فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 2431

ومن صور الاستعانة المباحة في أمور البر التي وردت بها السنة: دعاء الصالح الحي، فقد ثبت في صحيح مسلم أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر، وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القرنيين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: «إن رجلًا يأتيكم من اليمن يقال له أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض، فدعا الله فأذهبه عنه، إلا موضع الدينار أو الدرهم، فمن لقيه منكم فليستغفر لكم» 57.

وورد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للعباس عندما وقع الجدب: كنا إذا أجدبنا توسلنا بدعاء نبينا، فقم يا عباس! وادع الله لنا، فقام العباس ودعا 58.

خلاصة القول: إن الاستعانة المباحة هي: استعانة بالآخرين فيما يقدرون عليه، ولابد من ثلاثة شروط فيمن يستعان بهم: أن يكون حيًا حاضرًا قادرًا، فلو تخلف واحد من الثلاثة فهي استعانة شركية محرمة.

الأول: أهل العبادة والاستعانة بالله عليها:

أفضل أنواع الاستعانة وأكملها وأحبها إلى الله: الاستعانة بالله على طاعة الله، وكلما كان المؤمن أشد حبًا لله، ورجاء في فضله، وخوفًا من سخطه وعقابه كان على هذا الأمر أحرص، وعرف أن حاجته إليه أشد.

والمؤمن مأمور بأن يستعين الله تعالى في جميع شؤونه، حتى في شسع نعله، فإنه إذا لم ييسره الله لم يتيسر.

وهذا هو دأب الصالحين، ودأب خيار الناس، ودأب الصلحاء من البشر الذين استعانوا بربهم على إقامة الدين، وهؤلاء البشر هم الأنبياء والمرسلون الذين استعانوا بربهم، وأظهروا لنا هذه العبادة الجليلة.

فهذا خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام كان يقول: (وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ? عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) [هود: 88] .

وأيضًا قال نوح عليه السلام: (قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ) [يونس:71] .

لا يقول لهم: كفوا عنى أو ابتعدوا عنى، ولا تؤذوني، وإنما يقول لهم: اجمعوا كل ما عندكم أنتم وشركاؤكم، وكيدوني بكل ما تقدرون عليه من كيد ولا تؤخروني لحظة، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن عليكم أمركم غمة، لا تترددوا (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ) لأنه توكل على الله عز وجل، واستعان بربه سبحانه وتعالى.

وقال هود عليه السلام مثلها حين قال قومه له: (إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ? قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ(54) مِن دُونِهِ ? فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) [هود: 54 - 55] .

(فَكِيدُونِي) أي اجتمعوا على كيدي (ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ) أي لا تؤخروني ولا تعطوني مهلة، لماذا؟

(إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ? مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ? إِنَّ رَبِّي عَلَى? صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [هود: 56] .

سبحان الله! هذا القدر العظيم من التوكل على الله والاستعانة بالله جعله يحثهم -استهتارًا بمكرهم واستهانة بملكهم وتخطيطهم- يحثهم على أن يكيدوا له، وأن يجتمعوا على ذلك؛ لأنه متوكل على من خلقهم ومستعين بمن نواصيهم بيده (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) .

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان أكثر ما يكون في حياته اليومية أنه يستعين بالله، وكان دائمًا يقول كما في الترمذي بسند صحيح: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» 60.

لذلك فما من نبي وما من صالح إلا قد استعان بالله على طاعة الله.

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على غرس هذه المعاني العظيمة في قلوب أصحابه وأمته، فقد قال في الوصية الجامعة لابن عباس: «وإذا استعنت فاستعن بالله» 61.

وقال صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» 62.

فالحرص على ما ينفع عام في أمور الدين والدنيا.

والاستعانة بالله تكون بطلب عونه وتأييده وتحقيق ما ينفع.

والعجز هو ترك بذل السبب مع إمكانه؛ فنهي عنه.

وقد رتب النبي هذه الكلمات الثلاث ترتيبًا بديعًا لتوافق الحال؛ فإن معرفة المطلوب ومعرفة نفعه والحرص عليه متقدمة على الاستعانة على تحقيقه، وبعده الاستعانة؛ فيطلب العون من ربه على تحقيق ما ينفعه، وأن يهديه لكيفية تحصيله، ثم يبذل الأسباب التي أذن الله بها.

فالاستعانة بالله لا تعني إهمال الأخذ بالأسباب، ولا التعلق بالأسباب على أنها الفاعلة، إنما القلب يتعلق بالله، والجوارح تعمل بالأسباب التي هيأها الله في الكون.

وخلاصة القول: إن أفضل الخلق هم الذين أخلصوا العبادة والاستعانة لله تعالى، فحققوا (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] .

وهؤلاء بأفضل المنازل؛ فإنهم استعانوا بالله تعالى على عبادة الله، وحققوا المعنى الحقيقي للاستعانة، وذلك بأمرين:

أحدهما: التجاء القلب إلى الله تعالى، والإيمان بأن النفع والضر بيده، وأنه مالك الملك ومدبر الأمر، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه سميع عليم وقريب مجيب، فيستعين به راجيًا إعانته.

والآخر: بذل الأسباب التي هدى الله إليها وبينها، فيبذل في كل مطلوب ما أذن الله تعالى به من الأسباب.

الثاني: أهل الإعراض عن العبادة والاستعانة به في مرضاته:

من الناس من يغلب عليه الاستعانة بالله لتحقيق المطالب الدنيوية حتى تشغله عن المطالب الأخروية، فإن تحقق له ما يطلب من أمور الدنيا فرح به، وإن حرمه ابتلاء واختبارًا جزع وسخط؛ فهذا النوع في قلوبهم عبودية للدنيا، وقد تعجل لهم مطالبهم فتنة لهم، ثم تكون عاقبتهم سيئة؛ فإنهم شابهوا الكفار فيما ذمهم الله به.

فقال تعالى: (مَن كانَ يُريدُ العاجِلَةَ عَجَّلنا لَهُ فيها ما نَشاءُ لِمَن نُريدُ ثُمَّ جَعَلنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصلاها مَذمومًا مَدحورًا ?18? وَمَن أَرادَ الآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعيَها وَهُوَ مُؤمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعيُهُم مَشكورًا ?19? كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحظورًا ?20? انظُر كَيفَ فَضَّلنا بَعضَهُم عَلى بَعضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكبَرُ تَفضيلًا) [الإسراء: 18 - 21] .

وقال: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ? وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍھ) [الشورى: 20] .

وقال سبحانه: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُ ونَولَ?ئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ? وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 15 - 16] .

وأصل بلاء الكفار إيثارهم الحياة الدنيا على الآخرة، كما قال تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى? ?17?) [الأعلى: 16 - 17] .

وقال: (اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ?2?الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ) [إبراهيم: 2 - 3] .

وقال: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى? ?37?وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ?38?فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى? ?39?) [النازعات: 37 - 39] .

فهذا القسم هم الذين استعانوا بربهم، لكن ما استعانوا على العبادة، وإنما استعانوا على رغيف العيش، واستعانوا على الدرهم والدينار، واستعانوا على الدنيا، فهؤلاء ما استعانوا الاستعانة الحقة، فالاستعانة الحقة: أن يستعين بقدرة الله على عبادة الله جل في علاه، والله قد تكفل لهم بهذا الرزق، لكنهم لما جهلوا جهلًا مركبًا قالوا: الاستعانة نأخذ بها على أمر الدنيا لا على أمر الآخرة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نفث في روعي الروح الأمين أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أجلها ورزقها) 63. فأنت قد تكفل الله لك بالرزق الذي خلقه لك، فانشغل أنت بما خلقت له وهي العبادة.

الثالث: من له نوع عبادة بلا استعانة، أو باستعانة ناقصة:

وهم المبتدعة الضالة -وهم أهل عبادة- وهم: القدرية والمعتزلة، فهؤلاء يجتهدون في العبادة لله، لكنهم لا يستعينون بالله على أداء هذه العبادة؛ لأنهم يعتقدون أن الله لا يخلق أفعال العباد، والعبادة أفعال تخرج منهم، وهذه الأفعال هم يخلقونها، لكنهم لا ينكرون فضل الله عليهم كاملًا، فهم يقولون: إن الله خلق لنا آلات نستعين بها على العبادات، كالسمع فنسمع القرآن، ونسمع الأذان فنذهب نصلي، وكالبصر فنقرأ القرآن ونعقل عن الله أوامره، ونقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وكالماء خلقه الله لنتوضأ، وكالطعام نستعين به على الطعام، فهم يريدون الاستعانة بأنفسهم، وجعلوا أنفسهم خالقين مع الله تعالى، ولذلك قال بعض علمائنا: إن المعتزلة أصحاب أجرة، يقولون: الجنة لنا بأعمالنا وليست برحمة الله جل في علاه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته) 64.

فهؤلاء قد ضلوا في باب الاستعانة، وما حققوا قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5] .

فما سددوا وما وفقوا، بل خسروا كثيرًا، ونسأل الله جل وعلا أن يهدينا وإياهم سواء السبيل.

وخلاصة القول: إن العباد كلهم مجبولون على الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه في شؤونهم، ولكن حسن الاستعانة والتوكل يختلفان من قلب إلى قلب، ومن شخص إلى شخص، فبقدر قوة الإيمان واليقين عند العبد بقدر ما يقوي عامل الاستعانة بالله، وحسن الظن به، وتسليم الأمر له؛ لعلم القلب بحاجته إلى فضل الله تعالى وتيسير أمره.

أولًا: التعاون المشروع وفوائده:

من القيم الإنسانية الرائعة والأسس الحضارية الرصينة للمجتمع المسلم التعاون الإنساني، فالتعاون ضرورة من ضرورة الحياة، ولولاه لما استقامت، فالإنسان لا ينهض وحده بكل متطلبات الحياة، بل جعل الله الناس متفاوتين متفاضلين؛ ليكمل بعضهم بعضًا، ويخدم بعضهم بعضًا، هذا على مستوى الأفراد والشعوب، كذلك على مستوى الأمم.

قال تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ? نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ? وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [الزخرف: 32] .

« (وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) أي أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح، ولم نفوض أمرها إليهم، علمًا منا بعجزهم عن تدبيرها بالكلية، (دَرَجَاتٍ) في الرزق وسائر مبادئ المعاش (?لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) متفاوتة بحسب القرب والبعد، حسبما تقتضيه الحكمة فمن ضعيفٍ وقوىٍ، وفقير وغنيٍ، وخادم ومخدوم، وحاكم ومحكوم؛ (لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ? وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) ؛ ليصرف بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم؛ حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم» 65.

(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ? نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) «أي ليستعمل بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قومٌ دون آخرين، فجعل البعض محتاجًا إلى البعض؛ لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج هذا إلى هذا وبالعكس، ويصنع هذا لهذا، ويعطي هذا لهذا؛ حتى يتعايشوا، ويترافدوا، ويصلوا إلى مرافقهم» 66.

«فالناس بحكم هذا الاختلاف القائم بينهم، وبحسب استعدادهم الفطري، وحكم ظروفهم وأحوالهم هم جميعًا مسخرون، أي يخدم بعضهم بعضًا، ليس فيهم خادم ومخدوم، بل كلهم يخدم ويخدم، ويستوي في هذا العالم والجاهل، والزارع، والصانع، والقوي والضعيف، والحاكم والمحكوم، إنهم جميعًا أشبه بالآلة الميكانيكية، لا تكون آلة عاملة، ذات قوة محركة، إلا إذا عمل كل جزء من أجزائها، أيًا كان وضعه فيها، وأيًا كانت قيمته الذاتية بين أجزائها، بل إنهم أشبه بالجسد الإنساني في تجاوب أعضائه جميعًا في العمل على كل ما من شأنه أن يحفظ عليه حياته، ويوفر له أمنه وسعادته» 67.

عن قتادة قال: قال الله تبارك وتعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) «فتلقاه ضعيف الحيلة، عيي اللسان، وهو مبسوط له في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة، سليط اللسان، وهو مقتور عليه.

قال الله جل ثناؤه: كما قسم بينهم صورهم وأخلاقهم، تبارك ربنا وتعالى» 68.

لقد عرف الناس هذه الحقيقة منذ كان لهم وجود اجتماعي، بل إن هذا الوجود الاجتماعي نفسه إنما دعتهم إليه حاجة بعضهم إلى بعض، وخدمة بعضهم لبعض .. وهذا ما يشير إليه المعري بقوله 69:

والناس بالناس من حضرٍ وباديةٍ

بعضٌ لبعضٍ، وإن لم يشعروا خدم

والتعاون بين البشر من فطرة الله التي فطر الناس عليها.

يقول ابن خلدون في مقدمته: «الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات في حيوانيته، من الحس والحركة والغذاء والكن وغير ذلك، وإنما تميز عنها بالفكر الذي يهتدي به؛ لتحصيل معاشه والتعاون عليه بأبناء جنسه، والاجتماع المهيء لذلك التعاون، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به، واتباع صلاح أخراه» 70.

وقال: «قد عرف وثبت أن الواحد من البشر غير مستقل لتحصيل حاجاته في معاشه، وأنهم متعاونون جميعًا في عمرانهم على ذلك، والحاجة التي تحصل بتعاون طائفة منهم تشتد ضرورة الأكثر من عددهم أضعافًا، فالقوت من الحنطة مثلًا لا يستقل الواحد بتحصيل حصته منه، وإذا انتدب لتحصيله الستة أو العشرة من حداد، ونجار للآلات، وقائم على البقر، وإثارة الأرض، وحصاد السنبل، وسائر مؤن الفلح، وتوزعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا، وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت، فإنه حينئذ قوت لأضعافهم مرات، فالأعمال بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين وضروراتهم» 71.

ولقد دعا القرآن إلى التعاون بين الأفراد والمجتمعات والأمم.

قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ? وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2] .

«وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى، أي: ليعن بعضكم بعضًا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى، واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه، وامتنعوا منه» 72.

قال ابن كثير: «يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم والمحارم» 73.

وقال الماوردي: «ندب الله سبحانه إلى التعاون بالبر وقرنه بالتقوى له؛ لأن في التقوى رضا الله تعالى، وفي البر رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمت سعادته وعمت نعمته» 74.

وقال السعدي: «فإن في اجتماع المسلمين على دينهم، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها، من التعاون على البر والتقوى» 75.

وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) فقال: «هو أن تعمل به، وتدعو إليه، وتعين فيه، وتدل عليه» 76.

وقال ابن القيم رحمه الله في تلك الآية: «اشتملت هذه الآية على جميع مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، فيما بينهم بعضهم بعضًا، وفيما بينهم وبين ربهم، فإن كل عبد لا ينفك عن هاتين الحالتين وهذين الواجبين: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخلق، فأما ما بينه وبين الخلق من المعاشرة والمعاونة والصحبة، فالواجب عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونًا على مرضاة الله وطاعته، التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي البر والتقوى اللذان هما جماع الدين كله» 77.

ثم بين أهمية التعاون على البر والتقوى وأنه من مقاصد اجتماع الناس فقال: «والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم هو التعاون على البر والتقوى، فيعين كل واحد صاحبه على ذلك علمًا وعملًا، فإن العبد وحده لا يستقل بعلم ذلك ولا بالقدرة عليه؛ فاقتضت حكمة الرب سبحانه أن جعل النوع الإنساني قائمًا بعضه ببعضه، معينًا بعضه لبعضه» 78.

وهذا الكلام يدل قطعًا على أن توزيع المهمات لإنجاز الأعمال من التعاون المطلوب، وأن هذا التعاون بين الأفراد ينتقل بعمل كل منهم؛ ليصبح وظيفة عامة اجتماعية، تكفل العيش لعدد كبير من المجتمع، فالتعاون بين الأفراد وتقسيم العمل ظاهرتان ملازمتان للإنسان، ولا غنى له عنهما، وأن تعاون المجموعة لا ينتج ما يكفيهم فقط، وإنما يزيد ويفيض.

وهذا كلام عام في الأمور الدينية والدنيوية، فأما بالنسبة للتعاون الشرعي فإن الأسباب الدافعة لدى المسلم للتعاون على البر والتقوى والمشاركة في الخير عديدة، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فلقد كان يشارك أصحابه مشاركة فعالة في السلم والحرب.

فعن سهل بن سعدٍ الساعدي رضي الله عنه: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق، وهو يحفر ونحن ننقل التراب، ويمر بنا، فقال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة) 79.

فالإسلام ينظر للتعامل والعلاقات بين الناس على أنها قائمة على المشاركة والتعاون والتنافس، لا على الصراع كما يصور الماديون من الفلاسفة والحاقدون من المتعصبين، بل الحياة مشاركة وتعاون اجتماعي ودولي، فالتعاون من أجل الصالح للإنسانية، بينما يريدها أعداء الإسلام صراعًا بين البشر، وعراكًا بين الطوائف والأمم، من أجل الاستئثار والانفراد وتحقيق المكاسب المادية، وترويج السلع ونشر الثقافات على حساب الآخرين، وإلحاق الخسائر المادية والأدبية، وهذا لا يتفق مع مبدأ التعاون الإنساني الذي يقوم على أساس مد يد العون للآخرين، وتبادل المنافع ومراعاة المصالح، أما فكرة الصراع فهي فكرة خبيثة أفرزتها المذاهب المادية النفعية، والفلاسفة الماديون أصحاب الأفكار الهدامة والمتناقضة، كهيجل وماركس وغيرهم ممن نفقت مذاهبهم في الغرب.

فاللبنات المتناثرة هنا وهناك لا قيمة لها، لكن حين يبنى بها جدار متين فترى البنيان مرصوصًا، تدرك أهمية التماسك، ومتانة الترابط، وقوة التعاون.

قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) [الصف: 4] .

وتلك صورة من صور التعاون في حالة الحرب.

عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وشبك بين أصابعه 80.

فالتعاون من أصول البناء والتواصل الحضاري بين الأفراد وبين الأمم والشعوب.

ومن أبرز صور التعاون في المجتمع المسلم الأول:

ما في الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: (تزوجني الزبير رضي الله عنه، وما له في الأرض من مالٍ، ولا مملوكٍ، ولا شيءٍ غير ناضحٍ، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقي الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جاراتٌ لي من الأنصار، وكن نسوة صدقٍ، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهى مني على ثلثي فرسخٍ، فجئت يومًا والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفرٌ من الأنصار، فدعاني، ثم قال:(إخ إخ) ؛ ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت، فمضى، فجئت الزبير، فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى، ومعه نفرٌ من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه.

قالت: حتى أرسل إلي أبو بكرٍ بعد ذلك بخادمٍ يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني) 81.

وفي هذا الحديث: دليل على ما تحلى به هذا المجتمع النبوي من تراحم وتعاطف وتعاون وتكافل، فالمرأة تقف بجوار زوجها تساعده في حقله، والرجل يساعد المرأة في شؤون البيت، والجارة تكفي جارتها بعض الأعمال، والمجتمع يقف مع المرأة، ويمد لها يد العون، ويراعي ما جبلت عليه من حياءٍ وخجلٍ، والمرأة تراعي مشاعر زوجها، والرجل يشفق على زوجته، والأب يتفقد أحوال ابنته المتزوجة، ويسعى إلى التخفيف عنها ما أمكنه ذلك، نماذج رائعة تتجلى لنا من خلال هذا الحديث: الزوجة الصالحة التي تبذل ما في وسعها؛ لرعاية زوجها وبيتها، وتتجشم الصعاب وتواجه الأعباء بصبرٍ ورضا، فتكافح مع زوجها، وتعمل في البيت والحقل أعمالًا ليست باليسيرة، لكنها تصبر وتحتسب، والجيران الصادقون المتعاونون، وللتعاون بين الجيران أثرٌ عظيم في تخفيف الأعباء وتذليل الصعوبات، والمجتمع الذي تسوده المروءة والشهامة، فيساند البيت المسلم ويدعمه، ويرعاه ويصونه، والزوج الغيور المشفق على أهل بيته، والأب الذي لم تنته مهمته مع ابنته بزواجها، بل يتفقد أحوالها ويسعى لتوفير سبل الراحة لها، وفي هذا الجو الإيماني وجدت المرأة الأمن والأمان، والسعادة والطمأنينة، والحب الصادق: بيت صالح، وزوج كريم، وأب حنون، وجيران صدق، ومجتمع متراحم متعاطف، يا لها من سعادةٍ غامرةٍ وحياةٍ طيبة، وإن كانت صعبةً.

وبالتعاون والتضامن بنى ذو القرنين أعظم سدٍ في التاريخ.

قال تعالى: (حَتّى إِذا بَلَغَ بَينَ السَّدَّينِ وَجَدَ مِن دونِهِما قَومًا لا يَكادونَ يَفقَهونَ قَولًا ?93? قالوا يا ذَا القَرنَينِ إِنَّ يَأجوجَ وَمَأجوجَ مُفسِدونَ فِي الأَرضِ فَهَل نَجعَلُ لَكَ خَرجًا عَلى أَن تَجعَلَ بَينَنا وَبَينَهُم سَدًّا ?94? قالَ ما مَكَّنّي فيهِ رَبّي خَيرٌ فَأَعينوني بِقُوَّةٍ أَجعَل بَينَكُم وَبَينَهُم رَدمًا ?95? آتوني زُبَرَ الحَديدِ حَتّى إِذا ساوى بَينَ الصَّدَفَينِ قالَ انفُخوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتوني أُفرِغ عَلَيهِ قِطرًا ?96? فَمَا اسطاعوا أَن يَظهَروهُ وَمَا استَطاعوا لَهُ نَقبًا) [الكهف: 93 - 97] .

فوائد التعاون المشروع 82:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت