فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 2431

فكما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وعباده المؤمنين ب عن اليهود؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر للمدينة، كانت اليهود تسأل النبي صلى الله عليه وسلم من باب التعنت ولبس الحق بالباطل، فكان الله تعالى ينزل القرآن فيما كانوا يسألون عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

ومن ذلك قول الله تعالى: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) } [المائدة:42] .

فهذه الآية وإن كان ظاهر الخطاب أنه خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم إلا أن هذا الحكم باق، ويتناول حكام المسلمين وعلماءهم.

قال ابن عطية: «قال القاضي أبو محمد: وقال كثير من العلماء هي محكمة وتخيير الحكام باق، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وفقه هذه الآية أن الأمة فيما علمت مجمعة على أن حاكم المسلمين يحكم بين أهل الذمة في التظالم، ويتسلط عليهم في تغييره وينفر عن صورته كيف وقع فيغير ذلك، ومن التظالم حبس السلع المبيعة وغصب المال وغير ذلك، فأما نوازل الأحكام التي لا ظلم فيها من أحدهم للآخر، وإنما هي دعاوى محتملة وطلب ما يحل وما لا يحل، وطلب المخرج من الإثم في الآخرة، فهي التي يخير فيها الحاكم، وإذا رضي به الخصمان، فلا بد مع ذلك من رضى الأساقفة أو الأحبار.

قاله ابن القاسم في العتبية.

قال: وأما إن رضي الأساقفة دون الخصمين أو الخصمان دون الأساقفة فليس له أن يحكم» 36.

ففي هذه الآية يخير الله تعالى نبيه وحكام المسلمين من بعده، وبين لهم أنهم مخيرون بأن يحكموا بينهم، أو يعرضوا عن الحكم بينهم؛ من أجل أن اليهود لا قصد لهم في الحكم الشرعي إلا أن يكون موافقًا لأهوائهم، وعلى هذا فكل مستفت ومتحاكم إلى عالم، يعلم من حاله أنه إن حكم عليه لم يرض، لم يجب الحكم ولا الإفتاء لهم، فإن حكم بينهم وجب أن يحكم بالقسط، ولهذا قال: {وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} حتى ولو كانوا ظلمة وأعداء، فلا يمنعك ذلك من العدل في الحكم بينهم 37.

وقد اختلف أهل العلم في التخيير الوارد في هذه الآية هل هو منسوخ أم باق؟

وقد أجمع العلماء على أنه يجب على حكام المسلمين أن يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم. واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم؛ فذهب قوم إلى التخيير، وذهب آخرون إلى الوجوب، وقالوا: إن هذه الآية منسوخة بقوله: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة:49] .

وبه قال ابن عباس، ومجاهد وعكرمة، والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي: وهو الصحيح من قول الشافعي، وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء 38.

ولكن الصحيح هو التفصيل الذي ذكره ابن عاشور؛ حيث قال: «والذي يستخلص من الفقه في مسألة الحكم بين غير المسلمين دون تحكيمٍ: أن الأمة أجمعت على أن أهل الذمة داخلون تحت سلطان الإسلام، وأن عهود الذمة قضت بإبقائهم على ما تقتضيه مللهم في الشؤون الجارية بين بعضهم مع بعضٍ بما حددت لهم شرائعهم؛ ولذلك فالأمور التي يأتونها تنقسم إلى أربعة أقسامٍ:

القسم الأول: ما هو خاصٌ بذات الذمي من عبادته كصلاته وذبحه وغيرها مما هو من الحلال والحرام. وهذا لا اختلاف بين العلماء في أن أئمة المسلمين لا يتعرضون لهم بتعطيله إلا إذا كان فيه فسادٌ عامٌ كقتل النفس.

القسم الثاني: ما يجري بينهم من المعاملات الراجعة إلى الحلال والحرام في الإسلام، كأنواعٍ من الأنكحة والطلاق وشرب الخمر والأعمال التي يستحلونها ويحرمها الإسلام. وهذه أيضًا يقرون عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت