالوا أَجِئتَنا بِالحَقِّ أَم أَنتَ مِنَ اللّاعِبينَ ?55? قالَ بَل رَبُّكُم رَبُّ السَّماواتِ وَالأَرضِ الَّذي فَطَرَهُنَّ وَأَنا عَلى ذلِكُم مِنَ الشّاهِدينَ ?56? وَتَاللَّهِ لَأَكيدَنَّ أَصنامَكُم بَعدَ أَن تُوَلّوا مُدبِرينَ ?57? فَجَعَلَهُم جُذاذًا إِلّا كَبيرًا لَهُم لَعَلَّهُم إِلَيهِ يَرجِعونَ ?58? قالوا مَن فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمينَ ?59? قالوا سَمِعنا فَتًى يَذكُرُهُم يُقالُ لَهُ إِبراهيمُ ?60? قالوا فَأتوا بِهِ عَلى أَعيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُم يَشهَدونَ ?61? قالوا أَأَنتَ فَعَلتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبراهيمُ ?62? قالَ بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هذا فَاسأَلوهُم إِن كانوا يَنطِقونَ ?63? فَرَجَعوا إِلى أَنفُسِهِم فَقالوا إِنَّكُم أَنتُمُ الظّالِمونَ ?64? ثُمَّ نُكِسوا عَلى رُءوسِهِم لَقَد عَلِمتَ ما هؤُلاءِ يَنطِقونَ ?65? قالَ أَفَتَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَنفَعُكُم شَيئًا وَلا يَضُرُّكُم ?66? أُفٍّ لَكُم وَلِما تَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ أَفَلا تَعقِلونَ ?67? قالوا حَرِّقوهُ وَانصُروا آلِهَتَكُم إِن كُنتُم فاعِلينَ ?68? قُلنا يا نارُ كوني بَردًا وَسَلامًا عَلى إِبراهيمَ ?69? وَأَرادوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلناهُمُ الأَخسَرينَ ?70? وَنَجَّيناهُ وَلوطًا إِلَى الأَرضِ الَّتي بارَكنا فيها لِلعالَمينَ) [الأنبياء: 51 - 71] .
فقد جاءوه يرعدون ويزبدون، ويهددون ويتوعدون؛ فقابلهم بكل ثبات، وسخر منهم في موطن لا يسخر فيه من عدوه إلا العظماء، وذلك أنهم سألوه لا على سبيل الاستجواب، وإنما من باب إثارة الذعر والإرهاب؛ فقابلهم بثبات الواثق من نصر الله سبحانه وتعالى له عليهم، وأحال التهمة لكبير آلهتهم، ودعاهم -استهزاءً بهم- لسؤال صنمهم؛ علهم يجدون عنده ما يهدأ به روعهم، ويذهب بعلمه غيظهم؛ فأخزاهم الله عز وجل، ورد كيدهم في نحرهم، ورفع مكانة إبراهيم عليه السلام، وحط قدرهم، ونجاه من كيدهم، هو ومن آمن به، وأبدلهم أرضًا خيرًا من أرضهم، ونزلًا خيرًا من نزلهم، ومكانة ورفعة خيرًا من نسبهم؛ فجعل منهم الأنبياء صلوات وسلام عليهم من ربهم.
4.إجابة دعواته:
إبراهيم عليه السلام مستجاب الدعوة وسوف نذكر نموذجًا واحدًا منه.
يقول الله تبارك وتعالى: (وَإِذ قالَ إِبراهيمُ رَبِّ اجعَل هذَا البَلَدَ آمِنًا وَاجنُبني وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنامَ?35? رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضلَلنَ كَثيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَني فَإِنَّهُ مِنّي وَمَن عَصاني فَإِنَّكَ غَفورٌ رَحيمٌ ?36? رَبَّنا إِنّي أَسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتي بِوادٍ غَيرِ ذي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقيمُوا الصَّلاةَ فَاجعَل أَفئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهوي إِلَيهِم وَارزُقهُم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُم يَشكُرونَ ?37? رَبَّنا إِنَّكَ تَعلَمُ ما نُخفي وَما نُعلِنُ وَما يَخفى عَلَى اللَّهِ مِن شَيءٍ فِي الأَرضِ وَلا فِي السَّماءِ ?38? الحَمدُ لِلَّهِ الَّذي وَهَبَ لي عَلَى الكِبَرِ إِسماعيلَ وَإِسحاقَ إِنَّ رَبّي لَسَميعُ الدُّعاءِ ?39? رَبِّ اجعَلني مُقيمَ الصَّلاةِ وَمِن ذُرِّيَّتي رَبَّنا وَتَقَبَّل دُعاءِ ?40? رَبَّنَا اغفِر لي وَلِوالِدَيَّ وَلِلمُؤمِنينَ يَومَ يَقومُ الحِسابُ) [إبراهيم: 35 - 41] .
ففي هذا المقطع من سورة إبراهيم يتبين من دعائه عليه السلام أهم ما يجب أن يحرص المسلم على سلامته مع توفيقه فيه، أولًا وآخرًا، ولنستعرض ما جاء من ذلك في دعائه عليه السلام:
وما كان إبراهيم عليه السلام وهو إمام الحنفاء؛ ليسأل ربه هذا السؤال مقدمًا حب الوطن على توحيد الله، فما سأله إلا وهو مؤمن بربه موحد له، فهو يعلم أنه لا أمن بلا إيمان، وهو صاحب المقولة التي جاءت عنه في كتاب الله.
قال الله تعالى: (وَكَيفَ أَخافُ ما أَشرَكتُم وَلا تَخافونَ أَنَّكُم أَشرَكتُم بِاللَّهِ ما لَم يُنَزِّل بِهِ عَلَيكُم سُلطانًا فَأَيُّ الفَريقَينِ أَحَقُّ بِالأَمنِ إِن كُنتُم تَعلَمونَ ?81? الَّذينَ آمَنوا وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بِظُلمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدونَ ?82? وَتِلكَ حُجَّتُنا آتَيناها إِبراهيمَ عَلى قَومِهِ نَرفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكيمٌ عَليمٌ) [الأنعام:81 - 83] .
فهو قد سأل الله هذا الدعاء بمقتضى إيمانه بالله، والقيام بما افترضه عليه.
وقد ورد ذكر دعاء له في سورة البقرة يوضح فيه إبراهيم عليه السلام ذلك، يقول الله عز وجل: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَ?ذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ?) [البقرة: 126] ؛ ليظهر ما تقرر في نفسه أن الذي يستحق هذا الأمن إنما هم الموحدون، إلا أن الله سبحانه وتعالى أعطى إبراهيم ما سأله إياه لمؤمنهم وكافرهم؛ لأنه أرحم بخلقه من إبراهيم- وليس أحد أوفى بعهده منه سبحانه وتعالى، فقد تكفل لهم بالأرزاق، فجاء قوله جل جلاله في تمام الآية: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى? عَذَابِ النَّارِ ? وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) .
ونعمة الإسلام هي النعمة العظمى التي تصبح بها كل هبة نعمة، وبدونها كل عطية نقمة، وإبراهيم عليه السلام يعلم أنه لا معصوم من الضلال إلا من عصمه الله، فعلى رفعة قدره، وعلو منزلته عند الله، إلا أنه لم يأمن على نفسه من الشرك، وهذا أمر لابد وأن يتنبه له كل مسلم، وعليه كان دعاء إبراهيم عليه السلام ووصيته هو ويعقوب عليهما السلام لبنيهما عند الموت.
قال تعالى: وَوَصَّى? بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى? لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ?132? أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـ?هَكَ وَإِلَـ?هَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـ?هًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة: 132 - 133] .
فالتوحيد هو أمان الأمة، وحصن الناس أفرادًا وجماعات من عقاب الله تبارك وتعالى، عن معاذ بن جبلٍ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟) ، قال: الله ورسوله أعلم، قال: (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حقهم عليه؟) ، قال: الله ورسوله أعلم، قال: (أن لا يعذبهم) 11.
وما يجب أن يحرص عليه المسلمون هو النجاة من عقاب الله في الدنيا والآخرة، وذلك بألا يلبسوا إيمانهم بظلم الشرك، أو أن يقدموا محبة أي شيء -مهما كان- على محبة الله، بل يلزمهم توحيده؛ ليتحقق لهم الأمن، والذي يعد المطلب الأساس والأهم لجميع المخلوقات، فكلها تسعى لتحقيقه، ولم ولن يتسنى لها ذلك إلا بالاستجابة إلى أمر الله، والسير بمقتضى النواميس التي وضعها الله لها، وهذا أمر قد أدركته الجمادات، ولم يدركه أكثر الناس الذين وهبهم الله العقل، لكنهم عطلوه وأهملوه.
يقول تبارك وتعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى? إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصلت: 11] .
يعلم إبراهيم أن رحمة الله لا حد لها، وأن عفوه عظيم، وعلى ذلك سأل ربه أن يرفع من درجة أتباعه؛ ليجمعهم به، وأن يغفر لمن عصاه ويهديه، وذلك أن الله أخبره أنه سيرزقهم في الدنيا؛ فطمع أن يشملهم برحمته في الآخرة، فقال عليه السلام: فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ? وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
ولكن الله أرحم بعباده من إبراهيم عليه السلام فهو لا يعذب إلا من تمرد عليه 12؛ فاستجاب الله جل جلاله له بقوله: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَ?ذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ? وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 68] .
بعد أن استجاب إبراهيم عليه السلام لأمر ربه، وذهب بهاجر وإسماعيل عليهما السلام إلى بلاد الحجاز، وهي غير مأهولة، وما كان ذلك إلا لأنه علم أن الله سبحانه وتعالى قد قدر لهم أن يحيوا هذا المكان الذي هو أشرف بقعة على وجه الأرض؛ فلم يرض عليه السلام أن تكون مهجورة، خالية من طاعة الله، وجعل هذا هو علة مجيئه بهم؛ فأشفق عليهم من الوحشة التي سيعانون منها، فغريزة الإنسان أن يعيش اجتماعيًا، غير معزول.
فقال كما أخبر المولى جل وعلا عنه: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) [إبراهيم:37] .
فالحال التي هم عليها في هذا المكان تستدعي الصبر، فهم مفارقون لراعيهم، وليس عندهم طعام ولا شراب ولا أنيس، فأراد من الله أن يجمع لهم بين عبادتي الشكر والصبر، وهو بذلك يحيل الأمر إلى عالمه، ويفوض الأمر إلى صاحبه، غير مفتئت على الله، مظهرًا لله إيمانه العميق بأن الله يعلم ما يدعوه فيه.
فيقول فيما يحكيه القرآن عنه: (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ? وَمَا يَخْفَى? عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [إبراهيم: 38] .
فهو يعلم حال أهل إبراهيم عليهم السلام حيث هم، ثم يقر معلنًا إثبات الحمد لربه على نعمه التي أسبغها عليه، ومن جملتها ما رزقه به من الذرية، (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ? إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) [إبراهيم: 39] .
اعترافًا بالفضل لربه، واستزادة من الكرم بحمده، وثناءً على الله بلطفه به، إذ إنه سمع دعاءه فأجاب.
وهي إجابة باقية إلى يومنا هذا، فإنك تجد كل مسلم، وهو يهوي قلبه إلى ذلك المكان، معمور بحب آل إبراهيم، وآل محمد عليهم الصلاة والسلام.
فضل الصلاة عظيم، وشأنها خطير، وهذا ما ظهر من دعاء إبراهيم ربه بأن يثبته وذريته عليها (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي) [إبراهيم: 41] .
وكذلك الدعاء الذي هو أقوى ما يتسلح به الإنسان، إن كان أهلًا لأن يجيب الله دعوته؛ لذلك جاء في دعائه في ختام الآية: (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ;) وليس هنالك ما هو أجدر بأن يحرص عليه المسلم من ثباته وذريته على دين الله جل وعلا.
ولا يزال على أمل وطمع فيما فيه كل الرجاء، ألا وهو رحمة الله تبارك وتعالى؛ فيدعو معولًا على ذلك بالمغفرة له ولوالديه، فلم ييأس من ذلك ما دام الله لم يعلمه بالمنع منه، فبقي على رجائه فيه، إلى أن ثبت له أن والديه من المبعدين عن رحمة الله تعالى وتقدس، وعلى ذلك جاء قوله: {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [إبراهيم:41] .
5.ثناء الناس عليه:
أوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين عامة أن يذكروا نبيه إبراهيم وآل بيته، عليهم الصلاة والسلام، في كل صلاة بما أكرمهم الله سبحانه وتعالى به من الصلاة عليهم والتسليم والتبريك 13.
كما جاء عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: قلنا: يا رسول الله، هذا السلام عليك، فكيف نصلي؟ قال: (قولوا: اللهم صل على محمدٍ عبدك ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم) 14.
وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى: {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الصافات: 108 - 109] .
وهو يثني عليه عند ورود ذكره في القرآن، والأمم التي جاءت بعده تشهد بفضله وتعترف بنبوته، وتنتسب إليه، حتى أنزل الله أن هذا شرف لا يناله إلا من اتبعه عليه السلام، ردًا على اليهود والنصارى الذين زعموا أنه على دينهم بقوله: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 65 - 68] .
وما كان ذلك إلا فضلًا من الله عليه؛ وذلك لما قام به من أمر الله، في ذلك البلاء العظيم الذي سيأتي الحديث عنه لاحقًا بإذن الله تعالى.
أولًا: صفاته وأخلاقه مع الله:
عند الحديث عن الصفات التي يتخلق بها الناس، والأخلاق التي يتحلون بها، تنصرف الأذهان إلى الصفات والأخلاق الكائنة بين الإنسان وبين الناس، ويغفلون عن صفات العبد وأخلاقه مع ربه وخالقه، والأصل في الإنسان أن ينظر إلى حسن خلقه مع الله جل جلاله أولًا وقبل كل شيء؛ لأن من حسن خلقه مع الله، قطعًا سيكون حسن الخلق مع عباد الله، أما من لم يكن حسن الخلق مع الله؛ فالغالب عليه أن يكون سيء الخلق مع مخلوقات الله.
إذ إن الإنسان بطبعه ظلوم جهول، يميل إلى الطغيان بسبب ظلمه، ولا يعرف حدوده وحقوقه بسبب جهله، وهو إن لم يكن منضبطًا بضوابط الإيمان، ولم يظهر منه الظلم، وتعدي الحدود والاعتداء على الحقوق؛ فذلك غالبًا ما يكون لعجزه، وفي المجمل، فمن كان متصفًا بالفسق، أو الكفر، أو واقعًا في أعظم الظلم؛ فإنه -وإن تحلى بكل مكارم الأخلاق فيما بينه وبين الناس- يبقى سيء الخلق.