فهرس الكتاب

الصفحة 1988 من 2431

اللهو

أولًا: المعنى اللغوي:

تدور كلمة لهو على معنى الانشغال عن شيءٍ بشيءٍ آخر، بما يؤدي إلى نسيانه، أو الإعراض عنه قصدًا أو بغير قصدٍ 1.

والملاهي: آلات اللهو 2.

ويأتي اللهو بمعنى: الإعراض عن الشيء، والدنو والاقتراب، ومحبة الشيء والتعلق به 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

قال الراغب: اللَهْوُ: ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه 4.

وقال الجرجاني: اللهو: هو الشيء الذي يتلذَذ به الإنسان فيلهيه، ثم ينقضي 5.

وردت مادة (لهو) في القرآن الكريم (16) مرة 6.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) } [التكاثر:1 - 2]

الفعل المضارع ... 4 ... {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [النور:37]

المصدر ... 10 ... {قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ} [الجمعة:11]

اسم الفاعل ... 1 ... {لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ} [الأنبياء:3]

وجاء اللهو في القرآن على وجهين 7:

الأول: ما يتلهى به ويشغل، من زوج أو ولد أو مال أو غناء أو غير ذلك من الشواغل، على معناه اللغوي: ومنه قوله تعالى: {لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 17] . يعني: زوجة، وقيل: ولدا.

الثاني: السخرية والاستهزاء: ومنه قوله تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} [الأنعام: 70] . يعني: باستهزائهم به.

العبث:

العبث لغة:

يقول ابن فارس:(العبث، هو الفعل لا يفعل على استواءٍ وخلوص صوابٍ. تقول: عبث يعبث عبثًا، وهو عابثٌ بما لا يعنيه وليس من باله، وفي القرآن: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون: 115] .

أي: لعبًا) 8.

وقد عبث يعبث عبثًا فهو عابث: لاعب بما لا يعنيه وليس من باله 9.

العبث اصطلاحًا:

قال القشيري: (العبث: اللهو، واللعب والاشتغال بما يلهي عن الحق) 10.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحةٌ ولا منفعةٌ ولا فائدةٌ تعود على الفاعل) 11.

الصلة بين العبث واللهو:

اللهو والعبث يشتركان في أن كل منهما يقصد من غير هدف، ومشغل عن أمور مهمة، ويخلوان عن النفع الديني، والدنيوي الجاد 12.

اللعب:

اللعب لغة:

اللعب واللعب: ضد الجد، لعب يلعب لعبًا ولعبًا، ولعب، وتلاعب، وتلعب مرة بعد أخرى 13.

ويقال لكل من عمل عملًا لا يجدي عليه نفعًا: إنما أنت لاعبٌ 14.

اللعب اصطلاحًا:

اسمٌ لقولٍ أو فعلٍ يراد به المزح والهزل لتمضية الوقت أو إزالة وحشة الوحدة، أو السكون، أو السكوت، أو لجلب فرحٍ ومسرةٍ للنفس، أو يجلب مثل ذلك للحبيب، أو يجلب ضده للبغيض، كإعمال الأعضاء وتحريكها دفعًا لوحشة السكون، والهذيان المقصود لدفع وحشة السكوت، ومنه العبث، وكالمزح مع المرأة لاجتلاب إقبالها ومع الطفل تحببًا أو إرضاءً له 15.

الصلة بين اللعب واللهو:

اللعب تقديم شيء على غيره من غير إهمال للثاني إنما يأتي بعده، مثال ذلك من يقول: بعد هذا الشغل، أشتغل بالعبادة والآخرة.

وأما اللهو فالاشتغال بشيء إلى حد الاستغراق فيه والإعراض عن غيره، فالدنيا للبعض لهو يشتغل به، وينسى الآخرة بالكلية 16.

وكلاهما فيه انشغال عن المهمات من الأعمال بأخرى ليست ذات أهمية.

وكلاهما يخلو من مقصد يحقق منفعة حقيقيةً في الحياة.

وآثارهما لا تدوم؛ بل هي سريعة الزوال.

إن من الأصول الواجب اعتقادها، أن الله تعالى منزه عن كل نقيصة، أو عيب في ذاته جل جلاله، وفيما يصدر عنه، سبحانه وتعالى، من خلق وأمر، وذلك ممكن الوصول إليه، والتعرف عليه نصًا وعقلا؛ فأما النصوص الدالة على ذلك فهي كثيرة، وقد تعددت الأساليب المستعملة في هذه النصوص، فمنها مثبت للخلق الحق منها قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ} [الحجر:85] .

وقوله تعالى: {مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) } [الأحقاف: 3] .

ومنها ما جاء نافيا للعبثية، واللعب من مقصد هذا الخلق كما في قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الأنبياء: 16] {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27] .

وتتعدد مقاصد الخلق التي من أجلها خلق الله تعالى هذا الكون العظيم، ويظهر لك من خلال الأمور الآتية:

أولًا: دلائل الخلق المبثوثة في أرجاء السماوات والأرض وما بينهما، والمقصد من خلقها، إنما هو تحفيز العقول، واستنفار لطاقاتها؛ من أجل أن تجول في أنحاء هذا الكون فتبحث عن خالقه، وتعظمه في جميل خلقه وبديعه، كما جاء في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .

«ومعنى ما خلقت هذا باطلًا أي: خلقًا باطلًا، أو ما خلقت هذا في حال أنه باطلٌ، فهي حالٌ لازمة الذكر في النفي وإن كانت فضلة في الإثبات، كقوله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} [الدخان: 38] .

فالمقصود نفي عقائد من يفضي اعتقادهم إلى أن هذا الخلق باطلٌ أو خليٌ عن الحكمة، والعرب تبني صيغة النفي على اعتبار سبق الإثبات كثير» 17.

يقول رشيد رضا أيضًا، في بيان هذه الآية: «أما معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلًا، فهو أن هذا الإبداع في الخلق، والإتقان للصنع لا يمكن أن يكون من العبث والباطل، ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفانية فقط، كما أن الإنسان الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحكم، ودقائق هذا الصنع، وكلما ازداد علمًا حتى إنه لا حد يعرف لفهمه وعلمه، لا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلًا، ثم يذهب سدًى، ويتلاشى فيكون باطلًا، بل لا بد أن يكون باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياةً لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة التي يرى كل عامل فيها جزاء عمله» 18.

والتفكر من أعظم الأسباب الموصلة الدالة إلى أن منشئ هذه المصنوعات البديعة له القدرة التامة، والعلم، والأحدية، إلى سائر الصفات العلية.

ثانيًا: النواميس والقوانين التي خلقها الله لتنظيم أمور هذا الكون بجميع مكوناته، آية دالة على قدرته، وحكمته، سبحانه وتعالى، فكل شيء خلقه الله بقدر كما قال: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} [القمر: 49] .

وقوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} [الرعد: 8] .

«والمراد: أن خلق الله الأشياء مصاحبٌ لقوانين جاريةٍ على الحكمة» 19.

وقد أسهب سيد قطب رحمه الله في ذكر كثير من الأمثلة الدالة على بديع خلق الله تعالى، ودقة صنعه، فذكر دقة التناسق بين أبعاد النجوم والأجرام السماوية، وأحجامها، وكتلها، وجاذبيتها لبعض، ما مكن العلماء من تحديد مواقع نجوم أخرى بناء على ذلك، وذكر التناسق البديع بين القوانين الأرضية؛ لتكون صالحة لحياة جميع المخلوقات على ظهرها دون اختلال لأي منها أو طغيان على آخر، يقول سيد: «كل شيء، كل صغير وكل كبير. كل ناطق وكل صامت. كل متحرك وكل ساكن. كل ماض وكل حاضر. كل معلوم وكل مجهول. كل شيء خلقناه بقدر قدر يحدد حقيقته. ويحدد صفته. ويحدد مقداره. ويحدد زمانه. ويحدد مكانه. ويحدد ارتباطه بسائر ما حوله من أشياء. وتأثيره في كيان هذا الوجود. وإن هذا النص القرآني القصير اليسير ليشير إلى حقيقة ضخمة هائلة شاملة، مصداقها هذا الوجود كله، حقيقة يدركها القلب جملة وهو يواجه هذا الوجود، ويتجاوب معه، ويتلقى عنه، ويحس أنه خليقة متناسقة تناسقًا دقيقًا. كل شيء فيه بقدر يحقق هذا التناسق المطلق، الذي ينطبع ظله في القلب جملة وهو يواجه هذا الوجود» 20.

ثالثًا: تكرر ذكر {وَمَا بَيْنَهُمَا} في الآيات التي ذكرت خلق السماوات والأرض، وهذا يقصد به في المقام الأول، أشرف المخلوقات على الأرض وهو الإنسان؛ لأنه المخاطب بالعبادة والإعمار 21، فخلقه ليس عبثا، ووجوده ليس سدًا، إنما هو خاضع للقوانين الإلهية التي تسير الكون، وتضبط حركته، فيجازى أو يعاقب بحسب حاله وليس هناك ثمة محاباة لأحد، فقد يمهل الظالمون برحمة من الله تعالى لحكمة استبقاء عمران جزء من الأرض زمانًا، ويهلكون حين يستوفون شروط الإهلاك والعذاب إحقاق لحكمة أخرى وهي العدل والاقتصاص من الظالم. لذا يكثر تعقيب نظام خلق السماوات والأرض بذكر الجزاء العاجل المتمثل بإهلاك الأمم الظالمة بعذاب إلهي فوري كالإهلاك بالطوفان والصيحة والريح الصرصر، أو متدرج كالأمراض الفتاكة والخلافات المفضية إلى الاقتتال الدامي. أو يعقب بذكر البعث والجزاء يوم القيامة تذكيرا بأنه لن يفلت أحد من الجزاء العدل عند الله سبحانه وتعالى 22.

رابعًا: الأحكام والقواعد التي شرعها الله تعالى لتسيير مصالح عباده فيما فيه نفعهم وصلاحهم، من خلال إرسال الرسل وإنزال الكتب 23، فمن عدل الله تعالى وحكمته أن لا يترك الناس سدى يسيرون أمورهم وفق أهوائهم وشهواتهم، ذلك أن عقل الإنسان قاصر في كثير من الأحيان عن إدراك الأحكام والقوانين التي تحقق له المصالح الدنيوية والأخروية، فضلا عن أن اتجاهات التفكير لدى الناس متفاوتة نظرا لتفوات مداركهم، وطرق تفكيرهم واختلاف الظروف المحيطة بهم 24.

أولًا: ضوابط اللهو:

بعد الوقوف أمام حقيقة اللهو في اللغة والاصطلاح، لا بد لنا، من التعرف على القواعد التي تضبط التصرفات والسلوكيات فيتميز من خلالها اللهو عن الجد، وقد سعى العلماء إلى تأصيل القواعد الواضحة الدالة على ذلك، مستندين إلى الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وبعد البحث والتقصي، وجدت أن عمدتهم في ذلك، قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان: 6] .

وأربعة من الأحاديث النبوية، وكان السبق في التقعيد للإمام البخاري رحمه الله وضع القاعدة الأولى وهي: أن لا يشغل السلوك أو التصرف عن طاعة وذلك واضح في ترجمته لأحد الأبواب بقوله: باب كل لهوٍ باطل إذا شغله عن طاعة 25 وتبعه في ذلك الإمام ابن بطال في شرحه للصحيح وزاد ضابطا آخر وهو: أن يكون اللهو قليلًا وليس بكثير! 26.

ويستدل لذلك بحديث عائشة في نظرها إلى الأحباش وهم يتلاعبون في المسجد، وغناء الجاريتين في بيتها يوم العيد 27، وحضورها زفاف امرأة إلى رجل من الأنصار 28.

ثم جاء الإمام الخطابي وأضاف ضابطا آخر، وهو: أن يكون التصرف أو السلوك معينًا على الحق أو ذريعة إليه، فإن لم يكن كذلك كان من اللهو 29.

وقد استنبط هذا الضابط من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكل ما يلهو به المرء المسلم باطلٌ، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق) 30.

وذهب ابن تيمية إلى أن اللهو له ضابطان، الأول: ليس فيه منفعة، والآخر: لا يكون محرمًا 31.

كذلك قعد الشاطبي قاعدتين استخرجهما من حديث عامر بن عقبة هما: أن يكون الأمر مباحًا يخدم أمرًا ضروريًا كالنسل، والآخر: أن يكون مباحًا ويخدم أصلًا تكميليًا كاللعب بالسهام وتأديب الفرس 32، فإن لم يتوفر أحد هذين الشرطين كان الأمر لهوًا.

وبذلك تتلخص الضوابط التي تحكم أن هذا الأمر لهوٌ أو جدٌ بالنقاط الآتية:

-أن يكون مباحًا، وليس فيه تعلق بحرام.

-أن يكون قليلًا، ولا يستغرق وقت الإنسان، ومعيار القلة يضبط من خلال المناسبات كالأعياد.

-ألا يشغل الأمر عن طاعة، بل يكون معينًا على الحق أو ذريعة إليه.

ثانيًا: حكم اللهو:

بعد استعراض القواعد الدالة على اللهو، لا بد من التعريج على حكمه؛ ليكون المسلم على بينة من أمره، فيجتنبه، ويبتعد عنه، وبعد البحث في الآيات التي تناولت موضوع اللهو لم أجد فيها ما ينص بصراحة على حكم محدد للهو، وغاية ما في الأمر، إشارات دلت عليها آية قرآنية، فهم منها العلماء حكم اللهو، وهي قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا} [لقمان: 6] .

فلقد علق عليها ابن عاشور، بقوله: فلم يكن قصده مجرد اللهو بل تجاوزه إلى الصد عن سبيل الله 33. في حين، نجد الإمام البخاري، يستعمل هذه الآية في ترجمته: «باب كل لهو باطل» مستنبطًا ذلك من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وكل ما يلهو به المرء المسلم باطلٌ، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق) 34.

فقال: باب كل لهو باطل إذا شغله عن طاعة وقوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ} . ولما لم يكن هذا الحديث على شرطه استعمله لفظ ترجمةٍ واستنبط من المعنى ما قيد به الحكم المذكور 35.

فدل الأمر على أن اللهو لا يسري عليه حكم واحد إنما في الأمر تفصيل؛ فاتفق العلماء، على أن اللهو يكون محظورًا إذا كان فيه نص محدد بالتحريم في حين إذا لم يكن محرمًا، وليس فيه منفعة، فيرى بعض العلماء، مثل: ابن بطال، والخطابي، وابن تيمية، أن على أصحاب الهمم العالية اجتنابه؛ لأنه يحد من نشاطهم الإيماني، وتعلقهم بالله، ويرخص فيه للنفوس التي لا تصبر على ما ينفع، والترخيص مقيدٌ بالأوقات التي تقتضي ذلك؛ كالأعياد، والأعراس، وقدوم الغائب، ونحو ذلك 36.

وعندما وقف ابن تيمية أمام الحديث، وفسر معنى الباطل، ذهب إلى أنه ما كان ضد الحق 37، في حين، قال ابن العربي: إن معنى الباطل ما كان خاليًا من الثواب لتعلقه بالدنيا المحضة لا تعلق له بالآخرة والمباح منه باقي 38.

شاءت حكمة الله عز وجل أن يخلق على هذه الأرض أمورا حببها للإنسان بفطرته؛ لتكون دافعا على إعمار الأرض ومساعدًا على تطويرها، وبعضها يجملها الشيطان في نفس الإنسان ليغويه عن الصراط المستقيم، كل ذلك يشكل اختبارًا للإنسان التي جبلت فطرته على هذه المحبوبات.

وفيما يأتي أهم الملهيات الدنيوية:

أولًا: زخرف الدنيا وزينتها:

واستعمل لفظ الزخرف في القرآن الكريم أربع مرات، جاءت في موضعين، في معرض الذم:

أولهما: يذكر الوسائل التي يستعملها شياطين الإنس والجن في تزيين قبيحهم، وتمويه باطلهم، بطرق خفية دقيقة، ليسهل على النفوس قبوله، والإقبال عليه 39 كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) } [الأنعام: 112] .

وثانيهما: يصور حال الكفار المنهمكين في لذائذ الدنيا ومتعها، الغارقين في وهم استمرارية هذه المتع واللذائذ 40، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) } [يونس: 24] .

أما الموضعان الآخران، فقد جاء الموضع الأول منهما، في سياق طلبات قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه الله تعالى بيتًا من زخرف، كما جاء في قوله تعالى: {أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) } [الإسراء: 93] .

وجاء الموضع الآخر، في بيان حكمة الله من تفاوت الناس في معاشهم، وأرزاقهم في الدنيا، وأن ذلك جميعه، عرض زائل سريع الفناء، كما جاء في قوله تعالى: {وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) } [الزخرف: 35] .

وفيما سبق، دلالة واضحة؛ وهي أن النفس البشرية تنجذب لكل ما هو مزخرف سواء كان ماديًا أم معنويًا، وتغتر به، فيشغلها اللمعان والتزويق عن حقيقة الشيء المزخرف حتى وإن كان سريع الزوال، أو قبيحًا في الباطن، فالواجب على المؤمن ألا ينخدع بكل ما له بريق ولمعان، فلربما كانت شركا من أشراك إبليس.

دلالة مصطلح الزينة:

تقول لنا، معاجم اللغة العربية: إن الزاء والياء والنون أصل صحيح يدل على حسن الشيء وتحسينه 41، والزين الصبيح الجميل، وضده الشين أي: القبيح 42، وحقيقة الزينة أنها زيادة محببة تعلق بظاهر الشيء ناشئة عما يزخر به باطنه، ومن ذلك الأصل جاء المعنى الشائع للتزين؛ وهو التحلي بحلية مجتلبة تقليدًا لما هو ناشئ من البدن كالتجمل بالأصباغ ونحوها، كقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31] 43.

وورد ذكر الزينة في القرآن الكريم خمسًا وأربعين مرة، ويظهر من استقراء الآيات أن الزينة نوعان: زينة داخلية كما في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 7] .

وزينة خارجية كما في قوله تعالى: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ} [القصص: 79] 44.

والمدقق في الآيات التي وردت فيها مصطلح التزيين، يلاحظ تعدد الحالات التي وردت فيها صور التزيين، وهي على النحو الآتي:

1.إن التزيين نسب للشيطان.

وذلك حين يتسلط على الكفار والضالين، فيحسن لهم كل ما يؤدي إلى الحرام، ويستر لهم قبح أعمالهم، فيواصلون غيهم، ويصدون عن سبيل الله القويم، وقد ورد ذلك، في عدة مواضع منها: قوله تعالى: (تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى? أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(63 ) ) [النحل: 63] .

وقد قال تعالى في شأن قوم بلقيس، لما عبدوا الشمس من دون الله: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ?24?) [النمل: 24] (وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ ? وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ?38?) [العنكبوت: 38] .

2.إن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه.

ويأتي هذا التزيين على ضربين:

الأول: يتعلق بأعمال الإنسان وكسبه، وقد ورد ذلك في عدة مواضع من القرآن الكريم؛ منها قول الله تعالى: (ھ ھ ے ے وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ? كَذَ?لِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى? رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?108?) [الأنعام: 108] .

وقوله أيضا: (ٹ ٹ ٹإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ?4?) [النمل: 4] وقوله تعالى: (وَلَ?كِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات: 7] .

والمقصود بالتزيين في الآيتين الأوليين: أن الله تعالى خلق في النفوس البشرية من المحبة للخير أو الشر والاتباع لطرقه 45.

«والبشر يستحسنون ما يجرون عليه ويتعودونه مما كان عليه آباؤهم أو مما استحدثوه بأنفسهم، فسبب التزيين في الأول أنسهم به كونه من شئون أمتهم، التي يعد مدحها مدحًا لها ولهم، وذمها عارًا عليها وعليهم، وزد على ذلك في الثاني ما يعطيه العلم من كون ذلك حقًا وخيرًا في نفسه يترتب عليه فضلهم على غيرهم فيه وفي الجزاء عليه، فيظهر بذلك أن التزيين أثرٌ لأعمال اختيارية لا جبر فيها ولا إكراه» 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت