فهرس الكتاب

الصفحة 1397 من 2431

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «كانوا يجلسون في الطريق، فيخبرون من أتى عليهم أن شعيبًا عليه السلام كذابٌ، فلا يفتنكم عن دينكم» 36.

فنهاهم شعيب عن ثلاثة أمور:

1.قطع الطريق على المارة لأخذ الأموال.

2.والصد عن دين الله.

3.وطلب جعل سبيل الله المستقيمة معوجة مائلة بالأكاذيب والضلالات، وتشويه الحقائق، والشبهات والشكوك الملقاة منكم.

والمراد من الآية أن شعيبًا منع القوم من أن يمنعوا الناس من قبول الدين الحق بأحد هذه الطرق الثلاث 37.

ولقد زعم المشركون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس أهلًا لإنزال هذا القرآن عليه، لقلة ماله، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه صلى الله عليه وسلم: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ?) [الزخرف: 31] .

أي: «من إحدى القريتين، وهما مكة والطائف (?) يعنون بعظمه كثرة ماله وعظم جاهه، وعلو منزلته في قومه، وعظيم مكة الذي يريدون هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعبٍ، وفي مرة بن كعبٍ يجتمع نسبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد منافٍ، وعظيم الطائف هو عروة بن مسعودٍ، وقيل: حبيب بن عمرو بن عميرٍ، وقيل: هو كنانة بن عبد ياليل، وقيل غير ذلك، وقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، بقوله: (? ? ? ?) [الزخرف: 32] » 38.

هكذا أهل السوء والضلال يحرصون دائمًا على أن يكون الناس جميعًا على شاكلتهم؛ حتى لا يظهر سوؤهم، ولا ينكشف ضلالهم، وهكذا الشر دائمًا موكل بالخير، يريد أن يشوه معالمه، ويفسد طبيعته؛ ليتوازى معه على كفتي ميزان.

ولكن الله بالغ أمره، فما كان قائمًا على الشر والفساد، مستنبتًا في منابت الضلال، فلا بقاء له، وما كان قائمًا على الحق والخير، مغروسًا في مغارس الهدى والنور، فهو شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الرعد: 17] .

ثانيًا: السخرية بأهل الإيمان:

قال تعالى في ذم صفات المنافقين أنهم يسخرون من أهل الإيمان، قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 79] .

روى البخاري بسنده عن أبي مسعودٍ رضي الله عنه قال: (لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا، فجاء رجلٌ فتصدق بشيءٍ كثيرٍ، فقالوا: مرائي، وجاء رجلٌ فتصدق بصاعٍ، فقالوا: إن الله لغنيٌ عن صدقة هذا، فنزلت:(? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) 39.

قال السعدي رحمه الله: «جمعوا في كلامهم هذا بين عدة محاذير:

منها: تتبعهم لأحوال المؤمنين، وحرصهم على أن يجدوا مقالًا يقولونه فيهم، والله يقول: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور: 19] .

ومنها: طعنهم بالمؤمنين لأجل إيمانهم، كفرًا بالله تعالى، وبغضًا للدين.

ومنها: أن اللمز محرم، بل هو من كبائر الذنوب في أمور الدنيا، وأما اللمز في أمر الطاعة، فأقبح وأقبح.

ومنها: أن من أطاع الله وتطوع بخصلة من خصال الخير فإنه الذي ينبغي إعانته، وتنشيطه على عمله، وهؤلاء قصدوا تثبيطهم بما قالوا فيهم، وعابوهم عليه.

ومنها: أن حكمهم على من أنفق مالًا كثيرًا بأنه مراء غلط فاحش، وحكم على الغيب، ورجم بالظن، وأي شر أكبر من هذا؟!

ومنها: أن قولهم لصاحب الصدقة القليلة: «الله غني عن صدقة هذا» كلام مقصوده باطل، فإن الله غني عن صدقة المتصدق بالقليل والكثير، بل وغني عن أهل السماوات والأرض، ولكنه تعالى أمر العباد بما هم مفتقرون إليه، فالله -وإن كان غنيًا عنهم- فهم فقراء إليه (? ژ ژڑ) [الزلزلة: 7] .

وفي هذا القول من التثبيط عن الخير ما هو ظاهر بين؛ ولهذا كان جزاؤهم أن سخر الله منهم، ولهم عذاب أليم» 40.

ثالثًا: منع إقامة الشعائر:

قال تعالى في ذكر السبب الموجب لعذاب المشركين: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ) [الأنفال: 34] .

«أي: وكيف لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام، أي: الذي بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه، والطواف به» 41.

«فقد كانوا يؤذون من طاف أو صلى فيه منهم إذا لم يكن له منهم أو من غيرهم من الأقوياء من يمنعه ويحميه، وقد وضعوا على ظهر الرسول صلى الله عليه وسلم فرث الجزور وهو ساجدٌ، فلم يتجرأ أحدٌ على رميه عنه إلا بنته فاطمة رضي الله عنها، ومنعوا أبا بكرٍ من الصلاة، وقراءة القرآن فيه، فبنى لنفسه مسجدًا كان يصلي فيه، ويجهر بالقرآن، فصدوه عن الصلاة فيه أيضًا؛ لأن النساء والأولاد كانوا يجتمعون لسماع قراءته المؤثرة، فخافوا عليهم أن يهتدوا إلى الإسلام» 42.

قال ابن عاشور رحمه الله: «كان الصد عن المسجد الحرام جريمةً عظيمةً يستحق فاعلوه عذاب الدنيا قبيل عذاب الآخرة؛ لأنه يؤول إلى الصد عن التوحيد؛ لأن ذلك المسجد بناه مؤسسه ليكون علمًا على توحيد الله، ومأوًى للموحدين، فصدهم المسلمين عنه لأنهم آمنوا بإلهٍ واحدٍ، صرفٌ له عن كونه علمًا على التوحيد» 43.

رابعًا: منع الهجرة:

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ) [البقرة: 207] .

روى ابن أبي حاتم بسنده عن سعيد بن المسيب، (أن صهيبًا أقبل مهاجرًا نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فتبعه نفرٌ من قريش مشركون، فنزل وانتثل 44 كنانته، فقال: يا معشر قريشٍ، قد علمتم أني أرماكم رجلًا بسهمٍ، وأيم الله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهمٍ في كنانتي، ثم أضربكم بسيفي، ما بقي في يدي منه شيءٌ، ثم شأنكم بعد، وقال: إن شئتم دللتكم على مالي بمكة، وتخلون سبيلي؟ قالوا: فدلنا على مالك بمكة ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك، فدلهم، وأنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن:(? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ) [البقرة: 207] .

فلما رأى رسول الله صهيبًا، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ربح البيع يا أبا يحيى، ربح البيع يا أبا يحيى، ربح البيع يا أبا يحيى) 45.

وذكر ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره رواية أخرى عن أبي عثمان النهدي، عن صهيبٍ، قال: (لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت لي قريشٌ: يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك، وتخرج أنت ومالك، والله لا يكون ذلك أبدًا، فقلت لهم: أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلون عني؟ قالوا: نعم، فدفعت إليهم مالي، فخلوا عني، فخرجت حتى قدمت المدينة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال:(ربح صهيبٌ، ربح صهيبٌ) مرتين 46.

قال ابن عاشور رحمه الله: «والذي لا يشح بنفسه في نصرة الحق ينبيء خلقه عن إيثار الحق، والخير على الباطل والفساد» 47.

قال صاحب التفسير المنيرحفظه الله: «دل التعبير القرآني الموجز: (? ? ? ? ? ? ہ ہ) [البقرة: 207] .

على حقيقة ثابتة، وهي أن وجود فئة المخلصين بين الناس رحمة عامة للعباد، لا خاصة بهم، فكثيرًا ما ينتفع الناس بعمل المصلحين من دونهم؛ إذ تظهر ثمرات إصلاحهم من بعدهم، وعلى من يبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى في نفع عباده ألا يتهور ويلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يكون حكيمًا يقدر الأمور بقدرها؛ إذ ليس المقصود بهذا الشراء: (? ? ? ? ?) [التوبة: 111] .

إهانة النفس ولا إذلالها، وإنما المراد دفع الشر، وفعل الخير العام، رأفة بالعباد، وإيثارًا للمصلحة العامة» 48.

وقال تعالى في ذم المشركين الذين منعوا المسلمين من الهجرة في سبيل الله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الحج: 25] .

«وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد؛ لأنهم كانوا يأبون ذلك» 49.

وقال الخازن رحمه الله: «أي: بالمنع من الهجرة والجهاد والإسلام» 50.

خامسًا: التخويف من الجهاد:

قال تعالى في ذم صفات المنافقين أنهم يخوفون المؤمنين من الجهاد في سبيل الله: (? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ?) [النساء: 72] .

عن قتادة رحمه الله: «عن الجهاد والغزو في سبيل الله» 51.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 81] .

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفرهم إلى غزوة تبوك في حرٍ شديدٍ، فقال المنافقون بعضهم لبعضٍ: لا تنفروا في الحر، فقال الله لنبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم: قل لهم يا محمد: نار جهنم التي أعدها الله لمن خالف أمره، وعصى رسوله، أشد حرًا من هذا الحر الذي تتواصون بينكم أن لا تنفروا فيه، يقول: الذي هو أشد حرًا أحرى أن يحذر ويتقى من الذي هو أقلهما أذًى 52.

لقد قام المنافقون بصرف الناس عن الجهاد، وخوفوهم بعد الشقة، وحذروهم بأس الروم.

قال سيد قطب رحمه الله: «وقالوا: (چ چ چ ? ?) وهي قولة المسترخي الناعم الذي لا يصلح لشيء مما يصلح له الرجال.

إن هؤلاء لهم نموذج لضعف الهمة، وطراوة الإرادة، وكثيرون هم الذين يشفقون من المتاعب، وينفرون من الجهد، ويؤثرون الراحة الرخيصة على الكدح الكريم، ويفضلون السلامة الذليلة على الخطر العزيز، وهم يتساقطون إعياء خلف الصفوف الجادة الزاحفة العارفة بتكاليف الدعوات، ولكن هذه الصفوف تظل في طريقها المملوء بالعقبات والأشواك؛ لأنها تدرك بفطرتها أن كفاح العقبات والأشواك فطرة في الإنسان، وأنه ألذ وأجمل من القعود والتخلف، والراحة البليدة التي لا تليق بالرجال» 53.

سادسًا: النهي عن الإنفاق في سبيل الله:

قال تعالى في ذم صفات المنافقين: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المنافقون: 5 - 7] .

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «لا تطعموا محمدًا وأصحابه؛ حتى تصيبهم مجاعةٌ، فيتركوا نبيهم» 54.

فهم يصدون عن سبيل الله بالأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف.

قال تعالى: (? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 67] .

«ومن المعروف الذي ينهون عنه الجهاد، وبذل المال في سبيل الله للقتال وغير القتال» 55.

قوله تعالى على لسان المنافقين: (?چچچچ) قولة تجلى فيها خبث الطبع، وهي خطة التجويع التي يبدو أن خصوم الحق والإيمان يتواصون بها على اختلاف الزمان والمكان، في حرب العقيدة ومناهضة الأديان؛ ذلك أنهم لخسة مشاعرهم، يحسبون لقمة العيش هي كل شيء في الحياة، كما هي في حسهم فيحاربون بها المؤمنين، إنها خطة قريش، وهي تقاطع بني هاشم في الشعب؛ لينفضوا عن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويسلموه للمشركين، وهي خطة المنافقين -كما تحكيها هذه الآية- لينفض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه تحت وطأة الضيق والجوع.

وهي خطة الشيوعيين في حرمان المتدينين في بلادهم من بطاقات التموين؛ ليموتوا جوعًا، أو يكفروا بالله، ويتركوا الصلاة.

وهي خطة غيرهم ممن يحاربون الدعوة إلى الله، وحركة البعث الإسلامي في بلاد الإسلام، بالحصار والتجويع، ومحاولة سد أسباب العمل والارتزاق.

وهكذا يتوافى على هذه الوسيلة الخسيسة كل خصوم الإيمان من قديم الزمان إلى هذا الزمان، ناسين الحقيقة اليسيرة التي يذكرهم القرآن بها قبل ختام هذه الآية (? ? ? ? ? ? ?) [المنافقون: 7] .

ومن خزائن الله في السموات والأرض يرتزق هؤلاء الذين يحاولون أن يتحكموا في أرزاق المؤمنين، فليسوا هم الذين يخلقون رزق أنفسهم، فما أغباهم وأقل فقههم وهم يحاولون قطع الرزق عن الآخرين!» 56.

وما الحصار المفروض على فلسطين -وكذلك على البلاد المسلمة الفقيرة- إلا تنفيذٌ وتحقيقٌ لهذه الوسيلة الخسيسة، والتي يراد بها تركيع المؤمنين المجاهدين، وصرف الشعب الفلسطيني عن التعاون مع المجاهدين، وتثبيطهم عن مجالدة العدو الصهيوني.

سابعًا: الصد عن المساجد:

قال تعالى في ذم صفات المنافقين والتي استخدموها في صد الناس عن طريق الحق: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [التوبة: 107] .

عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «هم أناسٌ من الأنصار ابتنوا مسجدًا، فقال لهم أبو عامرٍ: ابنوا مسجدكم، واستعدوا بما استطعتم من قوةٍ ومن سلاحٍ، فإني ذاهبٌ إلى قيصر ملك الروم فآتي بجندٍ من الروم، فأخرج محمدًا وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا، فنحب أن تصلي فيه، وتدعو لنا بالبركة، فأنزل الله فيه: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چچ چ) [التوبة: 108] .

إلى قوله: (ں ں ? ? ?) [التوبة: 109] » 57.

«هذا المسجد -مسجد الضرار- الذي اتخذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مكيدة للإسلام والمسلمين، لا يراد به إلا الإضرار بالمسلمين، وإلا الكفر بالله، وإلا ستر المتآمرين على الجماعة المسلمة، الكائدين لها في الظلام، وإلا التعاون مع أعداء هذا الدين على الكيد له تحت ستار الدين» .

هذا المسجد ما يزال يتخذ في صور شتى تلائم ارتقاء الوسائل الخبيثة التي يتخذها أعداء هذا الدين تتخذ في صورة نشاط ظاهره للإسلام، وباطنه لسحق الإسلام، أو تشويهه وتمويهه وتمييعه! وتتخذ في صورة أوضاع ترفع لافتة الدين عليها؛ لتتترس وراءها، وهي ترمي هذا الدين! وتتخذ في صورة تشكيلات وتنظيمات وكتب وبحوث تتحدث عن الإسلام لتخدر القلقين الذين يرون الإسلام يذبح ويمحق، فتخدرهم هذه التشكيلات وتلك الكتب إلى أن الإسلام بخير لا خوف عليه ولا قلق! وتتخذ في صور شتى كثيرة.

ومن أجل مساجد الضرار الكثيرة هذه يتحتم كشفها وإنزال اللافتات الخادعة عنها، وبيان حقيقتها للناس، وما تخفيه وراءها، ولنا أسوة في كشف مسجد الضرار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم 58.

أرشد القرآن الكريم إلى كيفية علاج الصد عن سبيل الله تعالى، وسوف نتناوله بالبيان فيما يأتي:

أولًا: دحض شبه الصادين عن سبيل الله:

قال تعالى في دحض شبهة المشركين التي عيروا بها المؤمنين في قتلهم ابن الحضرمي في الأشهر الحرم: (? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ?) [البقرة: 217] .

روى الطبراني بسنده عن جندب بن عبد الله: (عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث رهطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجراح أو عبيدة، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة 59 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس فبعث عليهم عبد الله بن جحشٍ مكانه، وكتب له كتابًا، وأمره أن لا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال:(لا تكرهن أحدًا من أصحابك على المسير معك) . فلما قرأ الكتاب استرجع، ثم قال: سمعٌ وطاعةٌ لله ورسوله، فخبرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، ومضى بقيتهم، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أن ذلك اليوم من رجبٍ أو جمادى، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام، فأنزل الله عز وجل: () [البقرة: 217] الآية، فقال بعضهم: إن لم يكونوا أصابوا وزرًا فليس لهم أجرٌ، فأنزل الله عز وجل: (ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 218] 60.

قال السعدي رحمه الله: «الجمهور على أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بالأمر بقتال المشركين حيثما وجدوا، وقال بعض المفسرين: إنه لم ينسخ؛ لأن المطلق محمول على المقيد، وهذه الآية مقيدة لعموم الأمر بالقتال مطلقًا؛ ولأن من جملة مزية الأشهر الحرم بل أكبر مزاياها تحريم القتال فيها، وهذا إنما هو في قتال الابتداء، وأما قتال الدفع فإنه يجوز في الأشهر الحرم كما يجوز في البلد الحرام» .

ولما كانت هذه الآية نازلة بسبب ما حصل لسرية عبد الله بن جحش، وقتلهم عمرو بن الحضرمي، وأخذهم أمواله، وكان ذلك -على ما قيل- في شهر رجب عيرهم المشركون بالقتال بالأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين؛ إذ فيهم من القبائح ما بعضه أعظم مما عيروا به المسلمين، والتي منها:

وقال سيد قطب في وصف هؤلاء -وأمثالهم في كل جيل-: «هؤلاء قوم طغاة بغاة معتدون، لا يقيمون للمقدسات وزنًا، ولا يتحرجون أمام الحرمات، ويدوسون كل ما تواضع المجتمع على احترامه من خلق ودين وعقيدة، يقفون دون الحق فيصدون الناس عنه، ويفتنون المؤمنين، ويؤذونهم أشد الإيذاء، ويخرجونهم من البلد الحرام الذي يأمن فيه كل حي حتى الهوام! ثم بعد ذلك كله يتسترون وراء الشهر الحرام، ويقيمون الدنيا ويقعدونها باسم الحرمات والمقدسات، ويرفعون أصواتهم: انظروا ها هو ذا محمد ومن معه ينتهكون حرمة الشهر الحرام! فكيف يواجههم الإسلام؟ يواجههم بحلول مثالية نظرية طائرة؟

إنه إن يفعل يجرد المسلمين الأخيار من السلاح، بينما خصومهم البغاة الأشرار يستخدمون كل سلاح، ولا يتورعون عن سلاح! كلا إن الإسلام لا يصنع هذا؛ لأنه يريد مواجهة الواقع لدفعه ورفعه، يريد أن يزيل البغي والشر، وأن يقلم أظافر الباطل والضلال، ويريد أن يسلم الأرض للقوة الخيرة، ويسلم القيادة للجماعة الطيبة، ومن ثم لا يجعل الحرمات متاريس يقف خلفها المفسدون البغاة الطغاة ليرموا الطيبين الصالحين البناة، وهم في مأمن من رد الهجمات ومن نبل الرماة!

إن الإسلام يرعى حرمات من يرعون الحرمات، ويشدد في هذا المبدأ ويصونه، ولكنه لا يسمح بأن تتخذ الحرمات متاريس لمن ينتهكون الحرمات، ويؤذون الطيبين، ويقتلون الصالحين، ويفتنون المؤمنين، ويرتكبون كل منكر وهم في منجاة من القصاص تحت ستار الحرمات التي يجب أن تصان!» 62.

إن هؤلاء الذين حكى عنهم القرآن نراهم بأعيننا صباحًا ومساءً في وسائل الإعلام المأجورة لمحاربة كل ما هو إسلامي، يسلطون الضوء على بعض الأخطاء من المسلمين، ويغمضون أعينهم عن صدهم عن سبيل الله بكل وسيلة خسيسة.

ألا فليتعظ هؤلاء مما فعل بأسلافهم، فإنهم ليسوا بمنأى من عقاب الله، وليطمئن المؤمنون المخلصون إلى وعد الله لهم بالنصر، ووعيد الله للمجرمين بالعذاب المهين.

ثانيًا: التحذير من مكائد الشيطان وتزيينه:

أخبر سبحانه في كتابه أن الشيطان توعد بني آدم بتزيين المعاصي والشهوات لهم وإضلالهم عن الطريق المستقيم، قال تعالى على لسان الشيطان: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 39] .

أي: «بسبب ما أغويتني وأضللتني لأزينن لذرية آدم عليه السلام في الأرض، أي: أحبب إليهم المعاصي، وأرغبهم فيها، وأؤزهم إليها، وأزعجهم إليها إزعاجًا، ولأغوينهم أجمعين، أي: كما أغويتني وقدرت علي ذلك {إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [الحجر: 40] » 63.

وقال تعالى محذرًا المؤمنين من وساوس الشيطان وعداوته: {وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الزخرف: 62] .

أي: لا تغتروا بوساوسه وشبه الكفار المجادلين، فإن شرائع الأنبياء لم تختلف في التوحيد، ولا فيما أخبروا به من علم الساعة وغيرها بما تضمنته من جنةٍ أو نارٍ 64، إن الشيطان لكم عدو ظاهر العداوة من عهد أبيكم آدم عليه السلام.

لقد حدد الشيطان مكان المعركة وعدته فيها، فمكان المعركة بين الإنسان والشيطان الأرض، وعدته فيها التزيين، تزيين القبيح وتجميله، والإغراء بزينته المصطنعة على ارتكابه.

ألا فليفطن الناس إلى عدة الشيطان؛ وليحذروا كلما وجدوا في أمر تزيينًا، وكلما وجدوا من نفوسهم إليه اشتهاء، فقد يكون الشيطان هناك.

ثم حدد -لعنه الله- الفائزين عليه في هذه المعركة، إنهم المخلصون الذين أخلصهم الله لنفسه، واصطفاهم لطاعته، وأرادهم لجنته.

ثالثًا: التحذير من النفاق وبيان عوراته:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت