تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] 50.
والمقصود أن مكة المكرمة هي البلد الأمين والآمن، وقد وردت آيات كثيرة تبين هذا غير ما سبق، منها:
قوله تعالى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97] .
وقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت:67] .
وهو استجابة لدعاء إبراهيم عليه السلام، حيث قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ} [إبراهيم:35] .
فهو بلد أمن وسلام وسكينة وراحة.
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يعترض له» ، وقيل: آمنًا يعني: الأمان لكل أحد حتى الوحوش والجمادات والأشجار؛ لهذا كانوا في الجاهلية يحترمونه أشد الاحترام مع شركهم، ولما جاء الإسلام زاد حرمته تعظيمًا وشرفًا وتكريمًا 51.
أثنى الله تعالى على المحافظين على الأمانة، والموفين بالعهود، فقال: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8] .
والآية تدل على أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس: أنهم راعون لأماناتهم وعهدهم، أي: محافظون على الأمانات والعهود.
وقوله: {لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ} الأمانة هي في الأصل مصدر، لكن أريد بهاهنا ما ائتمن عليه؛ إذ الحفظ للعين لا للمعنى.
وهي تشمل: كل ما استودعك الله، وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الله وحقوق الناس.
وكذا العهد مصدر أريد به ما عوهد عليه، ويشمل: كل ما أخذ عليك العهد بحفظه من حقوق الله وحقوق الناس.
وجمعت الأمانة دون العهد، قيل: لأنها متنوعة متعددة جدًا بالنسبة إلى كل مكلف من جهته تعالى، ولا يكاد يخلو مكلف من ذلك، ولا كذلك العهد.
ويجوز أن يراد بالأمانات ما ائتمنهم الله تعالى عليه من الأعضاء والقوى، والمراد برعيها حفظها عن التصرف بها على خلاف أمره عز وجل، وأن يراد بالعهد ما عاهدهم الله تعالى عليه، مما أمرهم به سبحانه بكتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والمراد برعيه حفظه عن الإخلال به؛ وذلك بفعله على أكمل وجه، فحفظ الأمانات كالتخلية، وحفظ العهد كالتحلية، وكأنه جل وعلا بعد أن ذكر حفظهم لفروجهم ذكر حفظهم لما يشملها وغيرها 52.
ولما كانت الأمانة غالبًا في الأمور النفيسة التي يخشى صاحبها عليها التلف والضياع، فيجعلها عند من يظن فيه حفظها، وفي الغالب يكون ذلك على انفراد بين المؤتمن والأمين، فهي لنفاستها قد تغري الإنسان على جحدها وعدم ردها إلى صاحبها، ولكون دفعها في الغالب يخلو من الإشهاد جعل الله ردها من شعب الإيمان.
وهذه الصفة من جلائل صفات المؤمنين، وهي تنحل إلى فضيلتين، هما فضيلة أداء الأمانة التي يؤتمنون عليها، وفضيلة الوفاء بالعهد، فلا خيانة، ولا خلف.