قال تعالى: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28) } [الكهف:28] .
قال الخازن في تفسير هذه الآية: « {وَلَا تَعْدُ} أي: لا تصرف ولا تجاوز {عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} إلى غيرهم {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي: تطلب مجالسة الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} أي: جعلنا قلبه غافلًا عن ذكرنا {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} أي: في طلب الشهوات {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ضياعًا ضيع أمره وعطل أيامه» 65.
والآية الكريمة تسوق للناس توجيهًا حكيمًا في بيان القيم الحقيقية للناس، وهي أنها تتمثل في الإيمان والتقوى، لا في الغنى والجاه 66، وأن الشرف بحلية النفس لا بزينة الجسد وزخرف الحياة من اللباس والطعام 67.
وقد أمر الله تعالى في موضع آخر بالإعراض عن المتولي عن ذكره، القاصر نظره على الحياة الدنيا، حيث قال جل وعلا: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) } [النجم:29] .
قال أبو حيان في هذه الآية: «فأمر صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن من هذه حاله، ثم ذكر سبب التولي عن الذكر، وهو حصر إرادته في الحياة الدنيا؛ فالتولي عن الذكر سبب للإعراض عنهم، وإيثار الدنيا سبب التولي عن الذكر، وذلك إشارة إلى تعلقهم بالدنيا وتحصيلها» 68.
وفي الآية تحذير من مخالطة الغافلين والصحبة لهم، فإن صحبتهم سم قاتل، والجلوس معهم تضييع وبطالة، إلا أن يستولي نور من يصحبهم على ظلمتهم، فيجرهم إلى الله، فهذا جلوسه معهم كمال 69.
إن الإنسان اجتماعي بطبعه، ميال إلى الاجتماع بالناس والاستئناس بهم، فعندما يتخذ صاحبًا له لا بد أن يكون هناك رابطٌ بينهما هو الذي أدى إلى اجتماعهما وصحبتهما، فالإنسان إنما يجالس ويخالط من هو في جنسه الذي يتفق مع ميوله وأفكاره، فإذا ما حصل الاتفاق لا بد أن يؤثر أحد في الآخر، فالمخالطة والصحبة إذًا لا تخلو من رابط، وهو ما يسمى بالسبب أو الدافع الذي أدى إلى تلك الصحبة، فلو لم يكن هناك سبب أو دافع بينهما، لما استأنس كل منهما بصاحبه.
وسوف نذكر في هذا المبحث أسباب الصحبة، وهي على وجهين 70:
أولًا: ما كان اضطراريًا:
وهي أسباب مكتسبة من غير قصد واختيار بسبب المماثلة والاتفاق بين الصاحبين في أمور شتى 71، كصحبة يوسف عليه السلام للفتيين في السجن، فقد كانت من غير قصد واختيار، وسببها المماثلة أو الموافقة في الأحوال، قال ابن عاشور في قوله تعالى: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) } [يوسف:39] .
«وعبر عنهما بوصف الصحبة في السجن دون اسميهما إما لجهل اسميهما عنده إذ كانا قد دخلا السجن معه في تلك الساعة قبل أن تطول المعاشرة بينهما وبينه، وإما للإيذان بما حدث من الصلة بينهما وهي صلة المماثلة في الضراء الإلف في الوحشة، فإن الموافقة في الأحوال صلة تقوم مقام صلة القرابة أو تفوقها» 72.
ثانيًا: ما كان عن قصد واختيار:
وهي أسباب مكتسبة بقصد ونية بسبب الرغبة والحاجة 73، كصحبة موسى عليه السلام للعبد الصالح ورغبته في التزود من العلم الذي وهبه الله إياه، قال تعالى: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} [الكهف:66] .
قال الشعراوي: «ورغم أن موسى رسول من عند الله إلا أنه لم يتأب على أن عبدًا من عباد الله تقرب إلى الله فاتبعه موسى ليقول له: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} ، وفي هذا تأكيد على رغبة موسى أن يستزيد بالعلم ممن أعطاه الله العلم، وجاء القرآن بهذه القصة ليعلمنا أدب التعلم» 74.
وكحاجته كذلك لأخيه هارون عليه السلام في صحبته لتبليغ دينه جل وعلا، قال تعالى: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34) } [القصص:34] .
قال ابن كثير: «أي: وزيرًا ومعينًا ومقويًا لأمري، يصدقني فيما أقوله وأخبر به عن الله عز وجل؛ لأن خبر اثنين أنجع في النفوس من خبر واحد؛ ولهذا قال: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} » 75.
فوهب الله تعالى لموسى أخاه هارون عليهما السلام رحمةً بموسى؛ لأن هارون كان معينًا لأخيه ومساندًا له في مسألة الدعوة، وهذه لم تحدث مع نبي آخر أن يجعل الله له معينًا في حمل هذه المهمة 76.
قال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) } [مريم:53] .
ولهذا قال بعض السلف: ليس أحد أعظم منة على أخيه، من موسى على هارون، عليهما السلام، فإنه شفع فيه حتى جعله الله نبيًا ورسولًا معه إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى في حق موسى عليه السلام: {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب:69] 77.
وفي سؤاله من ربه يقول القرطبي في قوله تعالى: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) } [الشعراء:13] .
«وكأن موسى أذن له في هذا السؤال، ولم يكن ذلك استعفاء من الرسالة، بل طلب من يعينه، ففي هذا دليل على أن من لا يستقل بأمر، ويخاف من نفسه تقصيرًا، أن يأخذ من يستعين به عليه، ولا يلحقه في ذلك لوم» 78.
اعلم أن لقوام الصحبة حقوقًا، فبقدر تأديتها أو الإخلال بها تدوم تلك الصحبة أو تنخرم، فعلى المؤمن أن يحفظ لصاحبه حق صحبته وحسن عشرته، فلا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل ما ترى له، وسوف يكون حديثنا في هذا المبحث عن حقوق الصحبة، ومن تلك الحقوق ما يأتي:
أولًا: الإحسان للصاحب:
أمر الله جل وعلا بالقيام بحقوق العباد الأقرب فالأقرب، ومن تلك الحقوق حق الصاحب وذلك بالإحسان إليه.
قال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [النساء:36] .
قال النيسابوري: « {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} وهو الذي حصل بجنبك إما رفيقًا في سفر، وإما جارًا ملاصقًا، وإما شريكًا في تعلم أو حرفة، وإما قاعدًا إلى جنبك في مجلس، أو في مسجد أو غير ذلك من أدنى صحبة اتفقت بينك وبينه، فعليك أن تراعي ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان، وقيل: الصاحب بالجنب المرأة؛ فإنها تكون معك وتضطجع إلى جنبك» 79.
وأما السعدي فيقول في تفسير هذه الآية: « {وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} قيل: الرفيق في السفر، وقيل: الزوجة، وقيل الصاحب مطلقًا، ولعله أولى، فإنه يشمل الصاحب في الحضر والسفر ويشمل الزوجة» 80.
ومن الإحسان إلى الصاحب الذي يكون بجنبك، ألا تؤذيه بمنظر كريه أو ريح كريهة، وأن تحافظ على الحياء في مجلسك، فلا تجعل نعلك يحف بثيابه أو بحيث يؤذيه، وأن تعاونه إن كان محتاجًا إلى معاونتك.
ثانيًا: النصح والإرشاد:
فمن حقوق الصحبة نصح الصديق لصديقه بإرشاده للحق، كما فعل يوسف عليه السلام مع صاحبي السجن حين دعاهما إلى عبادة الله تعالى وحده، وترك ما سواه من عبادة الأصنام.
قال تعالى: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40) } [يوسف:39 - 40] .
فناداهما باسم الصحبة في المكان الشاق الذي تخلص فيه المودة وتتمخض فيه النصيحة؛ ليقبلا عليه ويقبلا مقالته، وقد ضرب لهما مثلًا يتضح به الحق عندهما حق اتضاحٍ، وذلك في قوله تعالى: {يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} ، وقد تحدثنا عن ذلك في صحبة يوسف عليه السلام للفتيين في السجن ونكتفي بما ذكرناه 81.
وأما في وصفه للأصنام (بالتفرق) ، ووصف الله تعالى بـ (الوحدة) و (القهر) تلطف حسن، وأخذ بيسير الحجة قبل كثيرها الذي ربما نفرت منه طباع الجاهل وعاندته 82.
ثالثًا: الإعانة بالنفس والمال في قضاء الحاجات:
فمن حقوق الصحبة بذل المال والنفس للصاحب عند حاجته وافتقاره، كما بذل أبو بكر الصديق رضي الله عنه في صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم نفسه وماله في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، وقد ذكرنا ذلك في صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم ووقوفه معه في أصعب المواقف والشدائد 83.
ومنها ملاحقة الكفار لهم وهم في الغار، حيث أخبر الله جل وعلا عن ذلك الموقف ونصرته لهم بقول تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) } [التوبة:40] .
فنال بذلك شرف الصحبة وهو معه في الغار، بقوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} .
قال الخازن: «وفي هذا دليل على فضل أبي بكر الصديق، ومنها أن الله سبحانه وتعالى نص على صحبة أبي بكر دون غيره بقوله سبحانه وتعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ} .
ومنها: أن الله سبحانه وتعالى كان ثالثهما ومن كان الله معه دل على فضله وشرفه على غيره، ومنها إنزال السكينة على أبي بكر واختصاصه بها دليل على فضله، والله أعلم» 84.
وفي الآية كما ذكر بعض المفسرين عتاب من الله عز وجل لأهل الأرض جميعًا غير أبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه 85.
ومما يدل على بذله ما جاء في قوله تعالى: {وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) } [الليل:17 - 21] .
قال ابن كثير: «وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها، فإن لفظها لفظ العموم ولكنه مقدم الأمة وسابقهم في جميع هذه الأوصاف وسائر الأوصاف الحميدة؛ فإنه كان صديقًا تقيًا كريمًا جوادًا بذالًا لأمواله في طاعة مولاه، ونصرة رسول الله، فكم من دراهم ودنانير بذلها ابتغاء وجه ربه الكريم» 86.
ومن باب الفائدة، فقد ذكر ابن الجوزي ثلاث مراتب في بذل المال للصاحب وإعانته: أهونها: المساهمة في المال، وأوسطها المواساة، وأعلاها تقديم الأخ في المال على النفس 87.
رابعًا: العفو عن زلات وهفوات الصاحب:
وأما العفو عن الزلات؛ فذلك بأن يقيل عثرات أخيه، ويعفو عن زلاته، وأن يلتمس له أعذارًا، وأن لا يعترض على هناته دون روية؛ فإن ذلك قد يبعث على القطيعة والهجران 88.
وقد أرشد الله عز وجل إلى ذلك، حيث قال جل وعلا في محكم التنزيل: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت:34] .
قال أبو الطيب: «أي ادفع السيئة إذا جاءتك من المسيء بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات، ومنه مقابلة الإساءة بالإحسان، والذنب بالعفو، والغضب بالصبر، والإغضاء عن الهفوات، والاحتمال للمكروهات» 89.
قال ابن عباس: أمر الله تعالى بالصبر عند الغضب، والحلم والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم عدوهم، كأنه ولي حميم 90.
وفي قوله تعالى: {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} ، يقول البغوي: «يعني إذا فعلت ذلك خضع لك عدوك وصار الذي بينك وبينه عداوة، كأنه ولي حميم، كالصديق القريب» 91.
فإذا أساء إليك مسيء من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك، كالأقارب، والأصحاب، ونحوهم، إساءة بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فصله، وإن ظلمك فاعف عنه، وإن تكلم فيك غائبًا أو حاضرًا، فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين، وإن هجرك وترك خطابك، فطيب له الكلام، وابذل له السلام، فإذا قابلت الإساءة بالإحسان، حصل فائدة عظيمة 92.
إن للصحبة أثرًا عميقًا في شخصية المرء وأخلاقه وسلوكه، والصاحب يكتسب صفات صاحبه بالتأثر والاقتداء، فالإنسان اجتماعي بالطبع، ولا بد أن يخالط الناس ويكون له منهم أخلاء وأصدقاء، فإن كانوا أصحاب سوء تأثر بهم وبأخلاقهم السيئة، وإن كانوا أصحاب خير وصلاح تأثر بأخلاقهم الحميدة، وأعمالهم المرضية لله عز وجل، وكانوا له عونًا على طاعة المولى جل علا.
قال عليه الصلاة والسلام: (المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) 93.
وصدق الشاعر حيث قال 94:
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم
ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
وسوف يكون حديثنا في هذا المبحث عن آثار الصحبة الصالحة والسيئة في الدنيا، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: آثار الصحبة الصالحة:
اعلم أن للأخوة الصالحة أثرًا عظيمًا في سلوك المؤمن، فإذا أراد الله تعالى بالعبد خيرًا قيض له صحبةً من الأخيار، وهيأ له من الإخوان من يعينه على صلاح نفسه، فلا يلبث أن يبلغ قدرهم أو يبرز عليهم، ومن آثار تلك الصحبة في الدنيا:
1.الإعانة على طاعة الله وذكره جل وعلا.
فالصحبة الصالحة خير معين على طاعة الله وذكره، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر:1 - 3] .
قال الطبري: «وقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} يقول: وأوصى بعضهم بعضًا بلزوم العمل بما أنزل الله في كتابه، من أمره واجتناب ما نهى عنه فيه، وقوله: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} يقول: وأوصى بعضهم بعضًا بالصبر على العمل بطاعة الله» 95.
وفي جعل التواصي بالصبر قرينًا للتواصي بالحق دليل على عظيم قدره وفخامة شرفه، ومزيد ثواب الصابرين على ما يحق الصبر عليه إن الله مع الصابرين، وأيضًا التواصي بالصبر مما يندرج تحت التواصي بالحق، فإفراده بالذكر وتخصيصه بالنص عليه من أعظم الأدلة الدالة على إنافته على خصال الحق، ومزيد شرفه عليها، وارتفاع طبقته عنها 96، وكرر الفعل لاختلاف المفعولين 97.
وعندما بعث الله تعالى موسى عليه السلام بالرسالة، سأل ربه أن يعينه بأخيه، ويقويه به فيما حمله من الرسالة والقيام بها.
قال تعالى: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) } [طه:29 - 32] .
ثم ذكر العلة في ذلك، حيث قال جل وعلا: {كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) } [طه:33 - 34] .
يقول السعدي: «علم عليه الصلاة والسلام أن مدار العبادات كلها والدين على ذكر الله؛ فسأل الله أن يجعل أخاه معه يتساعدان ويتعاونان على البر والتقوى، فيكثر منهما ذكر الله من التسبيح والتهليل، وغيره من أنواع العبادات» 98.
فهذه هي العلة في مشاركة هارون لأخيه في مهمته، لا طلبًا لراحة نفسه، وإنما لتتضافر جهودهما في طاعة الله، وتسبيحه وذكره 99.
2.الثبات على الحق في الشدائد.
إن الثبات على الحق، والصبر على المحن والبلاء، يجعل الإنسان في راحة وطمأنينة دائمًا، ويشعر بمعية الله جل وعلا، وقد ذكر الله تعالى في محكم التنزيل موقف موسى عليه السلام، مع أصحابه عندما خرجوا، وطاردهم فرعون وجنوده.
قال تعالى واصفًا ذلك الموقف: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) } [الشعراء: 61 - 62] .
قال القرطبي: «لما لحق فرعون بجمعه جمع موسى وقرب منهم، ورأت بنو إسرائيل العدو القوي والبحر أمامهم ساءت ظنونهم، وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} فرد عليهم قولهم وزجرهم وذكرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر {كَلَّا} أي: لم يدركوكم {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي} أي: بالنصر على العدو {سَيَهْدِينِ} أي: سيدلني على طريق النجاة» 100.
فلما عظم البلاء على بني إسرائيل، ورأوا من الجيوش مالا طاقة لهم به بين الله سبحانه له طريق الهداية، فأمره بضرب البحر، وبه نجا بنو إسرائيل، وهلك عدوهم 101، وإسناد المعية إلى الرب في قوله تعالى: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي} على معنى مصاحبة لطف الله به وعنايته بتقدير أسباب نجاته من عدوه، وذلك أن موسى واثق بأن الله منجيه لقوله تعالى: {إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} [الشعراء:15] .
وقوله تعالى: {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} [الشعراء:52] .
واقتصر موسى على نفسه في قوله: {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} ؛ لأنهم لم يكونوا عالمين بما ضمن الله له من معية العناية، فإذا علموا ذلك علموا أن هدايته تنفعهم؛ لأنه قائدهم والمرسل لفائدتهم، ووجه اقتصاره على نفسه أيضًا أن طريق نجاتهم بعد أن أدركهم فرعون وجنده لا يحصل إلا بفعل يقطع دابر العدو، وهذا الفعل خارق للعادة فلا يقع إلا على يد الرسول 102.
3.غرس الثقة بالله تعالى.
فالصحبة الصالحة تغرس الثقة بالله في النفوس، وقد ذكر الله لنا موقف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عندما كان في الغار، والكفار على بابه، وهو يطمئن صاحبه وهو واثق بنصره تعالى.
قال جل وعلا: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] .
يقول الطبري: «إذ يقول رسول الله لصاحبه أبي بكر: {لَا تَحْزَنْ} ، وذلك أنه خاف من الطلب أن يعلموا بمكانهما، فجزع من ذلك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تحزن) ، لأن الله معنا والله ناصرنا، فلن يعلم المشركون بنا ولن يصلوا إلينا» 103.
فمن كان في طاعة الله، مستعينًا بالله، واثقًا بوعد الله، راجيًا ثواب الله، فإن الله معه، ومن كان الله معه فلا خوف عليه 104.
4.بركة المجالسة والذكر الحسن.
فمرافقة الصالحين ينال منها الإنسان الثناء والذكر الحسن، ألم تر إلى كلب أصحاب الكهف، فقد ذكر في القرآن الكريم، لأنه سار مع الصالحين، حيث قال جل وعلا: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف:18] .
يقول القرطبي: «إذا كان بعض الكلاب قد نال هذه الدرجة العليا بصحبته، ومخالطته الصلحاء والأولياء حتى أخبر الله تعالى بذلك في كتابه جل وعلا، فما ظنك بالمؤمنين الموحدين المخالطين المحبين للأولياء والصالحين» 105.
فإن من جالسهم تشمله بركة مجالستهم، ويعمه الخير الحاصل لهم، وإن لم يكن عمله بالغًا مبلغهم؛ كما دل على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله، تنادوا: هلموا إلى حاجتكم) ، وفي آخر الحديث: (فيقول الله: فأشهدكم أني قد غفرت لهم، قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم) 106.
ثانيًا: آثار الصحبة السيئة: