فهرس الكتاب

الصفحة 907 من 2431

فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس في الطرقات، وقال لأصحابه: (إياكم والجلوس على الطرقات) فقالوا: ما لنا بد، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: (فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها) قالوا: وما حق الطريق؟! قال: (غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر) 130.

ونهى صلى الله عليه وسلم عن إلقاء الأذى في الطريق، فقال: (اتقوا اللعانين) قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: (الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم) 131.

وأمر صلى الله عليه وسلم باجتناب كل ما يمكن أن يلحق الضرر بالآخرين، فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا مرَّ أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا ومعه نبل، فليمسك على نصالها بكفه أن يصيب أحدًا من المسلمين منها بشيء) أو قال: (ليقبض على نصالها) 132.

وهذا معنى عام، يشمل كل أذى، حسيًّا كان أو معنويًّا.

وفي مجال التملك والاتجار نهت الشريعة عن كل ما يؤدي إلى التضييق على الناس فيها، أو يحدث الخلل والاضطراب في الأسواق، ومن ذلك: نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار، حيث قال: (لا يحتكر إلا خاطئ) 133.

وامتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن التسعير حين طلب منه، وقال: (إن الله هو المسعّر) 134، ونهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان، وعن أن يبيع حاضر لباد.

ومن حكم هذه التشريعات: إغلاق الأبواب والمنافذ في وجه أي أسلوب يؤدي إلى إلحاق الضرر بالناس في بيعهم وشرائهم.

••هناك بعض الأحكام الشرعية يظن بعض الناس أنها تخالف مبدأ الحرية، وأن فيها اعتداء على حريات الناس.

وفي النقاط الآتية نتحدث عن أهم تلك الأحكام، ونبين المقاصد الشرعية منها.

أولًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلته بالحرية:

مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبدأ عظيم في الدين.

كل فرد في المجتمع الإسلامي سواء أكان فردًا عاديًّا أم متقلدًا لمركز في السلطة، تقع على عاتقه مسئولية الالتزام بالتكاليف الشرعية أولًا، وحمل غيره بما أوتي من صلاحية على تنفيذ هذه التكاليف، فليس لأحد في الدولة أن ينفّذ ما عليه من حقوق وواجبات، ثم لا يهمه أمر الآخرين بعد ذلك، بل هو مسئول عن حمل غيره على مراعاة الحقوق والواجبات، وصيانتها من العبث والانتقاص.

قال تعالى: (ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?) [التوبة: 71] .

وقال عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ?) [آل عمران: 104] .

«والمقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه، كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان) » 135136.

وهذا المبدأ -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- مبدأ عظيم جدًّا يؤدي إلى حماية الحقوق والحريات بشكل كبير، ويسهم في خضوع الدولة أفرادًا وسلطة للأحكام الشرعية، ويجعل كل فرد في المجتمع قوّامًا على تنفيذ القانون الإسلامي، ورعاية الحقوق والحريات، وقد نشأ لتطبيق هذا المبدأ ما سمي بنظام الحسبة في الإسلام 137.

يقول الإمام الغزالي في ربع العادات من كتابه إحياء علوم الدين: «فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله ... ، فشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد ... ، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إمّا متكفلًا بعملها، أو متقلدًا لتنفيذها، مجددًا لهذه السنة الداثرة، ناهضًا بأعبائها، ومتشمرًا في إحيائها، كان مستأثرًا من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبدًا بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها» 138.

ويقول الإمام الماوردي: «والحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم؛ لعموم صلاحها، وجزيل ثوابها» 139.

والحسبة عند الفقهاء: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله 140.

وهي إحدى الولايات العامة في الدولة الإسلامية، تولاها أئمة الصدر الأول، حيث كانوا يباشرونها بأنفسهم؛ لعموم صلاحها، وجزيل ثوابها، ثم لما توسع المجتمع أقاموا مؤسسة الحسبة، فتولاها أشخاص أكفاء، خبيرون بأحوال الناس، يمشون في الشوارع والأسواق، ويقتحمون أبواب المحالات العامة، ودواوين الحكومة، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، سواء تعلق الأمر بقيمة من قيم الإسلام منيعة، أو بمصلحة من مصالح الناس معطّلة، لا يتجسسون على الناس، مكتفين بالمنكرات الظاهرة أيًّا كان فاعلها 141.

وقد أطلق الفقهاء على من يعيِّنه ولي الأمر للقيام بهذه الولاية اسم المحتسب، وأما من يقوم بها من دون تعيين من ولي الأمر فقد أطلقوا عليه اسم المتطوع، ثم راحوا يفرّقون بين المحتسب والمتطوع 142.

وفي العصر الحديث توزعت مهام الحسبة على الجهات الحكومية المختلفة، فملاحظة الأسواق العامة والطرقات، وحماية المواطنين من الاعتداء على أنفسهم وأموالهم تقوم به الشرطة، ومراقبة النظافة والموازين تقوم به البلديات، ومراقبة الصيدلة والصحة والأغذية تقوم به وزارة الصحة، ومراقبة الأسعار والتلاعب بها ومنع الاحتكار تقوم به وزارة التموين أو الاقتصاد، وهكذا 143.

ومما تقدم يتبين لنا أن ميدان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واسع جدًّا، يشمل جميع تصرفات الإنسان، سواء ما يتعلق منها بحقوق الله، أو ما يتعلق بحقوق الآدميين، وقد أشار العلماء السابقون إلى هذه السعة، فهذا الإمام الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية يقول: «وإذا استقر ما وصفناه في موضوع الحسبة، ووضع الفرق بينهما وبين القضاء والمظالم، فهي تشتمل على فصلين: أحدهما: الأمر بالمعروف، والثاني: نهي عن المنكر، فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام: أحدهما: ما يتعلق بحقوق الله تعالى، والثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين، والثالث: ما يكون مشتركًا بينهما» 144.

وفي موضع آخر يقول: «وأما النهي عن المنكر فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان من حقوق الله تعالى، والثاني: ما كان من حقوق الآدميين، والثالث: ما كان مشتركًا بين الحقين» 145.

ثم راح الماوردي يذكر أمثلة على كل قسم من هذه الأقسام بما هو واقع في زمانه ومكانه.

وهذا الإمام أبو حامد يعقد في كتابه (الإحياء) بابًا خاصًّا للحديث عن أمر الأمراء والسلاطين بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وبابًا خاصًّا للحديث عن منكرات العادات المألوفة في زمانه، فذكر منكرات المساجد، والأسواق والشوارع، ومنكرات الضيافة، والمنكرات العامة 146.

وهكذا نلاحظ أن العلماء السابقين بحديثهم عن منكرات زمانهم قد استوعبوا المكانة البارزة التي يحتلها مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الحياة الإسلامية، وأدركوا أن هذا المبدأ غير منحصر فقط في إطار المسلكيات الفردية للناس العاديين، وإنما هو عملية تصحيحية وردعية لكل ذي سلطة تحدّثه نفسه بظلم الناس، أو بهضم حقوقهم، كما أدركوا أهمية مسئولية الفرد والجماعة في هذا الميدان.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لهذا المبدأ باعتباره وسيلة شعبية لمقاومة كل الأفعال والتصرفات التي تتنافى مع القيم والتعاليم الإسلامية في كل زمان ومكان، وللدفاع عن كل الحقوق والحريات التي أقرها الإسلام، ليس فقط في جانبها السياسي، وإنما في كل جوانبها التي تمس كرامة الإنسان، فرغيف الخبز المعيب، والسلعة التموينية الفاسدة، والدواء المغشوش، والفحش في الأسعار، وإهدار مصالح الناس في ظل البيروقراطية الفاسدة، والمعاناة الشديدة لحصول الإنسان على مطالبه الضرورية، كلها أمور تجرح كرامة الإنسان، وتحطّ من قدره، بنفس القدر الذي يجرحها إنكار الحق في إبداء الرأي، أو الانتخاب أو الترشيح، أو في القبض والاحتجاز بدون تهمة، أو في المحاكمة غير العادلة، وكلها أمور يكون التصدي لها داخلًا في نطاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ويظهر لنا من خلال ما تقدم أن الجهات التي تتولى مسئولية القيام به هي: الدولة، والجماعة، والأفراد 147.

فالدولة تقع عليها مسئولية إصلاح المجتمع، وحراسة الحقوق بكل أنواعها، ومدافعة الباطل في مختلف صوره وأشكاله، لما تمتلكه من قوة مادية ومعنوية تمكنها من ذلك، وصدق سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث قال: «يزع الناس السلطان أكثر مما يزعهم القرآن» 148.

وقد تقررت مسئولية الدولة بعموم قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 58] .

وبقوله صلى الله عليه وسلم: (ما من والٍ يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرّم الله عليه الجنة) 149.

وجماعة المسلمين تقع على عاتقها مسئولية إعانة الدولة على القيام بواجباتها في حراسة الدين، وسياسة الدنيا به، وذلك من خلال قيامها بمهام النصيحة لأفراد المسلمين وعامتهم، ومراقبة انحرافهم عن تطبيق أحكام الشرع، وزجرهم عن ذلك، وقيامها بالعمل على تثقيف أفراد المسلمين، ونشر الأفكار الإسلامية بينهم، والتي تعالج شئون الأمة الإسلامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وأما الأفراد فكل منهم تقع عليه مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحسب استطاعته، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان) 150.

وإذا قامت هذه الجهات الثلاث بأمانة المسئولية الملقاة على عاتقها سارت الأمة في طريق الرقي، مصانة من عوامل الهدم والانحطاط الذي هو نتيجة حتمية للانحراف عن شرع الله ودينه الحق.

ثانيًا: العقوبات بالحدود والقصاص والتعزيرات وصلتها بالحرية:

لتشريع العقوبات في الشريعة الإسلامية عدة مقاصد، منها 151:

••حماية مصلحة الجماعة، وإشاعة الأمن والطمأنينة بين أفراد المجتمع؛ حتى يأمن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

••إثبات وجود الدولة، وتقوية شوكتها حتى يهاب كل فرد من أفرادها حدود الله فلا يتعداها.

••محاربة الدوافع إلى الجريمة بإثارة عوامل نفسية تصارع الدواعي إلى الجريمة فتصرعها. فإذا فكر الإنسان في قتل غيره ذكر أنه سيعاقب على فعله بالقتل، فكان ذلك ما يصرفه غالبًا عن الجريمة.

ومن الأمثلة على العقوبات الشرعية التي قصد بها منع وقوع الجريمة: عقوبة الردة عن الإسلام، ومن مقاصدها 152:

••شرعت عقوبة الردة كإجراء وقائي؛ كيلا يتخذ الدين مهزلة وألعوبة يدخل فيه الإنسان متى شاء، ويخرج منه متى شاء، استخفافًا بالله ورسوله، وبالمجتمع الإسلامي الذي يعيش فيه.

••الردة خروج عن الإسلام الذي هو النظام الاجتماعي للمجتمع الإسلامي، فالتساهل في هذه الجريمة يؤدي إلى القلق والاضطراب للمجتمع سواء في تفكيره أو في سلوكه.

••شدّد الإسلام في عقوبة الردة استئصالًا للمجرم من المجتمع، وحماية للنظام الاجتماعي من ناحية، ومنعًا للجريمة وزجرًا عنها من ناحية أخرى.

••إن عقوبة القتل أقدر العقوبات على صرف الناس عن الجريمة، ومهما كانت العوامل الدافعة إلى الجريمة فإن عقوبة القتل تولّد غالبًا في نفس الإنسان من العوامل الصارفة عن الجريمة ما يكبت العوامل الدافعة إليها، ويمنع من ارتكاب الجريمة في أغلب الأحوال.

ومن العقوبات الشرعية ما قصد منها حفظ العقل وصيانته، ومن ذلك عقوبة شرب الخمر.

قال ابن القيم: «إن الله تعالى حرّم الخمر لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل» 153.

فالإسلام في تحريمه للخمر يستهدف إيجاد شخصية قوية في جسمها ونفسها وعقلها، وما من شك أن الخمر تضعف الشخصية، وتذهب بمقوماتها؛ حيث تذهب العقول، وإذا ذهب عقل الإنسان تحوّل إلى حيوان شرير، وصدر عنه الشر والفساد، فالقتل والعدوان والفحش وإفشاء الأسرار وخيانة الأوطان من آثاره 154.

ومن العقوبات التي نصت عليها الشريعة الإسلامية: التغريب 155، ومن مقاصدها:

••إيلام المغرّب ببعده عن أعز الناس لديه، وحرمانه من مجالستهم، وإبعاده عن وطنه الذي ترعرع فيه، وهذا يؤدي إلى وحشته، وإحساسه بألم الفراق.

••زجره عن معاودة الجريمة لما حلّ به من العقوبة الرادعة.

••بقاؤه في بلد الخطيئة يعرضه للقدح فيه، والتشهير به، وهذا قد يعرّضه لأزمات نفسية مما يفقده توازنه، وينفّره من المجتمع، فكان تغريبه محافظة عليه، وإعادة توازنه، فيعود بعد التغريب إنسانًا صالحًا.

••إن في تغريب الزاني حماية للآخرين من أن يتأثروا به لو قام بينهم، فإبعاده تطهير للمجتمع، وقتل للرذيلة، وإحياء للفضيلة، فلا يجد أصحاب النفوس المريضة، والنزعات الشريرة ما يشجّعهم، ويدفع بهم إلى الانحراف والانسياق وراء الشهوات.

••إن في التغريب قطعًا للألسنة، وصونًا للأعراض، ودرءًا للشر، وإحقاقًا للحق.

••إن كثرة التحدث عن الجرائم، والتساهل في تطبيق حدود الله تعالى يكون سببًا قويًّا في جرّ الشباب إلى المعاصي، وبذا تفشو الرذائل، ويفسد المجتمع، وبتطبيق حدود الله يعيش المجتمع هانئًا آمنًا.

وهكذا نرى أن التغريب وإن كان عقوبة إلا أنه شرع لمصلحة الجاني أولًا، ولصالح المجتمع ثانيًا، وفي عصرنا الحاضر نرى أن كثيرًا من الزناة يهجرون موطن الجريمة مختارين؛ لينأوا بأنفسهم عن الذلة والمهانة التي تصيبهم في هذا المكان 156.

ومن العقوبات التي قصد منها زجر الناس عن الاعتداء على أموال الآخرين: عقوبة السرقة.

ولعقوبة السرقة مقاصد، منها:

••المحافظة على أموال الناس من الضياع، ومنعًا لأصحاب الأطماع من أخذ مال الغير بغير الحق، وزجرًا لكل معتدٍ أثيم تسوّل له نفسه أن يمدّ يده إلى ما ليس من حقه 157. ولعل الحكمة من تقليل النصاب الذي تقطع به يد السارق في مقابل غلاء ديتها هي زجر الناس عن العدوان، وتقليل الجناية على الأموال 158. يقول ابن عبدالسلام: «من أمثلة الأفعال المشتملة على المصالح والمفاسد مع رجحان مصالحها على مفاسدها قطع يد السارق، فإنه إفساد لها، ولكنه زاجر حافظ لجميع الأموال، فقدّمت مصلحة حفظ الأموال على مفسدة قطع يد السارق» 159.

••استتباب الأمن، وعدم ترويع الآمنين، فإن معاقبة السارق بالقطع ليس لأخذه المال فحسب، وإنما لترويعه الآمنين، ونشر الرعب بينهم، فحادثة سرقة واحدة تؤدّي إلى إفزاع سكان جميع الحي؛ إذ يترقب كل منهم أنه الهدف القادم للذين ارتكبوا تلك الحادثة، فيعيش الناس في اضطراب وقلق، وتحمّل ذلك ليس أمرًا سهلًا 160، كما أن الذي يقوم بهذا الفعل الخطير لا يبالي في سبيل الوصول إلى غرضه بارتكاب أي جريمة يتوقف عليها الحصول على ما يريد، فهو ينقضّ على الدار، ويكسر القفل، ولا يتأخر عن قتل من يقف في سبيله والتمثيل به، فهو مهدّد للناس في حياتهم وأموالهم وأعراضهم، فإذا لم يضرب على يده من أولي الأمر، وإذا لم تشدّد عليه العقوبة كان شرّه عظيمًا، وخطره شديدًا، وكثيرة هي الحوادث التي قتل فيها السارقون أناسًا في سبيل الوصول إلى سرقة المال، واعتدوا على أعراض كثيرة 161.

••الحث على العمل الذي لا تصلح أحوال المجتمع بدونه، فمما لا شك فيه أن ذوي الجد والاجتهاد في العمل إذا ما نظروا إلى أموالهم التي حصلوا عليها بكسبهم الحلال محفوظة ومصانة من عبث العابثين، وطمع الطامعين، ولا تمتد إليها يد ذوي البطالة، والأغراض الدنيئة، وأنّهم وحدهم هم المنتفعون بها، واصلوا كفاحهم وكدّهم وجدّهم، وضاعفوا من إنتاجهم، ودأبوا على استثمارها وإنمائها. أما لو كانت يد الغير مطلقة في أموالهم دون مؤاخذة وعقاب؛ فإن ذلك يؤدي إلى وهن المجتمع لتقاعس أفراده، وانتشار بذور العداوة والبغضاء بينهم.

••استغلال ذكاء وقدرات السارقين في تنمية المجتمع، فإن الذكاء والحذق الذي يستخدمه اللصوص في اقتناص فرائسهم، وانتهاب متطلباتهم، واختطاف أموال الغير خفية، إذا ما طبّقت العقوبة، وأقيمت على مرتكبي هذه الجرائم تحوّل هذا الذكاء والحذق إلى وسيلتي خير وسبيل صلاح وهداية، فاستخدما في تحصيل المال من موارد صافية، ومكاسب طيبة، واستغلّت في التجارة المربحة، وفي إنشاء المصانع والمزارع 162.

••إن السارق حينما يفكر بالسرقة إنما يفكر في أن يزيد كسبه بكسب غيره، فهو يستصغر ما يكسبه عن طريق الحلال، ويريد أن ينميه من طريق الحرام، وهو لا يكتفي بثمرة عمله، فيطمع في ثمرة عمل غيره، وهو يفعل ذلك ليزيد من قدرته على الإنفاق، أو ليرتاح من عناء الكدّ والعمل، أو ليأمن على مستقبله، فالدافع الذي يدفع إلى السرقة يرجع إلى هذه الاعتبارات، وهو زيادة الكسب، أو زيادة الثراء، وقد حاربت الشريعة هذا الدافع في نفس الإنسان بتقرير عقوبة القطع؛ لأن قطع اليد أو الرجل يؤدّي إلى نقص.

وقد شرعت الشريعة الإسلامية القصاص في حق القاتل، حفاظًا على حياة الناس.

قال سبحانه وتعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] .

وفائدة القصاص لا تعود إلى أهل القتيل فقط، ولكنّها تعود إلى الجماعة كلها؛ ولذلك صدّر سبحانه وتعالى النص بقوله تعالى: {وَلَكُمْ} فالقصاص فائدة عائدة عليكم، وليس انتقامًا تعود فائدته إلى المجني عليه وحده، بل إنّ فائدته تعمّ ولا تخصّ.

وحياة الجماعة ليست في حياة أفراد متنافرين متناحرين، يهدر القوي حق الضعيف، وتحلّ فيها الثارات محل القانون الرادع للعصاة، القاطع الحاسم للشر، إنما حياة الجماعة في الترابط بالمودة الواصلة، والرحمة العادلة، ولا يكون ذلك إلا بالقصاص الذي يسوّي بين الجريمة والعقوبة، وتكون فيه العقوبة من جنس الجريمة، ومماثلة لها تمام التماثل 163.

ويقول سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة: 32] .

«وقتل نفس واحدة بلا مبرر ولا موجب من قصاص أو دفع فساد عام كجريمة قتل الناس جميعًا، وحماية نفس واحدة في أي صورة من الصور -ومنها القصاص- كأنها استحياء للناس جميعًا؛ ذلك أن الاعتداء على نفس واحدة هو اعتداء على حق الحياة الذي يصون للناس جميعًا حياتهم، فالاستهتار بهذا الحق اعتداء على كل من يدلي به ويتحصن، والمحافظة عليه محافظة على الحق الذي يصون للناس جميعًا حياتهم، فالاستهتار بهذا الحق اعتداء على كل من يدلي به ويتحصن، والمحافظة عليه محافظة على الحق الذي تصان به دماء الناس وأرواحهم» 164.

وقد شرعت الشريعة الإسلامية عقوبات تعزيرية، المقصد الأساس منها لا يخرج عن المقاصد العامة للعقوبة؛ من الردع والزجر، والإصلاح والتهذيب.

والمعاصي التي تستوجب التعزير منها ما يعتبر ارتكابًا لمحرّم، ومنها ما يكون تركًا لواجب، والمقصد من التعزير في المحرّمات هو الامتناع عن ارتكابها، وفي الواجب الكفّ عن تركه، بأن يعاقب التارك حتى يؤدي ما يجب عليه، فيجوز أن يعزّر مرة بعد مرة حتى يفعل ما يجب عليه، بالنسبة لغير الجاني فإنّه بتعزير الجاني يمتنع عن ارتكاب المحرّم، أو عن ترك الواجب عليه لعلمه أنّ العقاب في الحالتين ينتظره 165.

والشريعة الإسلامية وقد شرع فيها التعزير للزجر والإصلاح إنما قصدت بذلك إيجاد مجتمع صالح تسود فيه المحبة، وترفع عنه البغضاء، وأسباب الكراهة، ويعرف فيه كل مواطن ما له وما عليه، ويعرف فيه طريق الشر واضحًا فيجتنب، وطريق الخير واضحًا فيتبع، فلا يكون فيه مجال للجريمة، وهذا الغرض البعيد من أهم الأغراض التي يتوق إليها اليوم المصلحون والعلماء، وهو واضح في أقوال كثير من الفقهاء، فهم يقولون: إن التعزير محتاج إليه لدفع الفساد، وإخلاء العالم منه، وإزالة المنكر 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت