وقال الرازي: «يجب على كل نبي أن يكون مصدقًا لجميع الأنبياء عليهم السلام، لأن الطريق إلى ثبوت نبوتهم هو المعجزة، فكل من حصل له المعجز، وجب الاعتراف بنبوته، فلهذا قلنا: بأن عيسى عليه السلام يجب أن يكون مصدقًا لموسى بالتوراة، ولعل من جملة الأغراض في بعثة عيسى عليه السلام إليهم: تقرير التوراة، وإزالة شبهات المنكرين وتحريفات الجاهلين» 35.
ولقد جاء القرآن مهيمنًا على جميع الكتب السابقة، أي: رقيب عليها، لأنه يشهد بصحتها، ويقرر أصولها، وما يتأبّد من فروعها، ويبيّن أحكامها المنسوخة بتعين وقت انتهاء مشروعيتها، أو على معنى أنه أمين عليها، فما أخبر عن صدقه مما ورد فيها صدّق، وما أخبر بزيفه فهو باطل أو على معنى أنه الحافظ لها، فهو الذي حفظ ما جاء فيها من التوحيد، وكليات الدين إلى يوم القيامة، أو على معنى أنه دال على صدقها، أي هو دليل على أنها من عند الله، لأنه جاء كما نعتته هذه الكتب، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة:48] .
قال الطبري: «أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك، يا محمد، مصدّقًا للكتب قبله، وشهيدًا عليها أنها حق من عند الله، أمينًا عليها، حافظًا لها» 36.
وقال الزمخشري: «مهيمنًا ورقيبًا على سائر الكتب؛ لأنه يشهد لها بالصحة والثبات» 37.
قال الواحدي: «أي: شاهدًا وأمينًا وحفيظًا ورقيبًا على الكتب التي قبله» 38.
رابعًا: القرآن مكذّب للتوراة المحرفة:
أنزل الله التوراة على اليهود، فحرفوها وخلطوا الحق بالباطل.
قال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) } [البقرة:42] .
ولم يتكفل الله بحفظ التوراة، لكنه فند لنا كذب اليهود وافتراءهم عليه وعلى أنبيائه في كثيرٍ من الآيات، نقف على بعض الأمثلة.
المثال الأول: وصفوا الله بأنه ندم على فعله؛ فمن ذلك قولهم: «فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه» 39.
وقد كذبهم الله في ذلك فقال: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) } [الأنبياء:23] . وقال أيضًا: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77) } [الفرقان:77] . وهل يندم إلا الغر الجاهل بالعواقب، والله عز وجل منزه عن ذلك 40.
المثال الثاني: وصفهم الله عز وجل بالتعب، فقد زعم اليهود في كتابهم أن الله عز وجل تعب من خلق السموات والأرض فاستراح في اليوم السابع، فقد ورد في توراتهم المحرفة ما نصه: «وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل» 41.
وورد أيضًا: «لأنه في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض، وفي اليوم السابع استراح وتنفس» 42.
وقد ردّ الله عز وجل عليهم، وبيّن بطلان قولهم هذا في قوله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) } [ق:38] .
المثال الثالث: تزعم التوراة أن بني إسرائيل رأوا الله عز وجل، فتقول: «لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء» 43، «وفيها ورأوا إله إسرائيل، وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف، وكذات السماء في النقاوة، ولكنه لم يمد يده إلى أشراف بني إسرائيل فرأوا الله، وأكلوا وشربوا» 44، وجاء أيضًا: «ويكلم الرب موسى وجهًا لوجه، كما يكلم الرجل صاحبه» 45.
وقد فند القرآن كذبهم فقال: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) } [البقرة:55] .
وقال أيضًا: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف:155] .
بل إن موسى عليه السلام نفسه لم ير الله عز وجل كما قال القرآن الكريم: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) } [الأعراف:143] .
المثال الرابع: ولقد اعتدوا على أنبياء الله، فقالوا عن نوح عليه السلام: «وابتدأ نوح يكون فلاحًا، وغرس كرمًا، وشرب من الخمر وتعرى داخل خبائه» 46.
هكذا وصفوا نبي الله نوحًا عليه السلام وهو أول أنبياء الله إلى المشركين، والذي دعا قومه إلى دين الله ألف سنة إلا خمسين عامًا كما ذكر الله عز وجل، حيث قال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) } [العنكبوت:14] .
ولقد امتن الله على بني إسرائيل أنهم ذرية ذلك العبد الصالح نوح عليه السلام فقال تعالى: {وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) } [الإسراء:2 - 3] 47.
المثال الخامس: زعموا أن هارون عليه السلام هو الذي صنع لهم العجل ودعاهم إلى عبادته، فقالوا: «ولما رأى الشعب أن موسى أبطأ في النزول من الجبل، اجتمع الشعب على هارون، وقالوا له: قم اصنع لنا آلهة تسير أمامنا ... فقال لهم هارون: انزعوا أقراط الذهب التي في أذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها .... فأخذ ذلك من أيديهم، وصوره بالإزميل، وصنعه عجلًا مسبوكًا، فقالوا: هذه آلهتك يا إسرائيل» 48.
وقد بين الله عز وجل في القرآن أن الذي صنع لهم العجل هو السامري، فقال عز وجل: {قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) } [طه:85] .
أما هارون عليه السلام فقد قام بواجبه من ناحية نهيهم عن عبادة العجل، قال تعالى: {وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) } [طه:90] .
لقد أنزل الله على النبيين الرسالات، واختص موسى بالتوراة؛ {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة:44] .
والصحف؛ {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19) } [الأعلى:19] .
والألواح؛ {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف:145] .
وهناك من فرّق بينهم، قال ابن كثير: «وقيل: الألواح أعطيها موسى قبل التوراة» 49.
ولم يثبت بخبرٍ صحيح أن التوراة غير الألواح وغير الصحف، بينما كثير من المفسرين اعتبروها شيئًا واحدًا.
قال القرطبي: « {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} [الأعراف:145] : يريد التوراة» 50.
قال السمعاني: «في قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ} أراد به التوراة» 51.
وقال الزحيلي: «أنزل الله تعالى على موسى الألواح، وفيها التوراة المشتملة على أصول العقيدة والأخلاق والآداب والشريعة والأحكام المفصلة المبينة للحلال والحرام» 52.
«وتختلف الروايات والمفسرون في شأن هذه الألواح، ويصفها بعضهم أوصافًا مفصلة- نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير- ولا نجد في هذا كله شيئًا عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه، وما تزيد تلك الأوصاف شيئًا أو تنقص من حقيقة هذه الألواح، أما ما هي، وكيف كتبت، فلا يعنينا هذا في شيء، بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شيء» 53.
وما ذكره القرآن بشأنها هو تلقي موسى عليه السلام لها، وذهابه بها إلى قومه، ثم إلقائها عند غضبه منهم، وفيما يلي تفصيل ذلك.
أولًا: موسى عليه السلام يتلقى الألواح على جبل الطور:
لقد تلقى موسى الألواح عند ذهابه لميقات ربه على جبل الطور.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) } [الأعراف:143 - 144] .
بعد أن ذكر الله ما أنعم به على بنى إسرائيل، من النجاة من العبودية، ومن جعلهم أمة حرة مستقلة قادرة على القيام بما يشرعه الله لها من العبادات والأحكام، ذكر هنا بدء وحي الشريعة لموسى عليه السلام، ممتنّا عليهم بما حصل لهم من الهداية بتكليم موسى وإعطائه التوراة، وفيها تفاصيل شرعهم وبيان ما يقرّبهم من ربهم من الأحكام، وقد روي أن موسى عليه السلام وعد بنى إسرائيل وهو بمصر، إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله؛ فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فبينت هذه الآيات كيفية نزول هذا الكتاب، وهو التوراة 54.
قال الواحدي: «ولمّا جاء موسى في الوقت الذي وقّتنا له، وسمع كلام الله، قال: ربّ إنّي قد سمعت كلامك فأنا أحبّ أن أراك، قال: لن تراني في الدّنيا، ولكن اجعل بيني وبينك ما هو أقوى منك وهو الجبل، فإن استقرّ مكانه أي: سكن وثبت، فسوف تراني، وإن لم يستقرّ مكانه فإنّك لا تطيق رؤيتي، كما أنّ الجبل لا يطيق رؤيتي، فلمّا ظهر وبان جعله دكًّا، أي: مدقوقًا مع الأرض كسرًا ترابًا، وسقط موسى مغشيًّا عليه، فلما أفاق قال: سبحانك! تبت إليك من مسألتي الرّؤية في الدّنيا، وأنا أوّل قومي إيمانًا، قال: يا موسى إني اتّخذتك صفوةً على الناس بوحيي، وكلّمتك من غير واسطة، فخذ ما آتيتك من الشّرف والفضيلة، وكن من الشاكرين لأنعمي في الدنيا والآخرة» 55.
وقد أمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ ما في الألواح بقوة، لأن الأمور العقدية بحاجة للأخذ بقوة.
قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) } [الأعراف:145] .
يقول سيد قطب: إن العقيدة أمر هائل عند الله، وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ الإنسان وحياته في هذه الأرض، وفي الدار الآخرة كذلك ... وأمر له هذه الخطورة عند الله، وفي حساب الكون، يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له جديته في النفس، وصراحته وحسمه، ولا ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تميع، ولا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته، فضلًا على أن تكاليفه باهظة لا يصبر عليها من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص 56.
ثانيًا: موسى عليه السلام يذهب بالألواح إلى قومه:
ولقد بدّلت بنو إسرائيل في غياب موسى عليه السلام لميقات ربه، فعبدوا العجل.
قال تعالى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) } [الأعراف:148] .
قال الثعلبي: «وكانت بنو إسرائيل في القبط بمنزلة أهل الجزية في الإسلام، وكان لهم يوم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي، فزامن ذلك عيدهم، فاستعاروا الحلي للقبط، فلما أخرجهم الله من مصر وغرق فرعون؛ بقيت تلك الحلي في أيديهم فاتخذ السامري منها عجلًا، وهو ولد البقر عجلًا جسدًا مجسّد لا روح فيه» 57.
فعبدوه، ثم تبين لهم الحق فندموا.
قال تعالى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149) } [الأعراف:149] .
قال القشيري: «حين تحققوا بقبح صنيعهم تجرّعوا كاسات الأسف ندمًا، واعترفوا بأنهم خسروا إن لم يتداركهم من الله جميل لطفه» 58.
ويقول ابن عطية: «وقول بني إسرائيل {لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا} إنما كان بعد رجوع موسى وتغييره عليهم، ورؤيتهم أنهم قد خرجوا عن الدين ووقعوا في الكفر» 59.
ولقد رجع موسى من ميقات ربه حاملًا الألواح لقومه.
قال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} [الأعراف:150] .
يقول بعض المفسرين إن الله قد أخبره بصنيع قومه قبل عودته، قال الطبري: «لأن الله كان قد أخبره أنه قد فتن قومه، وأن السامري قد أضلّهم، فكان رجوعه غضبان أسفًا لذلك» 60.
وقال البعض الآخر أنه عرف ذلك الصنيع بعد أن رآهم، قال الرازي مفصلًا المسألة: «اعلم أن قوله: ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا لا يمنع من أن يكون قد عرف خبرهم من قبل في عبادة العجل، ولا يوجب ذلك؛ لجواز أن يكون عند الرجوع ومشاهدة أحوالهم صار كذلك، فلهذا السبب اختلفوا فيه؛ فقال قوم: إنه عند هجومه عليهم عرف ذلك. وقال أبو مسلم: بل كان عارفًا بذلك من قبل، وهذا أقرب.
ويدل عليه وجوه:
الأول: أن قوله تعالى {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا} يدل على أنه حال ما كان راجعًا كان غضبان أسفًا، وهو إنما كان راجعًا إلى قومه قبل وصوله إليهم، فدل هذا على أنه عليه السلام قبل وصوله إليهم كان عالمًا بهذه الحالة.
الثاني: أنه تعالى ذكر في سورة طه أنه أخبره بوقوع تلك الواقعة في الميقات» 61.
قال السمعاني: «وكأن موسى رجع نادمًا حزينًا يقول: ليتني كنت فيهم فلم يقع لهم ما وقع» 62.
وفي قول موسى لهم: {أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} ، قال البيضاوي: «أعجلتم وعد ربكم الذي وعدنيه من الأربعين، وقدرتم موتي، وغيرتم بعدي كما غيرت الأمم بعد أنبيائهم» 63.
وقال الخازن: «وقيل معناه: أعجلتم سخط ربكم بعبادة العجل» 64.
ويقول ابن كثير: «استعجلتم مجيئي إليكم، وهو مقدر من الله تعالى» 65.
وخلاصة الأمر: أن موسى رجع من الطور بعد أن كلمه ربه، حاملًا ألواح التوراة، وقد استشاط غضبًا من قومه بسبب عبادتهم العجل.
ثالثًا: مشهد إلقاء موسى عليه السلام للألواح عند غضبه من قومه:
لقد عاد موسى من جبل الطور غضبان أسفًا حزينًا على ما صدر من قومه، ويصور لنا القرآن الكريم مشهد عودته غاضبًا مترجمًا غضبه بإلقاء الألواح، وجر رأس أخيه هارون.
قال تعالى: {وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) } [الأعراف:150] .
لقد عاد موسى إلى قومه غضبان أشد الغضب، يبدو انفعال الغضب في قوله وفعله، يبدو في قوله لقومه {بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ} ، ويبدو في فعله إذ يأخذ برأس أخيه يجره إليه ويعنفه، {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} ، وحق لموسى عليه السلام أن يغضب، فالمفاجأة قاسية، والنقلة بعيدة: تركتكم على الهدى فخلفتموني بالضلال، وتركتكم على عبادة الله، فخلفتموني بعبادة عجل جسد له خوار.
{وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} ، وهي حركة تدل على شدة الانفعال، فهذه الألواح هي التي كانت تحمل كلمات ربه، وهو لا يلقيها إلا وقد أفقده الغضب زمام نفسه، وكذلك أخذه برأس أخيه يجره إليه، وأخوه هو هارون العبد الصالح الطيب، فأما هارون فيستجيش في نفس موسى عاطفة الأخوة الرحيمة، ليسكن من غضبه، ويكشف له عن طبيعة موقفه، وأنه لم يقصر في نصح القوم ومحاولة هدايتهم.
{قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي} .
وهنا ندرك كيف كان القوم في هياجهم واندفاعهم إلى العجل الذهب، حتى لهموا بهارون إذ حاول ردهم عن التردي والانتكاس.
{فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ، وهذه أخرى يستجيش بها هارون وجدان الأخوة الناصرة المعينة، حين يكون هناك الأعداء الذين يشمتون، ولا تجعلني مع القوم الذين ضلوا وكفروا بربهم الحق، فأنا لم أضل ولم أكفر معهم، وأنا بريء منهم، عندئذ تهدأ ثائرة موسى أمام هذه الوداعة وأمام هذا البيان، وعندئذ يتوجه إلى ربه، يطلب المغفرة له ولأخيه، ويطلب الرحمة من أرحم الراحمين.
{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) } [الأعراف:151] .
وهنا يجيء الحكم الفاصل من الله 66، {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) } [الأعراف:152 - 153] .
واستكمالًا للمشهد، فلما هدأت نفس موسى وأذهب الله عنه الغضب عاد فأخذ الألواح.
قال تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) } [الأعراف:154] .
قال المراغي: «أي ولما سكن غضب موسى باعتذار أخيه إليه، ولجأ إلى رحمة ربه وفضله، وجأر بالدعاء له أن يغفر له ولأخيه خطاياهما؛ عاد إلى الألواح فأخذها، وفيها الهدى والرشاد من بارئ النسم لمن يرهب الله، ويخشى عقابه، ويرجو ثوابه» 67.
لقد وصف الله التوراة في القرآن الكريم بصفات عديدة؛ فقد وصفها بأنها هدى، وأنها نور، كما وصفها بالفرقان، والضياء، والذكر، والرحمة، وفيما يلي تفصيلٌ لتلك الصفات:
1.هدى.
قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) [المائدة:44] .
قال الطبري: «إنا أنزلنا التوراة فيها بيان ما سألك هؤلاء اليهود عنه من حكم الزانيين المحصنين» 68.
قال الزمخشري: «فيها هدىً يهدى للحق والعدل» 69.
وقال الرازي: «فالهدى: محمول على بيان الأحكام والشرائع والتكاليف» 70.
ويقول ابن الجوزي: «والهدى: البيان؛ فالتّوراة مبيّنة صحة نبوّة محمّد صلّى الله عليه وسلّم، ومبينة ما تحاكموا فيه إليه» 71.
وقال تعالى: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا) [الإسراء:2] .
قال ابن أبي حاتم: «جعله الله لهم هدى، يخرجهم من الظلمات إلى النور وجعله رحمة لهم» 72.
وجاء في روح البيان: «هاديًا لأولاد يعقوب، يهتدون إلى الحق والصواب بما فيه من الأحكام» 73.
وقال تعالى أيضًا: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ?3? مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ) [آل عمران:3 - 4] .
قال السمرقندي: «هدىً للنّاس معناه: وأنزل التّوراة على موسى، والإنجيل على عيسى عليهما السلام، بيانًا لبني إسرائيل من الضلالة» 74.
2.نور.
قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) [المائدة:44] .
قال الطبري: « (وَنُورٌ) يقول: فيها جلاء ما أظلم عليهم، وضياء ما التبس من الحكم» 75.
يقول الزمخشري: «ونورٌ يبين ما استبهم من الأحكام» 76.