فكانت صفة الاستكبار ماثلة في بني إسرائيل وفي فرعون وجنوده. والأمر ذاته نجده ماثلا في أبي جهل، الذي نزل فيه قول الله تعالى: (فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَ?هَهُ هَوَاهُ) [الجاثية: 23] .
وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدث في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل: والله إني لأعلم أنه لصادق! فقال له: مه! وما دلك على ذلك؟ قال: يا أبا عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين؛ فلما تم عقله وكمل رشده، نسميه الكاذب الخائن!! والله إني لأعلم أنه لصادق! قال: فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به! قال: تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدًا. فنزلت (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ) 27.
فأبو جهل أيقن أن محمدًا صلى الله عليه وسلم على الحق، إلا أنه كذبه اتباعًا لهواه، وصدًا عن سبيل الله تعالى كبرياء من نفسه، وبقي بهذا مقلدًا لدين آبائه. واليوم نرى هذا الأمر ماثلًا في كثير من أهل الكبرياء استنكافًا عن الحق، واتباعًا لما سبق.
علم الله تعالى الإنسان مالم يعلم، والأصل في الإنسان أن يشكر الله تعالى على هذه النعمة بأن يؤدي حق الله فيها، إلا أن هناك ممن تعلم حتى إذا صار عالمًا اتبع هواه، فعندها قال أو عمل خلاف ما يعلم.
ولقد ذكر الله تعالى هذا الصنف في كتابه العزيز فقال: وَاتلُ عَلَيهِم نَبَأَ الَّذي آتَيناهُ آياتِنا فَانسَلَخَ مِنها فَأَتبَعَهُ الشَّيطانُ فَكانَ مِنَ الغاوينَ ?175? وَلَو شِئنا لَرَفَعناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخلَدَ إِلَى الأَرضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلبِ إِن تَحمِل عَلَيهِ يَلهَث أَو تَترُكهُ يَلهَث ذلِكَ مَثَلُ القَومِ الَّذينَ كَذَّبوا بِآياتِنا فَاقصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ) [الأعراف: 175 - 176] .
وهذه الآية كانت في يهودي آتاه الله علمًا، فذهب إلى من أغدق عليه العطاء فتبعه وترك دين موسى عليه السلام 28.
وعلماء السلاطين موجودون في كل حين، تتعاقب وتتشابه فعالهم في إرضاء سلاطينهم تبعًا لأهوائهم.
يقول سيد قطب: «وكم من عالم دين رأيناه يعلم حقيقة دين الله، ثم يزيغ عنها، ويعلن غيرها، ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة، والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل! يحاول أن يثبت بها هذا السلطان المعتدي على سلطان الله وحرماته في الأرض جميعًا» 29.
والآية تبين أن هذا الصنف من العلماء: (أَخلَدَ إِلَى الأَرضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ) أي: اطمأن إليها وسكن حيث ملذاته وشهواته واتبع الهوى في حبها، والأصل أن يرفعه علمه إذا عمل به، إلا أنه آثر الحياة الدنيا، فنزل من العلو إلى السفل، واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، وكان من الذين قال الله فيهم: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ) [النساء: 44] .
وابتلي بعض علماء أمة الإسلام بمثل ذلك، فباعوا آيات الله تعالى بمنصب رخيص، ورضى حاكم جائر، تثبيتًا لعرشه، واتباعًا للهوى، فبئس ما يشترون. وهذا الصنف من العلماء أخطر على الأمة من ملأ الحاكم الجائر وجنده؛ لأن الحاكم الظالم يستند في شريعة أفعاله إليهم، ويعد نفسه على الحق؛ وبهذا يزداد السلطان عتوًا وإفسادًا.
يقول تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى? وَلْيَدْعُ رَبَّهُ ? إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر: 26] .
ففرعون ينظر إلى موسى على أنه المفسد ويرى نفسه مصلحًا، فأصبح المعتدي على الألوهية الحقة -طمعًا في إبقاء ألوهيته الزائفة المتبعة للهوى- هو الحق، ومن أراد إرشاد العباد لخالقهم هو المفسد! بل وعد نفسه أنه الهادي قومه إلى الرشاد، الآتي لهم بشرع رشيد.
قال الله سبحانه عنه: (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى? وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [غافر: 29] .
وتكرر الأمر من قوم لوط، حينما نظروا إلى من ترفع عن الفاحشة وتنزه عنها، بأنه لا يستحق مجاورة ولا مساكنة، فهم الجديرون للأرض والوطن، وغيرهم ممن لا يفعل فعلهم ليس له إلا الطرد والنفي!
فقال سبحانه عنهم: (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ? إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) [النمل: 56] .
كذلك نجده هذا الأمر من أهل مكة الذين شاركوا فرعون وقوم لوط في قلب الحقائق تلبية لرغباتهم وشهواتهم، حينما حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم لأنه عاب آلهتهم، وسفه أحلامهم، واتهموه بالسحر والكذب والكهانة، وأنه أفسد بين الولد ووالده، وفرق بين المرء وزوجه، فلا بد من سجنه أو قتله أو طرده، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ? وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ? وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30] .
وتتوالى السنون والأيام، وتمشي معها الحالة المكرورة من قلب للحقيقة، فيصبح: الأمين خائنًا، والخائن أمينًا، والمصلح مفسدًا، والمفسد مصلحًا، والمجاهد إرهابيًا لا يستحق الحياة، ولا بد من محاصرته ومطاردته ونفيه من الأرض. فتصنف الناس حسب الأهواء والأمزجة. تشابهت القلوب، فحاكت الأفعال بعضها بعضًا.
ثالثًا: الخوف والاستضعاف:
خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه بالعقل والإرادة. وحينما يتنازل عن هذا التكريم الإلهي، فإنه يصبح موبوءًا بوباء التبعية، ويسلم قياد نفسه لغيره، ويعطل عقله، ويسيطر الخوف والضعف عليه. ومن هنا نجده يمتثل أمر سيده، ويجتنب نهيه، تاركًا كتاب ربه وراءه ظهريًا، ومعرضًا عن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، حجته في ذلك: (نخشى أن تصيبنا دائرة) ، أو (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ) .
ومن خلال ذلك سيكون تحت هذا المطلب أمران هما:
يعرف الخوف بأنه «توقع حلول مكروه، أو فوات محبوب» 30.
والخوف جبلي-وهو ماكان مفطورًا عليه المرء- لا مؤاخذة فيه، وأما النفعي، فهو الذي يجلبه المرء لنفسه نتيجة ضعفها. والخوف النفعي قد يكون خوفًا من قوة متوقعة، وخوفًا على المال أو المنصب. وهذا كان سببًا في تقليد الكافرين ومتابعتهم، والإعراض عن سبيل المؤمنين.
يقول الله عز وجل: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى? أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ) [المائدة: 52] .
نزلت هذه الآية في المنافقين - وعلى رأسهم ابن سلول - الذين والوا اليهود 31، وعملوا بأعمالهم مقلدين إياهم في الصد عن دين الله. ويحملهم على ذلك؛ خوفهم أن يهزم المسلمون، فتكون لهم يد عند من يوالونهم، يحفظون بها أنفسهم «ولكن حجة ابن سلول، هي حجة كل ابن سلول على مدار الزمان؛ وتصوره هو تصور كل منافق مريض القلب لا يدرك حقيقة الإيمان» 32.
وتتكرر صورة ابن سلول وأعوانه اليوم في خشيتهم من اليهود، ومسارعتهم في المحافظة على كيانهم وأمنهم، قائلين: نَخْشَى? أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌفالمسارعة في خدمة يهود، والبحث عن رضاهم، ديدن المنافقين في هذه الأمة قديمًا وحديثًا، محتسبين أن كل صيحة عليهم.
وتعدية المسارعة بكلمة (في) وليس بكلمة إلى كما في قوله الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ) [آل عمران: 133] .
دليل على أنهم غارقون في التقليد والتبعية، وهذا ينم عن نفسية مريضة، فهم يهرعون في نصرة العدو ونقل أخبار المسلمين إليه. وفي هذا دليل على عميق مرض أنفسهم، وعدم ثقتهم بوعد الله بالنصر. فلما كانت النفس بهذا السوء والهزيمة؛ سهل انقيادها لليهود والنصارى وأشياعهم، وعملت -وهي راضية- ما تطلبه يهود في مطاردة الإسلام وأهله، ونشر الفساد والإلحاد، وحمايته بالأموال والأنفس؛ فالأمر ماثل للعيان في هذا الزمان مشابهة لابن سلول. وحيثما وجدت نفس بهذا المرض، كانت مقلدة ذائبة في غيرها. وهذا في كل زمان.
والمخاطب بالرؤية معروف وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من يصلح للخطاب من أمته. والفعل (ترى) مضارع يدل على الاستمرارية، وهذا يعني أن المسألة تتكرر في كل زمان، ولم يكن الحديث مع غائب، ولعل ذلك -والله أعلم- من باب أهمية المؤمن المخاطب، وحظه عند الله تعالى، وتحذيره من أن يصيبه ما أصاب المسارعين فيهم.
وكما أن الخوف من الدائرة، سبب تقليد، كان الخوف على المصالح المادية أيضًا، فقال الله سبحانه: (ن نَّتَّبِعِ الْهُدَى? مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا) [القصص: 57] . وهذا كان من أهل مكة للرسول صلى الله عليه وسلم، رغم أن الله جعل لهم حرمًا آمنًا يجبى إليه ثمرات كل شيء. وشابه ذلك أهل زماننا، فكم من دولة عربية وإسلامية تتبع أوروبا وأمريكا، خوفًا على مصالحها الاقتصادية، أو حبًا في تخفيف الديون المتراكمة عليها، أو خوفًا من ضربة عسكرية، رغم ما أنعم الله عليهم ما لم ينعم به على غيرهم من طاقات بشرية وإمكانات اقتصادية.
ولئن كان الخوف من التخطف -إن اتبع الدين- هو شأن علية القوم، فقد وجدنا العامة من الناس، تلوك ألسنتهم الفكرة نفسها، فلكم تشنفت الآذان من ثقافة المجتمع المستضعف الخائف من البغي السلطاني، أو عدم الحصول على وظيفة، إن عمل لدينه حق العمل بشموله، أو جاهد نصرة له، محاربًا الظلم وأهله، ذابًا عن شرع الله تعالى، ومطالبًا بتحكيمه كاملًا غير منقوص. فسبحانك ربي، (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) [البقرة: 118] .
فالحالة ذاتها على مر الأجيال.
ولئن سألتهم عن قناعتهم بهذه الفعال لقالوا: لسنا على قناعة بذلك ولكنها الوظيفة!! سبحان الله العظيم تشابهت القلوب مع قلوب قريش، (إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى?) فاعترف الفريقان بأن ما يدعو إليه النبي صلى الله عليه وسلم والدعاة في كل زمان هو الهدى، لكنهم أعرضوا عن اتباعه، وبقوا على دين كبرائهم خوفًا، فحالهم كحال فرعون وجنده: (جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ?) [النمل: 14] .
ولقد برر القوم عدم تبعيتهم لشرع الله بكلمة (?) الدالة على الأخذ بسرعة 33. دلالة على شدة الهلع والخوف من الناس، كما قال الله تعالى: (إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ ?69?فَهُمْ عَلَى? آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ) [الصافات: 69 - 70] .
والإهراع: «إسراع فيه شبه بالرعدة» .34 فالإسراع الشديد في التقليد والتبعية ثمرة الخوف الشديد. وهذه الحالة النفسية التي يصفها القرآن العظيم للمقلدين، تدل على ذوبان شخصية صاحبها في المتبوعين، وخوفها منهم.
وصف الله سبحانه وتعالى حالة الضعف كحالة تعتري النفس البشرية، تؤدي إلى الانقياد والتبعية للآخر المستكبر، فقال: (فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) [إبراهيم: 21] .
والضعفاء هم الذين تنازلوا عن كرامتهم وحريتهم الشخصية في التفكير والاعتقاد، وجعلوا أنفسهم تبعًا للمستكبرين الطغاة. والقوة المادية -مهما كانت- لا تملك إلا تعذيب الجسد، أما العقل والروح فلا يملك أحد حبسها إلا إذا أسلمها صاحبها للحبس والإذلال، فحينما ضعفت الأرواح والعقول سقطت همتهم، واتبعوا المستكبرين 35.
والضعاف هم الذين فقدوا صناعة القرار الذاتي، فأصبحوا مصنوعين لا صانعين، مقودين لا قادة. وهم الذين ذابت شخصياتهم فذاب قرارها الخاص بها في غيرها، ومن هان على نفسه، هان على الناس. فالضعفاء يقولون للمستكبرين: (إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا) ، «أي: مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا» 36، بل هم سادة في التطبيق والامتثال من فرط ضعفهم وذلهم وعبوديتهم، فهم: «لشدة تبعيتهم كأنهم عين التبعية» 37.
لقد قلد الضعفاء الكبراء في أنواع الضلالات المختلفة، فلما كذب المستكبرون الأنبياء، كذلك كان الضعفاء، ولما كان المستكبرون معذبين للرسل عليهم السلام كان الضعفاء جلادين لديهم، منقادين للأمر دون تفكير.
والله تعالى لم يقبل عذر المستضعف، إذا كان قادرًا على الانتفاضة على ضعفه وذله، تاركًا تبعية كبيره، بل وحتى تكثير سواده -إذا لم يكن في الانتفاضة منكر أكبر من منكر الضعف والذلة-. يقول المولى عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ? قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ? قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ? فَأُولَ?ئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ? وَسَاءَتْ مَصِيرًا) [النساء: 97] .
ولقد عبر القرآن الكريم عن المستضعفين بصيغة الفعل المبني للمجهول (استضعفوا) ، لهوانهم على الله كما في قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا) [سبأ: 33] .
وفي التعبير بصيغة المبني للمجهول دلالة على شدة مهانتهم لأنفسهم وعدم تقديرهم لكرامتها، فأذلوها مقلدين الذين استكبروا. وفي المقابل كان التعبير عن المستكبرين بصيغة المبني للمعلوم، لإظهار تفننهم في قيادة المستضعفين بالليل والنهار. فهم وجدوا قطيعًا ينفذ، فلماذا لا يأمرون؟! ووجدوا ضعفًا سهل انقياده، فلماذا لا يتكبرون! والكبر شعارهم، «والسين والتاء للمبالغة في الكبر» 38. وذلك أن المتكبر سعى في طلب الكبر.
ويبين يوسف العظم أن أعمق معاني الهزيمة تلك التي تنبع من داخل الإنسان، ولا يشعر بها، لأنه مخدر الذهن يحيا أجواء الغرور، ولا يفسح لغيره حوارًا 39.
وهذا ماثل تمامًا في حاضر أمة الإسلام اليوم، فقد انهزمت من داخلها، ولم تعد تعرف سر قوتها، وسر ضعف غيرها، فانبهرت بحضارة غيرها واتبعتها.
وقريب من هذا -الهزيمة النفسية التي كانت سببًا في التقليد- قول الله تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ? وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ? فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ? مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ ? إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ? [إبراهيم: 22] .
فبمجرد دعاء الشيطان استجابوا، وهذا دليل الخواء الروحي، والضعف العقلي، والفراغ الذاتي، أن لبوا نداء الشيطان في الضلال والإغواء، بمجرد الدعوة، كما هو شأن كل متبعي الشيطان في كل زمان.
والمغلوب مولع دائمًا بالاقتداء بمن غلبه، لاعتقاد الكمال في الغالب، فتجده يتشبه بالغالب في زيه ومركبه وسلاحه.40
والمتأمل في المجموعات الإنسانية، يرى أن نسبةً عظمى منها تضعف إرادتها وتنحني أمام إرادة ذوي السلطة السياسية أو الاجتماعية أو الروحية، وحينها تتعطل ملكاتهم فيكونوا إمعة. ويستغل القادة صفة الطاعة العمياء هذه لبث أفكارهم وعقائدهم التي فيها تمكين نفوذهم، وتسخيرهم لتحقيق ما تشتهي أنفسهم الآثمة من سلطان أو مال.41
رابعًا: تعظيم الأنبياء والأولياء:
يخرج في كل أمة أشخاص بارزون لهم بصمات في تاريخها، فمنهم من يبرز في ميدان العبادة، ومنهم من يبرز في ميدان المعارك، ومنهم من يبرز في ميدان العلم، ومنهم من يبرز في ميدان القيادة. وهذه الفئة من كل أمة يكون لها وزنها في أنفس الجماهير. ولما كان قول أهل النباهة له مكانة في الأنفس، فإن العامة تقول بقولهم، وتعمل عملهم. يقول القرطبي: «وأقوال النبهاء أبدًا مشهورة في الناس يحتج بها، فمن هنا صح أن تقول الجماعة قول نبيهها» 42.
فالنبيه تتبعه العامة، ويقلدونه في القول والعمل. ويكون الناس معهم أصناف ثلاثة:
الصنف الأول: الغالي فيهم، المعظم لهم لدرجة العبادة.
الصنف الثاني: الجافي عنهم، إما جاهلًا بهم، أو حاسدًا لهم.
الصنف الثالث: الوسط بين الصنفين السابقين، ويتعامل مع هذه الفئة البارزة دون إفراط ولا تفريط.
وهذا المطلب سيدور حول الصنف الأول دون الثاني الذي لا يكون فيه تقليد، بسبب جهلهم الذي لا يدفعه إلى التقليد، أو حسده الذي يسبب معاداتهم والتي تمنع التقليد من الناس، وذلك في أمرين:
1.المبالغة في تعظيم الأنبياء عليهم السلام.
لقد بين الله تعالى أن اليهود زعموا أن عزيرًا ابن الله، وكذلك بالنسبة للنصارى في عيسى عليه السلام، فقال سبحانه عنهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ? يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ?) [التوبة: 30] .
فعزير، مختلف فيه أنبي هو أم عالم من علماء بني اسرائيل؟ وأيًا كان الأمر، فالذي يهم هنا أنه قدس، بزعمهم أنه ابن الله زورًا وكذبًا.
يقول محمد سيد الطنطاوي: «وقد قدسه اليهود من أجل نشره لكثير من علوم الشريعة، وأطلقوا عليه لقب (ابن الله) » 43.
فعزير عظم عند اليهود، لما له من شأن في حفظ التوراة، في الوقت العصيب الذي ذهبت منهم هذه التوراة.
أما بالنسبة لعيسى عليه السلام، فقد أخبر الله تعالى عن فرية النصارى حين قالوا عنه بأنه ابن الله، وذلك لأنهم رأوا على يديه من المعجزات التي لا تصدر إلا عن إله، أو لأنه ولد لغير أب. فمن هنا، كان تعظيمهم له.
ولقد غالت النصارى في المسيح عليه السلام، وأطروه إطراءً تجاوزوا به الحد، فقال الله سبحانه وتعالى ناهيًا إياهم عن الغلو فيه: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ? إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى? مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ? فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ? وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ? انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ? إِنَّمَا اللَّهُ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ?) [النساء: 171] .
والآية تنهى عن رفع عيسى عليه السلام من مقام النبوة إلى مقام الألوهية، فسلفهم ضل في هذه الفرية وأضل من بعده.
وبين الله تعالى كفر النصارى في عقيدة التأليه والتثليث لعيسى عليه السلام فقال سبحانه: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ? وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ? إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ?72?لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ? وَمَا مِنْ إِلَ?هٍ إِلَّا إِلَ?هٌ وَاحِدٌ) [المائدة: 72 - 73] .
فهاتان الآيتان تظهران كفر من اعتقد هذه العقيدة. وفيهما تحذير لأهل مكة التي ضاهى مشركوها اليهود والنصارى، حين خرقوا لله بنين وبنات بغير علم، وجعلوا الملائكة -الذين هم عباد الرحمن- بنات الله، وكذلك فيهما تحذير للمسلمين من أن يغلو في نبيهم صلى الله عليه وسلم، مشابهة لليهود والنصارى في العزير وعيسى، والذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا حينما قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله) 44.
ومع هذا التحذير والإرشاد، إلا أنه وجد في الأمة من أعطى النبي صلى الله عليه وسلم بعض صفات الألوهية، كالتضرع إليه في قضاء الحاجات وتفريج الكربات ومغفرة الذنوب 45.
فمن أهل التصوف من أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس له وما هو بريء منه، فاعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الله المستوي على العرش، وأن السماوات والأرض والعرش والكرسي وكل الكائنات خلقت من نوره وإنه أول موجود؛ وهذه عقيدة ابن عربي 46.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا رضي الله عنه حينما أراد السجود له، تقليدًا لنصارى الشام في السجود لأساقفتهم، وبين أن هذا لا ينبغي إلا لله وحده 47.
بشر الله تعالى أولياءه الصالحين بألا يخافوا ولا يحزنوا فقال: (أَلا إِنَّ أَولِياءَ اللَّهِ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ ?62?الَّذينَ آمَنوا وَكانوا يَتَّقونَ) [يونس: 62 - 63] .
و «أولياء الله هم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة» 48، وهم الأقرب إلى الله تعالى، والأكثر طاعة له، وخشية منه. والأولياء الصالحون وجدوا عبر التاريخ، فهم يتبعون الأنبياء والرسل عليهم السلام، وكانوا من الطاعة والعبادة لله ما ميزهم عن غيرهم، فأخذت الدهماء تنظر إليهم نظرة تقدير وإجلال وإكبار، فمنهم من ظن فيهم الشفاعة عند الله تعالى، ومنهم من أوصلهم إلى مرتبة الألوهية، فتوجهوا إليهم من أجل قضاء الحاجات، وتلبية الرغبات.
والناظر إلى آيات القرآن الكريم يجد ما يدل على ذلك. فقوم نوح قال الله تعالى في حقهم: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) [نوح: 23] .
هؤلاء رجال صالحون كان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا جعل أتباعهم لهم صورًا ليتذكروهم، فينشطوا في العبادة والطاعة كلما رأوها. واستمر الحال حتى نسخ العلم وانتشر الجهل، وزين لهم الشيطان، أن هؤلاء الرجال الصالحين كان يستمطر ويستنصر بهم، فزاد تعظيمهم في الأنفس حتى وصلوا إلى عبادتهم.
وظاهرة تقديس الصالحين عادة سرت إلى أمة الإسلام ممن قبلنا وموجودة حتى يومنا هذا، فزمن ابن تيمية يقول عنهم: «وهؤلاء الذين يحجون إلى القبور يقصدون ما يقصده المشركون الذين يقصدون بعبادة المخلوق، ما يقصده العابدون لله منهم من قصده قضاء حاجته وإجابة سؤاله يقول هؤلاء أقرب إلى الله مني فأنا أتوسل بهم وهم يتوسطون لي في قضاء حاجتي ... ومنهم من يجعل لصاحب القبر نصيبًا من ماله أو بعض ماله، أو يجعل ولده له كما كان المشركون يفعلون بآلهتهم، ومنهم من يسيب لهم السوائب، فلا يذبح ولا يركب، وما يسيب لهم من بقر وغيرها كما كان المشركون يسيبون لطواغيتهم» 49. والناظر اليوم لعباد القبور، يرى الأعاجيب من سجود لأصحاب المقامات، واستشفاء بهم، وطلب رزق منهم، وغير ذلك مما لا ينبغي إلا لله وحده سبحانه.
وها هم قوم إبراهيم عليه السلام يعكفون على أصنام لهم، تعظيمًا لها، وتقليدًا لآبائهم. فقد دار الحوار بين إبراهيم عليه السلام وبين قومه كما أخبرنا الله سبحانه عنهم في سورة الشعراء.
فإبراهيم عليه السلام يسأل قومه عن معبوداتهم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ) ، فيجيبون بأنها أصنام يظلون لها عاكفون: (قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ) فأخبرهم بصيغة السؤال الاستنكاري أنها لا تضر ولا تنفع (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ) . فكان ردهم الذي يكشف خبايا أنفسهم في التقليد: (قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72) أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ). وكلمة (ےبل) تظهر إضرابهم عن كلام إبراهيم عليه السلام، وعدم سماعهم له؛ لأن قضية تقليد الآباء أهم وأعظم عندهم. وهذا ينم عن تصميم، وقوة إرادة في أنفسهم لمسألة التقليد. فقوله: (كذالك يفعلون) فيه دلالة واضحة على تقليدهم آباءهم في الفعل، فالكاف للتشبيه. فهم يفعلون كما فعل آباؤهم، ومن تعظيمهم لهذه الأصنام أنهم ظلوا لها عاكفين.
وعاكفون من «عكف على الشيء يعكف ويعكف عكفًا عكوفًا: أقبل عليه مواظبًا لا يصرف عنه وجهه ... لزم المكان 50، فالعكوف من ملازمة الشيء.