في هذه الآية ينهي الله المؤمنين من موالاة اليهود، هؤلاء القوم الذين غضب الله عليهم، قد يئسوا من ثواب الله في الآخرة، وأن يبعثوا، كما يئس الكفار الأحياء من أمواتهم الذين هم في القبور أن يرجعوا إليهم، فمثل يأس الكافر من ثواب الله في الآخرة كمثل يأس الكافر الحي من عودة الميت من قبره، وقال آخرون: بل معنى ذلك: قد يئسوا من الآخرة أن يرحمهم الله فيها، ويغفر لهم، كما يئس الكفار الذين هم أصحاب قبور قد ماتوا وصاروا إلى القبور من رحمة الله وعفوه عنهم في الآخرة؛ لأنهم قد أيقنوا بعذاب الله لهم.
وقد رجح الطبري قول من قال: قد يئس هؤلاء الذين غضب الله عليهم من اليهود من ثواب الله لهم في الآخرة وكرامته؛ لكفرهم وتكذيبهم رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم على علم منهم بأنه لله نبي، كما يئس الكفار منهم الذين مضوا قبلهم فهلكوا، فصاروا أصحاب القبور، وعلل ترجيحه لهذا القول بأنه أولى القولين بتأويل الآية؛ لأن الأموات قد يئسوا من رجوعهم إلى الدنيا، أو أن يبعثوا قبل قيام الساعة -المؤمنون والكفار- فلا وجه لأن يخص بذلك الخبر عن الكفار، وقد شركهم في الإياس من ذلك المؤمنون 79.
لقد ضرب الله مثل يأس هؤلاء الكفار من الآخرة ومن ثواب الله فيها، حتى أصبحوا لا يوقنون بالبعث بسبب كفرهم وعنادهم، فانقطع رجاؤهم ويئسوا من نعيم الآخرة كمثل يأس الكفار من بعث موتاهم المقبورين أو من رحمة الله بهم لتيقنهم بعذاب الله لهم 80.
وقد ذكر الطاهر ابن عاشور صور التشبيه المحتملة من التعبير القرآني في الآية فقال: إذا كان اليهود لا ينكرون الآخرة كان معنى يأسهم من الآخرة محتملًا أن يراد به الإعراض عن العمل للآخرة، وتشبيه إعراضهم هذا بيأس الكفار من أصحاب القبور وجهه شدة الإعراض وعدم التفكر في الأمر، فشبه إعراضهم عن العمل لنفع الآخرة بيأس الكفار من حياة الموتى والبعث وفيه تشنيع المشبه، ومن أصحاب القبور على هذا الوجه متعلق بيئسوا.
ويجوز أن يكون من أصحاب القبور بيانًا للكفار، أي: الكفار الذين هلكوا ورأوا أن لا حظ لهم في خير الآخرة، فشبه إعراض اليهود عن الآخرة بيأس الكفار من نعيم الآخرة، ووجه الشبه تحقق عدم الانتفاع بالآخرة، والمعنى كيأس الكفار الأموات، والمشبه به معلوم للمسلمين بالاعتقاد، فالكلام من تشبيه المحسوس بالمعقول، وفي استعارة اليأس للإعراض ضرب من المشاكلة أيضًا.
ويحتمل أن يكون يأسهم من الآخرة أطلق على حرمانهم من نعيم الحياة الآخرة، وذكر أن من المفسرين الأولين من جعل يأسهم من الآخرة هو إنكارهم البعث، وجعل تشبيه يأسهم من الآخرة بيأس الكفار من أصحاب القبور أن يأس الكفار الأحياء كيأس الأموات من الكفار، أي: كيأس أسلافهم الذين هم في القبور إذ كانوا في مدة حياتهم آيسين من الآخرة فتكون {مِنَ} بيانيةً صفةً للكفار، وليست متعلقة بفعل يئس فليس في لفظ الكفار إظهار في مقام الإضمار وإلا لزم أن يشبه الشيء بنفسه كما قد توهم 81.
وعلى جميع الأقوال وأيًا كان وجه التشبيه، فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن موالاة قوم غضب الله عليهم، بأبلغ أسلوب، وأحكم بيان، وهو ضرب المثل، حيث وصفت هؤلاء القوم بأنهم قد أحاط بهم غضب الله؛ بسبب فسوقهم عن أمره، وإعراضهم عن طاعته، وإنكارهم للدار الآخرة وما فيها من جزاء.
إن خروج الموتى للحساب والجزاء يكون من القبر، فبدء الحياة الآخرة للإنسان تكون بانتهاء حياة البرزخ، وقد جاءت الآيات القرآنية تتحدث عن البعث من القبور إلى دار الحساب والجزاء، وذلك في سياق إثبات البعث، والحديث عن أهوال القيامة.
قال تعالى: {وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [الحج:7] .
يؤكد سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة أن القيامة التي وعد أن يبعث فيها الموتى من قبورهم آتية لا محالة، فالله سيبعث من في القبور من الأموات أحياء إلى موقف الحساب ولا شك في ذلك ولا مراء 82.
فالله سبحانه الذي أوجد الإنسان والنبات والمخلوقات بأطوار مختلفة قادر على إعادة إحياء الموتى بعد موتهم وبعثهم وإخراجهم من القبور للحساب، فهو سبحانه الذي بدأ الخلق وهو يعيده، إنه على كل شيء قدير، «فلما أقام سبحانه وتعالى الدلائل على أن الإعادة في نفسها ممكنة، وأنه سبحانه وتعالى قادر على كل الممكنات وجب القطع بكونه قادرًا على الإعادة وإذا ثبت الإمكان والصادق أخبر عن وقوعه، فلا بد من القطع بوقوعه» 83.
فإذا تأملنا في خلق الحيوان والنبات أمكننا أن نستدل بذلك على وجود الخالق وقدرته على إحياء الموتى، وعلى غيرها من الممكنات، وأن الساعة آتية لا شك فيها، وأنه يبعث من في القبور للحساب والجزاء، ولولا ذلك ما أوجد هذا العالم؛ لأن أفعاله سبحانه وتعالى مبنية على الحكم الباهرة، والغايات السامية 84.
وقد جاءت الآيات تتحدث عن خروج أهل القبور في سياق الحديث عن أهوال يوم القيامة، ففي سورة الانفطار تصور الآيات مشهد الاضطراب والزلزال الذي يصيب الكون، فالسماء تنفطر وتنشق، والكواكب تنتثر، والبحار تنفجر، والقبور تتبعثر، قال تعالى: {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ} [الانفطار:4] .
فالقبور يصير باطنها ظاهرها، والتراب الذي كان فيها يبعثر ويزال، ويخرج الموتى منها مسرعين للحساب والجزاء، «وبعثرة القبور إما أن تكون بسبب من هذه الأحداث السابقة، وإما أن تكون حادثا بذاته يقع في ذلك اليوم الطويل، الكثير المشاهد والأحداث، فتخرج منها الأجساد التي أعاد الله إنشاءها- كما أنشأها أول مرة- لتتلقى حسابها وجزاءها» 85.
وفي سياق الوعيد لمن أنكر البعث، وللكافر الذي لا يعمل للآخرة، وأنكر نعم الله عليه، قال تعالى: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} [العاديات:9] .
أي: ألا يعلم هذا الإنسان أن القبور ستبعثر، وأن الموتى سيخرجون منها لملاقاة الله، وللحساب والجزاء، وأن الله أعد ثوابًا وجنةً للمؤمن، وعقابًا ونارًا للكافر، أفلا يعتبر ويعد العدة ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويملأ صحيفته بالعبادة، ففي الآية «تهديدٌ ووعيدٌ، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام، أي: أيفعل ما يفعل من القبائح؟ أو ألا يلاحظ فلا يعلم حاله إذا بعث من في القبور من الموتى؟!» 86.
«فالمعنى: لو علم الإنسان الكافر ما له في ذلك اليوم لزهد في الكفر، وبادر إلى الإسلام» 87.
إن الإنسان بغير إيمان حقير صغير، حقير المطامع، صغير الاهتمامات، ومهما كبرت أطماعه، واشتد طموحه، وتعالت أهدافه، فإنه يظل مرتكسًا في حمأة الأرض، مقيدًا بحدود العمر، سجينًا في سجن الذات، لا يطلقه ولا يرفعه إلا الاتصال بعالم أكبر من الأرض، وأبعد من الحياة الدنيا، وأعظم من الذات، عالم يصدر عن الله الأزلي، ويعود إلى الله الأبدي، وتتصل فيه الدنيا بالآخرة إلى غير انتهاء فاللفتة في الآية الكريمة لعلاج الكنود والجحود والأثرة والشح؛ لتحطيم قيد النفس وإطلاقها منه، مع عرض مشهد البعث والحشر في صورة تنسي حب المال والدنيا، وتوقظ من غفلة البطر؛ لقوله تعالى: {أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ} إنه مشهد اضطراب الكون، وهو مشهد عنيف مثير، بعثرة لما في القبور، بعثرة بهذا اللفظ العنيف المثير، وتحصيل لأسرار الصدور التي خبأتها بعيدا عن العيون، تحصيل بهذا اللفظ العنيف القاسي، فالجو كله عنف وشدة وتعفير أفلا يعلم إذا كان هذا؟ ولا يذكر ماذا يعلم؟ لأن علمه بهذا وحده يكفي لهز المشاعر 88.
إن السلامة من عذاب القبر والنجاة منه، باتباع سبل وأسباب النجاة -أسأل الله لنا ولكم النجاة- وإن من أعظم سبل النجاة من عذاب القبر هو تحقيق التوحيد والاستقامة على طاعة الله واتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت:30] .
وقد جاء في الحديث عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم إذا سئل في القبر: يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) فذلك قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] 89.
ومن أنفع الأسباب كذلك للنجاة من عذاب القبر ما ذكره الإمام ابن القيم أن من أنفعها أن يتفكر الإنسان قبل نومه ساعة يحاسب فيها نفسه على ما خسره وما ربحه في يومه ويذكرها بعمله، فإن كان مقصرًا زاد في عمله، وإن كان عاصيًا تاب إلى الله، وليجدد له توبة قبل نومه بينه وبين الله فينام على تلك التوبة، ويعزم على أن لا يعود الذنب إذا استيقظ، ويفعل هذا كل ليلة فإن مات من ليلته مات على توبة، وإن استيقظ استيقظ مستقبلًا للعمل مسرورًا بتأخير أجله حتى يستقبل ربه ويستدرك ما فاته، وفي ذلك نجاة من عذاب القبر، ومن عذاب النار 90.
فالذي ينجي المرء من عذاب القبر أن يكون الإنسان مستعدًا للموت، حتى إذا فاجأه الموت لم يعض أصبع الندم، ومن الاستعداد للموت الإسراع في التوبة، وقضاء الحقوق، والحذر من المعاصي، والإكثار من الأعمال الصالحة، فإن الإيمان والطاعات من الصلاة والصوم والزكاة والصدقة والحج والجهاد وبر الوالدين وصلة الأرحام وذكر الله عز وجل، وحضور مجالس العلم التي ضيعها الناس وانشغلوا عنها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من صالح الأعمال تحفظ العبد المؤمن، وتثبته في القبر، وبها يجعل الله له من كل هم فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا 91.
ففي الحديث الذي رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إن الميت يسمع خفق نعالهم إذا ولوا مدبرين، فإن كان مؤمنًا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصوم عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخلٌ، ويؤتى من عن يمينه، فيقول الصوم ما قبلي مدخلٌ، ويؤتى من عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخلٌ، ويؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات: ما قبلي مدخلٌ.
فيقال له: اقعد فيقعد، وتمثل له الشمس قد دنت للغروب فيقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم، وما تشهد به؟ فيقول: دعوني أصلي، فيقولون: إنك ستفعل ولكن أخبرنا عما نسألك عنه قال: وعم تسألوني عنه؟ فيقولون: أخبرنا عما نسألك عنه، فيقول: دعوني أصلي. فيقولون: إنك ستفعل ولكن أخبرنا عما نسألك عنه، قال: وعم تسألوني؟ فيقولون: أخبرنا ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم وما تشهد به عليه؟ فيقول: محمدًا، أشهد أنه عبد الله، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال له: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله.
ثم يفتح له بابٌ من قبل النار فيقال له: انظر إلى منزلك وإلى ما أعد الله لك، لو عصيت فيزداد غبطةً وسرورًا، ثم يفتح له بابٌ من قبل الجنة فيقال له: انظر إلى منزلك، وإلى ما أعد الله لك فيزداد غبطةً وسرورًا)، وذلك قول الله تبارك وتعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] ) 92.
ومن المنجيات من عذاب القبر الرباط والشهادة في سبيل الله، ففي حديث فضالة ابن عبيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كل ميت يختم على عمله إلا الذى مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر) 93.
وكذلك ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام بن معدي كرب خصال الشهيد، ومنها: أنه يجار من عذاب القبر حيث قال صلى الله عليه وسلم: (للشهيد عند الله ست خصالٍ: يغفر له في أول دفعةٍ، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقاربه) 94.
اللهم اجعلنا من أهل الرباط والشهادة في سبيلك.
وإن في المحافظة على قراءة سورة الملك لنجاة أيضًا من عذاب القبر، فقد ورد في حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: (سورة الملك هي المانعة تمنع من عذاب القبر) 95.
إن نعيم القبر للمؤمن ثابت كما أن عذاب القبر ثابت بالكتاب والسنة، فالقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، يقول ابن القيم: «مذهب سلف الأمة وأئمتها أن الميت إذا مات يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا، ويحصل لها معه النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين» 96.
وإن أول نعيم يلقاه المؤمن في قبره أن الله سبحانه وتعالى يثبته عند سؤال الملكين.
قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [إبراهيم: 27] .
فالله سبحانه وتعالى يثبت المؤمنين بالقول الثابت الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكن في قلوبهم في الحياة الدنيا فلا يزلون إذا افتتنوا في دينهم، فيجعلهم متمسكين بالحق، ثابتين عليه لا يصرفهم عنه صارف، وعند الموت يثبتهم على الدين الإسلامي والخاتمة الحسنة، وبعد الموت في القبر الذي هو منزل من منازل الآخرة، فلا يتلعثمون، ولا يضطربون إذا سألهم الملكان عن ربهم ودينهم ونبيهم، فيجيبون بالصواب عن معتقداتهم، وفي مواقف القيامة يثبتهم الله فلا تدهشهم أحوال القيامة الغريبة عنهم 97.
وتحدث القرآن الكريم عن مقام الشهداء ونعيمهم في مرحلة البرزخ.
قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [البقرة: 154] .
وقال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] .
فالآيات تنهى عن القول للشهداء أنهم أموات، بل هم أحياء في قبورهم حياة ذات معالم خاصة، يرزقون فيها على كيفية، الله أعلم بها، وفي هذا إشارة إلى أن المؤمن الذي يضحي بنفسه في سبيل نصر دينه ودعوة ربه هو من الشهداء الأبرار الذين يظفرون بجنان الخلد، وهم أحياء، أرواحهم في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث شاءت 98.
كما ثبت في الحديث عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: (أرواحهم في جوف طيرٍ خضرٍ، لها قناديل معلقةٌ بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع إليهم ربهم اطلاعةً) فقال: (هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شيءٍ نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا، ففعل ذلك بهم ثلاث مراتٍ، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرةً أخرى، فلما رأى أن ليس لهم حاجةٌ تركوا) 99.
«إن الذي خص الله به الشهداء في ذلك، وأفاد المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في برزخهم قبل بعثهم، ومنعمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر، من لذيذ مطاعمها الذي لم يطعمها الله أحدًا غيرهم في برزخه قبل بعثه، فذلك هو الفضيلة التي فضلهم بها وخصهم بها من غيرهم، والفائدة التي أفاد المؤمنين بالخبر عنهم» 100.
فهل هناك أعظم من هذه الحياة المتضمنة للقرب من الله سبحانه وتعالى، وتمتعهم برزقه، والفرح، والاستبشار، وزوال كل خوف وحزن، إنه نعيم القبر، حياة برزخية أكمل من الحياة الدنيا 101.
إن حياة البرزخ إما حياة نعيم ينعم فيها المطيعون، أو حياة عذاب يعذب فيها العاصون، من موتهم إلى يوم يبعثون، قال تعالى: {وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 100] 102.
فهنيئًا لمن عد عدته، وأخذ أهبته، ليحظى بأكمل نعيم، فقد روي عن البراء بن عازب قال: (خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجلٍ من الأنصار، فانتهينا إلى القبر، ولما يلحد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجلسنا حوله، كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عودٌ ينكت في الأرض، فرفع رأسه، فقال:(استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين، أو ثلاثًا) .
ثم قال: (إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة، نزل إليه ملائكةٌ من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفنٌ من أكفان الجنة، وحنوطٌ من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت، عليه السلام، حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الطيبة، اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوانٍ) . قال: (فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عينٍ حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسكٍ وجدت على وجه الأرض) قال:(فيصعدون بها، فلا يمرون، يعني بها، على ملإٍ من الملائكة، إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟
فيقولون: فلان بن فلانٍ، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح لهم فيشيعه من كل سماءٍ مقربوها إلى السماء التي تليها، حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارةً أخرى).
قال: (فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان، فيجلسانه، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت، فينادي منادٍ في السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة) .
قال: (فيأتيه من روحها، وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره) . قال: (ويأتيه رجلٌ حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي، ومالي) 103.
موضوعات ذات صلة:
الثبات، الجزاء، العذاب، الموت، النجاة، اليوم الآخر
1 انظر: الصحاح، الجوهري 2/ 784، مجمل اللغة، ابن فارس، 1/ 740، مقاييس اللغة، ابن فارس، 5/ 47، لسان العرب، ابن منظور، 5/ 68.
2 القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب، 1/ 293.
3 المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 651.
4 المتواري على تراجم أبواب البخاري، أبو العباس الجذامي، 1/ 85.
5 أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، رقم 4267، 2/ 1426.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، 1/ 347، رقم 1684.
6 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 529.
7 انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 390.
8 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير 6/ 543.
9 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 10/ 334، مجمل اللغة، ابن فارس، 1/ 180، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، 1/ 109.
10 انظر: الكليات، الكفوي، 1/ 52، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 17/ 130.
11 انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد، 2/ 1116.
12 انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، 7/ 271، ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن، الباوردي، 1/ 383، التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم، 1/ 243.