فهرس الكتاب

الصفحة 1665 من 2431

قيل: في هذه الآية دلالة على أن اتخاذ الزرع من أعلى الحرف التي يتخذها الناس؛ ولذلك ضرب الله به المثل في قوله: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} الآية.

وفي صحيح مسلم: (ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة) 108.

وفي الترمذي: (التمسوا الرزق في خبايا الأرض) 109. يعني: الزرع.

وقال رجل لآخر: دلني على عمل أعالجه، فقال له:

تتبع خبايا الأرض وادع مليكها

لعلك يومًا أن تجاب وترزقا 110

والزراعة: من فروض الكفاية، فيجبر عليها بعض الناس إذا اتفقوا على تركها 111.

وقد نبه سبحانه وتعالى إلى أن طرق الكسب قسمان؛ وذلك في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] .

ففي هذا النص الكريم تقسيم حكيم؛ وقد قدم سبحانه وتعالى القسم الأول، وهو الكسب الذي يكون بعمل الإنسان، سواء أكان صناعة أم كان تجارة، وسواء أكان عملًا آليًا، أم كان عملًا فكريًا؛ وكان ذلك التقديم لأسباب كثيرة:

منها: بيان فضل الأكل من العمل والكسب، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ما أكل ابن آدم طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) 112.

ومنها: أن العطاء من مال يجيء بمجهود، وتبذل فيه الجهود يكون أعظم ثوابًا.

ومنها: إعلاء قدر العمل الإنساني؛ لأن به إقامة العمران، وإصلاح الأرض، وتقدم هذا الوجود الإنساني في معيشته، ووسائل رزقه.

والقسم الثاني: فيه خير كثير، ولكنه كله بفضل الله تعالى لا عمل للعبد إلا إلقاء البذر، وغرس الغراس، والقيام عليها، والباقي كله لله الواحد القهار.

وهنا يسأل سائل: لماذا أضاف سبحانه ما يخرج من الأرض إليه سبحانه وتعالى مع أن للعبد فيه عملًا من حرث وبذر وإصلاح ومراقبة، ثم أضيف الكسب بالتجارة والصناعة والعمل في هذه الدنيا إلى العبد، مع أنه برزق من الله؛ لأنه هو الذي قسم الأرزاق بين العباد، وجميع ما للعبد من مكاسب بتوفيقه ورزقه، كما قال تعالى في آية أخرى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [البقرة: 3] وكما قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] فكل شيء منه وإليه، وكل كسب للعبد سواء أكان من الزرع والضرع، أم كان من الصناعة أو التجارة فهو من الله وبفضله وبتوفيقه ورزقه وهدايته، بل عطائه سبحانه وإن لذلك السؤال موضعه، وأن الله سبحانه في بعض آي الذكر الحكيم يضيف الكسب إلى العبد لأنه الذي باشر العمل، وفي بعضه يضيف الرزق إلى الرب لأنه المانح، وهو سبحانه يصرف الآيات لمن يفقهونها، ولكل مقام ما يناسبه، ولكلامه سبحانه المثل الأعلى، فلا يحاكيه كلام الإنسان مهما يعل قدره في البيان.

ولو حاولنا أن نصل إلى سر التعبير ما بلغناه على وجهه الكامل؛ وأقصى ما نقول: هو أنه سبحانه وتعالى أضاف الكسب إلى العبد في الأولى، وإخراج النبات والغراس إليه ليتميز القسمان من الإنتاج، فهما قسمان متقابلان بلا شك، إذ الأول العنصر الواضح فيه كسب العبد، والثاني العنصر الواضح فيه عمل الرب، كما أشرنا، فلهذا التمييز بين القسمين كانت الإضافتان المختلفتان، وليحث سبحانه الناس على النوعين من العمل، وبيان أنهما أساس العمران في هذا الوجود، فكلاهما إصلاح في الأرض وسبيل من سبل الإنتاج فيها؛ وقد كان بعض الاقتصاديين المتقدمين يعتبر طريق الإنتاج فقط الزراعة، وما تخرجه الأرض؛ والأخرى طرق ثانوية، فالله سبحانه يرشد إلى أن كليهما طريق متميز فيه عمران الأرض والإصلاح فيها، وفوق ذلك فإن إضافة الكسب إلى العبد مع الحث على الإنفاق من طيباته فيه إشارة إلى أن للفقير حقًا معلومًا في كل ما يكسب من مال، سواء أكان بصناعة أو تجارة، أو عمل باليد، أم كان بالبحث في الأرض، وإلقاء الحب، ورجاء الثمار من الرب، فللفقير قدر معلوم في كل هذا.

وبعض المفسرين لا يقصر ما تخرجه الأرض على الزرع والشجر، والحشائش التي يتغذى منها ذات الضرع وذات الحافر، بل يتجاوز إلى ما يكون في باطن الأرض من معادن وفلزات، وسواء مما تقوم عليها الثروات عند بعض الأمم، ومما صار أساس العمران في عصرنا الحاضر؛ فإن أولئك المفسرين الأجلاء أدخلوا ذلك في عموم قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} وإن ذلك صادق بلا ريب، وهو نظر مستقيم.

وقد يقول قائل: إن ذلك مودع في باطن الأرض، ولم يخرجه الله سبحانه وتعالى إلى ظاهرها، بل الإنسان هو الذي يخرجه، فنقول: ليس المراد بالإخراج هو هذا المظهر الحسي، بل المراد منه التكوين والإنشاء وظهور الأعراض التي تكون سبيلا لخروجه، فيشمل الإخراج ذلك كما يشمل تكوين الزرع بخروج البذرة من باطن الأرض؛ فإن كليهما يكونه الله تعالى ويظهره لعباده؛ هذا بعوده مستقيمًا يراه الحس بما يحمل من ثمر، وما معه من غذاء، وذاك يظهر بأعراضه التي يعرفها الخبراء، وقد يظهر للحس ويبدو للنظر، كما يرى البترول طافيًا على الأرض في بعض البلدان، يعلن ما حوته في باطنها من عيون ثرَّة تفيض به 113.

والمقصود: أن هذه الطرق الثلاث التي ذكرها القرآن -الزراعة، والتجارة، والصناعة- وهي الطرق الطبيعية لتحصيل الأموال، عمد الاقتصاد القومي لكل أمة تريد أن تحيا حياة استقلالية، رشيدة عزيزة، من الضروري العمل على تركيزها في البلاد، ثم العمل على تنسيقها تنسيقًا يحقق للأمة هدفها الذي يوجبها الإسلام عليها، والذي يجب أن تحصل عليه وتحتفظ به وتنميه؛ صونًا لكيانها، واستقلالها في سلطانها وإدارتها، وإذا كان من قضايا العقل والدين أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وكانت الحياة متوقفة على هذه العمد الثلاثة، كانت هذه العمد الثلاثة واجبة، وكان تنسيقها على الوجه الذي يحقق خيرها واجبًا.

وكل هذه الأعمال -التجارة والصناعة والزراعة- إذا قام صاحبها بحقها، وتوكل على الله تعالى حق توكله هي عبادة لله، فالصانع في مصنعه، والزارع في مزرعته، والتاجر في متجره إذا قصد وجه الله تعالى، ونفع الناس يكون ذاكرًا لله تعالى، عابدًا له، وإن المؤمن لا يفرغ قلبه من ذكره، إذا قام بحق الله تعالى، وإن ذكر الله تعالى يصحبه الخوف من الله فيتقي الله تعالى في كل عمل يعمله، ويكون دائمًا في حذر من غضب الله تعالى 114.

والحكمة من الإشارة إلى هذه الأعمال المباحة في القرآن هي: الدلالة على أن الإسلام دين يجمع بين الدنيا والآخرة، بين إعمار الدنيا وإعمار الآخرة، وقد ذكر الله تعالى ذلك على سبيل الامتنان، مما يدل على إباحة هذه الأعمال، بل على وجوبها أحيانًا.

تتنوع أساليب القرآن الكريم في الحث على الشيء المرغوب فيه، فتارة بالأمر الصريح به، وتارة بالنهي عن ضده، وتارة بذكر ثوابه، ونجد هذا التنوع في الأسلوب في الحث على العمل الصالح، حيث جاء في القرآن على النحو الآتي:

1.الأمر به.

من أساليب القرآن الكريم في الحث على العمل الأمر به.

قال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105] .

فـ {اعْمَلُوا} أمر بالعمل، وهو من أساليب الحث على الشيء، والأمر هو طلب فعل، وصيغته: افعل، ولتفعل، وهي حقيقة في الإيجاب، وترد مجازًا لمعان أخر.

قال أبو السعود: {وَقُلِ اعْمَلُوا} زيادة ترغيب لهم في العمل الصالح الذي من جملته التوبة، وللأولين في الثبات على ما هم عليه، أي: قل لهم بعد ما بان لهم شأن التوبة: اعملوا ما تشاؤون من الأعمال، فظاهره ترخيص وتخيير، وباطنه ترغيب وترهيب، وقوله: {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} أي: خيرًا كان أو شرًا، تعليل لما قبله، وتأكيد للترغيب والترهيب، والسين للتأكيد، {وَرَسُولُهُ} عطف على الاسم الجليل وتأخيره عن المفعول للإشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت {وَالْمُؤْمِنُونَ} والمعنى: أن أعمالكم غير خافية عليهم، كما رأيتم وتبين لكم، ثم إن كان المراد بالرؤية معناها الحقيقي فالأمر ظاهر، وإن أريد بها مآلها من الجزاء خيرًا أو شرًا فهو خاص بالدنيوي، من إظهار المدح والثناء والذكر الجميل والإعزاز، ونحو ذلك من الأجزية وأضدادها 115.

وقد حذف مفعول {اعْمَلُوا} لأجل التعويل على القرينة؛ ولأن الأمر من الله لا يكون بعمل غير صالح، والمراد بالعمل ما يشمل العمل النفساني من الاعتقاد والنية، وإطلاق العمل على ما يشمل ذلك تغليب.

وتفريع {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} زيادة في التحضيض، وفيه تحذير من التقصير، أو من ارتكاب المعاصي؛ لأن كون عملهم بمرأى من الله مما يبعث على جعله يرضي الله تعالى؛ وذلك تذكير لهم باطلاع الله تعالى بعلمه على جميع الكائنات، وعطف {وَرَسُولُهُ} على اسم الجلالة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو المبلغ عن الله، وهو الذي يتولى معاملتهم على حسب أعمالهم، وعطف {وَالْمُؤْمِنُونَ} أيضًا لأنهم شهداء الله في أرضه؛ ولأن هؤلاء لما تابوا قد رجعوا إلى حظيرة جماعة الصحابة، فإن عملوا مثلهم كانوا بمحل الكرامة منهم، وإلا كانوا ملحوظين منهم بعين الغضب والإنكار؛ وذلك مما يحذره كل أحد هو من قوم يرمقونه شزرًا ويرونه قد جاء نكرًا.

والرؤية المسندة إلى الله تعالى قد تكون حقيقية، وقد تكون رؤية مجازية، وهي تعلق العلم بالواقعات، سواء كانت ذوات مبصرات أم كانت أحداثًا مسموعات، ومعاني مدركات 116.

ومن الأوامر بالعمل قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] .

والظاهر أن الأمر في قوله: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} لآل داود، وإن لم يجر لهم ذكر، ويجوز أن يكون أمرًا لداود شرفه الله بأن خاطبه خطاب الجمع 117.

وانتصب {شُكْرًا} على أنه مفعول له، أي: اعملوا لله، واعبدوه على وجه الشكر لنعمائه، وفيه دليل على أن العبادة يجب أن تؤدى على طريق الشكر، أو على الحال، أي: شاكرين، أو على تقدير: اشكروا شكرًا؛ لأن {اعْمَلُوا} فيه معنى اشكروا، من حيث أن العمل للمنعم شكر له، ويجوز أن ينتصب باعملوا مفعولًا به، ومعناه: إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكرًا على طريق المشاكلة 118.

وكأنه قال: {اعْمَلُوا} ولم يقل: اشكروا؛ لينبه على التزام الأنواع الثلاثة من الشكر بالقلب واللسان وسائر الجوارح 119.

وقوله: {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ: 11] إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب، إنما هو اكتساب، والكسب يكون بقدر الحاجة، وباقي الأيام والليالي للعبادة، فقدر في ذلك العمل، ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب، بل حصل به القوت فحسب.

ويدل عليه قوله تعالى: {وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [سبأ: 11] أي: لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح، فاعملوا ذلك، وأكثروا منه، والكسب قدروا فيه، ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ: 11] .

وقد ذكرنا مرارًا أن من يعمل لملك شغلًا ويعلم أنه بمرأى من الملك يحسن العمل ويتقنه، ويجتهد فيه 120.

قال صاحب السراج: كما قال تعالى عقب قوله سبحانه: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} [سبأ: 11] {وَاعْمَلُوا صَالِحًا} قال عقب ما تعمله الجن له: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة في هذه الأشياء، وإنما الإكثار من العمل الصالح الذي يكون شكرًا 121.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) } [المؤمنون: 51] ففي الآية أمر للرسل بالعمل الصالح، وهو أمر للأتباع، والمعنى: أي: اعملوا بما أمركم الله به، وأطيعوه في أمره ونهيه {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} لا يخفى علي شيء من أعمالكم 122.

قال النسفي: قوله: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ} هذا النداء والخطاب ليسا على ظاهرهما؛ لأنهم أرسلوا متفرقين في أزمنة مختلفة، وإنما المعنى الإعلام بأن كل رسول في زمانه نودي بذلك، ووصى به؛ ليعتقد السامع أن أمرًا نودي له جميع الرسل، ووصوا به، حقيق أن يؤخذ به، ويعمل عليه، أو هو خطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام لفضله، وقيامه مقام الكل في زمانه، وكان يأكل من الغنائم، أو لعيسى عليه السلام لاتصال الآية بذكره، وكان يأكل من غزل أمه، وهو أطيب الطيبات، والمراد بالطيبات: ما حل، والأمر للتكليف، أو ما يستطاب ويستلذ، والأمر للترفيه والإباحة 123.

وبدأ بالأمر بالأكل من الطيبات قبل الأمر بالعمل الصالح؛ لأن الأعمال تتوقف على سلامة الأبدان، فكانت المحافظة على الأبدان من الواجبات؛ ولهذا قدم الأمر بالأكل على الأمر بالعمل، فليس من الإسلام تحريم الطيبات التي أحلها الله كما حرم غلاة المتصوفة اللحم، وليس من الإسلام تضعيف الأبدان وتعذيبها، كما يفعله متصوفة الهنادك، ومن قلدهم من المنتسبين للإسلام، والميزان العدل في ذلك هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، وقد بين ذلك أئمة السنة والأثر رحمهم الله، وفي تقديم الأكل من الطيبات على العمل الصالح تنبيه على أنه هو الذي يثمرها؛ لأن الغذاء الطيب يصلح عليه القلب والبدن، فتصلح الأعمال، كما أن الغذاء الخبيث يفسد به القلب والبدن، فتفسد الأعمال 124.

ولم يتوجه الأمر ها هنا إلى العمل فقط، بل لا بد وأن يكون هذا العمل صالحًا؛ ولهذا قال: {وَاعْمَلُوا صَالِحًا} وليس الأمر الذي يكون به متميزًا عن سائر البشر إلا العمل الصالح، بأن يكون خالصًا له، والعمل الصالح هو العمل الطيب الذي يكون خيرًا محضًا للناس، لا يكون معه شر لا في ذاته، ولا في نيته، والعمل الصالح ما يكون فيه النفع لأكبر عدد ممكن، وما تكون فيه سعادة عاجلة لأكثر الناس، أو سعادة آجلة لعامتهم، ويدخل في هذا دعوتهم إلى الهداية والرشاد، والتبليغ عن أمر ربهم 125.

قال في روح البيان: {وَاعْمَلُوا صَالِحًا} أي: عملًا صالحًا، فإنه المقصود منكم، والنافع عند ربكم، وهذا الأمر للوجوب، بخلاف الأول، وفي أمر الرسل بالعمل الصالح رد وهدم لما قال به بعض المبيحين من أن العبد إذا بلغ غاية المحبة، وصفا قلبه، واختار الإيمان على الكفر من غير نفاق سقطت عنه الأعمال الصالحة من العبادات الظاهرة، وتكون عبادته التفكر، وهذا كفر وضلال، فإن أكمل الناس في المحبة والإيمان هم الرسل خصوصًا حبيب الله مع أن التكاليف بالأعمال الصالحة والعبادات في حقهم أتم وأكمل 126.

وقال المراغي: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} أمر الله كل نبي في زمانه بأن يأكل من المال الحلال ما لذ وطاب، وأن يعمل صالح الأعمال؛ ليكون ذلك كفاء ما أنعم به عليه من النعم الظاهرة والباطنة، وهذا الأمر وإن كان موجهًا إلى الأنبياء، فإن أممهم تبع لهم، وكأنه يقول لنا: أيها المسلمون في جميع الأقطار، كلوا من الطيبات أي من الحلال الصافي القوام الحلال ما لا يعصى الله فيه، والصافي ما لا ينسى الله فيه، والقوام ما يمسك النفس، ويحفظ العقل، واعملوا صالح الأعمال 127.

والمقصود: أن من أساليب القرآن الكريم في الحث على العمل، الأمر به، بلفظ: «اعملوا» وأمر بالسعي، وهو ضربٌ من العمل، فقال: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة: 9] .

قال الشافعي رحمه الله: السعي في هذا الموضع هو العمل.

وتلا قوله تعالى: {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) } [الليل: 4] ، ويكون المعنى على هذا: فاعملوا على المضي إلى ذكر الله من التفرغ له، والاشتغال بالطهارة والغسل، والتوجه إليه بالقصد والنية 128.

وأمر بالمشي، وهو عمل أيضًا، فقال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15] .

أي: تمتعوا بهذه النعم، ثم إلى ربكم مرجعكم يوم القيامة، ففي الآية الكريمة حثٌ على العمل والكسب في التجارة والزراعة والصناعة، وجميع أنواع العمل.

فقوله تعالى: {فَامْشُوا} أمر، لكن هل يقتضي الوجوب؟

في الحقيقة إن الأمر في هذا الموطن يقتضي الإباحة، فلا يجب عليك أن تمشي في المناكب -إن كان عندك سعة- فالأمر أمر إباحة، كما قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} [الجمعة: 10] .

هل يجب عليك أن تنتشر في الأرض إذا قضيت الصلاة، أو يجوز لك أن تمكث في المسجد؟

فقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} فيه إباحة الانتشار، وليس وجوب الانتشار، لكن على كلٍ فقوله سبحانه: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا} حث على البحث عن الأرزاق في الأرض، ونبي الله داود كان يأكل من عمل يده، وكان يعمل سابغات، وغيره من الأنبياء كذلك، فهذا سلوكهم -عليهم الصلاة والسلام- يأكلون من عمل أيديهم، فكل الأنبياء كانوا يعملون ويجتهدون -عليهم الصلاة والسلام-، وكذلك السلف الصالح، كانوا متعففين لا يمدون أيديهم للناس.

بل يذهبون إلى العمل، وهكذا كان الصحابة، فالذين يظنون أن ديننا مبني على مد اليد، وعلى التكاسل وعلى البلادة ظنهم خاطئ، فاليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا يد المعطي واليد السفلى يد الآخذ، فالعمل ليس بعيب أبدًا، امتهن أي مهنة، حتى لو يأخذ أحدكم أحبله فيحتطب، خير له من أن يأتي هذا فيسأله، ويأتي هذا فيسأله.

وأمر بالسير وهو عمل، فقال: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [الأنعام: 11] فهذه الأوامر كلها: «اعملوا، اسعوا، امشوا، سيروا» تحث على العمل، وتأمر به، فالإسلام دين العمل والحركة والإنتاج، وليس دين خمول وكسل وقعود، اعملوا فالدنيا دار عمل، عمل يوصل إلى رضوان الله، وإعمار الأرض، ونفع الخلق.

اعملوا عملًا يوصلكم إلى الآخرة عملًا صالحًا متقبلًا، على وفق مراد الله تعالى؛ ولهذا قال: {فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ} سيراه ويطلع عليه، وهذه الرؤية ليست مجرد نظر، لا قيمة له، وإنما بعدها حساب وجزاء على هذه الأعمال، فاعملوا شكرًا لا كفرًا، اعملوا اعمارًا لا دمارًا، بناءً لا خرابًا، إصلاحًا لا إفسادًا، خيرًا لا شرًا.

ومن أوامر القرآن التي تحث على العمل والسعي، قوله تعالى: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [الكهف: 110] .

فالعمل محمود، شرط أن يكون صالحًا صوابًا، ولا يذم إلا إذا كان خلاف ذلك، فلا ينفع العمل صاحبه إلا بهذا، وإلا فقد ذم الله قومًا عملوا، لكن ما نفعهم عملهم؛ لأنه لم يكن صوابًا، فقال: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) } [الغاشية: 3] .

عملت عملًا كثيرًا، فنصبت وتعبت، لكنها تصلى نارًا حامية.

2.مدح أجر أهل العمل الصالح.

ومن أساليب الحث على العمل الصالح مدح أجر العاملين، قال تعالى: {فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر: 74] .

فقوله: {فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} أي: فنعم ثواب المطيعين لله، العاملين له في الدنيا، الجنة لمن أعطاه الله إياها في الآخرة 129.

والمراد من العمل الإيمان والتقوى في الدنيا، بأداء الفرائض، واجتناب النواهي.

وفي هذه العبارة: {فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} حث وأي حث على العمل الصالح؛ لصدورها من الله، قال مقاتل: هذا ليس من كلام أهل الجنة، بل الله تعالى لما حكى ما جرى بين الملائكة وبين المتقين من صفة ثواب أهل الجنة، قال بعده: {فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} 130.

3.ضمان أجر العمل الصالح.

ومن أساليب القرآن الكريم في الحث على العمل أنه أخبر: إن الله تعالى لا يضيع عمل عاملٍ، وأن كل عامل يجد ما عمله من خير محضرًا، لا ينقص منه شيء، ولو كان قليلًا، قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت