قال مالكٌ: لا يقام حد الزنا على الذميين، فإن زنى مسلمٌ بكتابيةٍ يحد المسلم ولا تحد الكتابية. قال ابن خويز منداد: ولا يرسل الإمام إليهم رسولًا ولا يحضر الخصم مجلسه.
القسم الثالث: ما يتجاوزهم إلى غيرهم من المفاسد كالسرقة والاعتداء على النفوس والأعراض. وقد أجمع علماء الأمة على أن هذا القسم يجري على أحكام الإسلام؛ لأنا لم نعاهدهم على الفساد.
وقد قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} [البقرة:205] ؛ ولذلك نمنعهم من بيع الخمر للمسلمين ومن التظاهر بالمحرمات.
القسم الرابع: ما يجري بينهم من المعاملات التي فيها اعتداء بعضهم على بعضٍ: كالجنايات، والديون، وتخاصم الزوجين. فهذا القسم إذا تراضوا فيه بينهم لا نتعرض لهم، فإن استعدى أحدهم على الآخر بحاكم المسلمين. فقال مالكٌ: يقضي الحاكم المسلم بينهم فيه وجوبًا؛ لأن في الاعتداء ضربًا من الظلم والفساد، وكذلك قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمدٌ، وزفر. وقال أبو حنيفة: لا يحكم بينهم حتى يتراضى الخصمان معًا» 39.
ظاهرة النفاق قد ظهرت عندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم وقامت دولة الإسلام، وظهر من يكره الإسلام باطنًا ويظهر حبه وإيمانه، ولكن الله فضحهم وأظهر نفاقه، وبين للنبي صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين المخلصين كيف يتعاملوا مع هؤلاء المنافقين.
قال الله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63) } [النساء:63] .
وقال ابن جرير الطبري: «هؤلاء المنافقون الذين وصفت لك، يا محمد، صفتهم {يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} في احتكامهم إلى الطاغوت، وتركهم الاحتكام إليك، وصدودهم عنك من النفاق والزيغ، وإن حلفوا بالله: ما أردنا إلا إحسانًا وتوفيقًا {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ} ، يقول: فدعهم فلا تعاقبهم في أبدانهم وأجسامهم، ولكن عظهم بتخويفك إياهم بأس الله أن يحل بهم، وعقوبته أن تنزل بدارهم، وحذرهم من مكروه ما هم عليه من الشك في أمر الله وأمر رسوله» 40.
ولكن كما نبه ابن العربي المالكي: أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أعرض عنهم تألفًا ومخافةً من سوء المقالة الموجبة للتنفير» 41.
فكانت هذه السياسة التي أمر بها القرآن في التعامل مع أهل النفاق هي ماتقتضيه الحكمة والسياسة الرفيعة والأسلوب الرفيع للنبي صلى الله عليه وسلم ويتخذها أصحابه من بعده.
وفي هذا المعنى يقول سيد قطب رحمه الله: «وكانت الخطة التي وجه الله إليها نبيه صلى الله عليه وسلم في معاملة المنافقين، هي أخذهم بظاهرهم- لا بحقيقة نواياهم- و والتغاضي عما يبدر منهم .. وهي خطة فتلتهم في النهاية، وأضعفتهم، وجعلت بقاياهم تتوارى ضعفًا وخجلًا» 42.
وفي آية آخرى يؤكد الله تعالى على هذا الأمر فقال تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) } [النساء:81] .
أي: ويقولون لك إذا حضروا معك: أمرنا وشأننا طاعةٌ لك فيما تأمرنا به، {فَإِذَا بَرَزُوا} أي: خرجوا من عندك {بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ} أي: دبرت ليلًا وأخفت من النفاق غير الذي تقول لك من قبول الإيمان وإظهار الطاعة، أو زورت خلاف ما قلت لها من الأمر بالطاعة، {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} أي: يثبته في صحائفهم فيجازيهم عليه، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} أي: لاتبال بهم وبما