فهرس الكتاب

الصفحة 1632 من 2431

أولًا: المعنى اللغوي:

يقال: عَلِق المرأة عَلْقًا وعَلَاقة، وتعلق بها، وعلق بها، وهو الحب اللازم للقلب 1.

«والعلاقة، بالكسر: هي علاقة القوس والسوط ونحوهما، وبالفتح: علاقة المحبة والخصومة ونحوهما، فالمفتوح يستعمل في الأمور الذهنية، والمكسور في الأمور الخارجية» 2.

وقال الجرجاني: «العلاقة: بكسر العين، يستعمل في المحسوسات، وبالفتح، في المعاني، وفي الصحاح: العلاقة، بالكسر: علاقة القوس والسوط، ونحوهما، وبالفتح، علاقة الخصومة والمحبة، ونحوهما» 3.

فالعلاقات «بالفتح» هي: الصلات التي تربط كل فرد من أفراد الأسرة، وكل أسرة بأسرة، وكل بلد ببلد.

وأصل مادة (جمع) تدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا 4.

والمجتمع: جماعة من الناس تربطها روابط ومصالح مشتركة وعادات وتقاليد وقوانين واحدة 5.

وعلم الاجتماع: علم يبحث في نشوء الجماعات الإنسانية ونموها وطبيعتها وقوانينها ونظمها.

ويقال: هذا الباب جماع هذه الأبواب الجامع لها الشامل لما فيها، وفلان جماع لبني فلان يأوون إليه ويعتمدون على رأيه، والجماع كل ما اجتمع وانضم بعضه إلى بعض، وجماع الجسد الرأس، وجماع الثريا ما اجتمع من كواكبها 6.

وسميت الجمعة جمعة؛ لاجتماع الناس فيها، أو لما جمع فيها من الخير 7.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الاجتماعي: هو الرجل المزاول للحياة الاجتماعية، كثير المخالطة للناس 8.

وبناءً على ذلك يمكن تعريف العلاقات الاجتماعية اصطلاحًا: بأنها الروابط والآثار المتبادلة بين الأفراد في المجتمع، والتي تنشأ نتيجة اجتماعهم وتبادل مشاعرهم واحتكاكهم ببعضهم بعضًا، ومن تفاعلهم في بوتقة المجتمع.

الصلات الاجتماعية:

الصلات لغةً:

«وصل» الواو والصاد واللام: أصلٌ واحدٌ يدل على ضم شيءٍ إلى شيءٍ حتى يعلقه. ووصلته به وصلًا، والوصل: ضد الهجران 9.

الصلات اصطلاحًا:

وَصْلُ الآخرين، بأداء حقوقهم الدينية والدنيوية كاملةً 10.

الصلة بين الصلات والعلاقات الاجتماعية:

الصلات الاجتماعية لا تكون إلا خيرًا، وأما العلاقات الاجتماعية فقد تكون خيرًا وقد تكون شرًّا.

الروابط الاجتماعية:

الروابط الاجتماعية لغةً:

الراء والباء والطاء أصلٌ واحدٌ يدل على شدٍّ وثبات، وربطت الشيء أربطه، وأربطه ربطًا إذا شددته 11.

الروابط الاجتماعية اصطلاحًا:

هي العلاقات والروابط بين الناس والتي تقوم على أساس التناصح والتكافل، والتراحم والتعاون، لتقوية بنية الأمة 12.

الصلة بين الروابط الاجتماعية والعلاقات الاجتماعية:

الروابط الاجتماعية فيها قوة وتماسك، وأما العلاقات الاجتماعية فلا يشترط فيها ذلك.

الصداقة:

الصداقة لغة:

الصداقة: صدق الاعتقاد في المودة، وذلك مختص بالإنسان، وقوله: {وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101) } [الشعراء 101] .

إشارة إلى قوله: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) } [الزخرف 67] 13.

الصداقة اصطلاحًا:

قوة المودة مأخوذة من الشيء الصدق وهو الصلب القوي، وقال أبو علي رحمه الله: الصداقة اتفاق القلوب على المودة، ولهذا لا يقال: إن الله صديق المؤمن كما يقال: إنه حبيبه وخليله 14.

الصلة بين الصداقة والعلاقات الاجتماعية:

الصداقة لا تقوم إلا على المحبة والمودة، وأما العلاقات الاجتماعية فلا يشترط فيها ذلك.

الهجران:

الهجران لغةً:

الهجر: المصارمة والقطع، يقال: هجر صاحبه هجرًا وهجرانًا، ومنه هجرة المهاجرين، لأنهم هجروا قبائلهم وعشائرهم 15.

الهجران اصطلاحًا:

الابتعاد والنأي بالنفس عن الآخرين 16.

الصلة بين الهجران والعلاقات الاجتماعية:

الهجران يعني قطع العلاقات، والعلاقات الاجتماعية تعني وصلها.

إن ديننا الحنيف دين كمال وشمول، جاء بما فيه خير وصلاح البشرية جمعاء، ولا أدل على ذلك من اهتمام الإسلام بالعلاقات التي تكون المجتمع الواحد المتماسك والدولة المتماسكة؛ بدءًا من الأسرة، وانتهاءً بالأمة كلها، فقد جاء الإسلام بالعلاقات التي تربط الأسرة ببعضها، وتربط المجتمع ببعضه؛ حيث أمر الإسلام ببر الوالدين، وصلة الرحم، وحسن الجوار، وبذل الإحسان، والعطف على المحتاج، والمؤاخاة بين المسلمين، وغير ذلك مما فيه صلاح الدنيا والآخرة.

وعند غياب الدين نجد أن المشكلات تنبع، والخلافات تزداد، والأحقاد تنتشر، والخصومات تطفو على السطح، وكل إنسان ضد الثاني ضمن الأسرة الواحدة، بين الزوجين وبين الشريكين وبين الأخوين وبين الحيين وبين المدينتين.

هذا قانون العداوة والبغضاء، كما قال تعالى: {فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [المائدة: 14] .

أولًا: الأسرة نواة المجتمع:

تعتبر الأسرة نواة المجتمع وركيزته الأساسية، فهو يصلح بصلاحها وتماسكها، ويفسد بتفككها وانحلالها. لذا اهتم الإسلام ببنائها على أسس متينة، تكفل قوتها واستمراريتها، لأداء دورها الفعال في تربية الأجيال وإعدادهم ليكونوا أعضاء صالحين نافعين لدينهم ووطنهم ومجتمعهم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) } [النساء: 1] .

أي: أيها الناس، احذروا ربكم في أن تخالفوه فيما أمركم وفيما نهاكم، فيحل بكم من عقوبته ما لا قبل لكم به؛ فإنه المتوحد بخلق جميع الأنام من شخص واحد، معرفًا عباده كيف كان مبتدأ إنشائه ذلك من النفس الواحدة، ومنبههم بذلك على أن جميعهم بنو رجل واحد وأم واحدة، وأن بعضهم من بعض، وأن حق بعضهم على بعض واجب وجوب حق الأخ على أخيه، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة، وأن الذي يلزمهم من رعاية بعضهم بعضًا -وإنْ بَعُدَ التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم- مثل الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى، وعاطفًا بذلك بعضهم على بعض، ليتناصفوا ولا يتظالموا، وليبذل القوي من نفسه للضعيف حقه بالمعروف على ما ألزمه الله له 17.

وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54) } [الفرقان: 54] .

أي: خلق الإنسان من نطفة ضعيفة، فسواه وعدله، وجعله كامل الخلقة، ذكرًا أو أنثى، كما يشاء، فجعله نسبًا وصهرًا، فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهار وأختان وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين 18.

ثانيًا: العلاقة الزوجية:

إن العلاقات الزوجية في الإسلام متينة ومهمة؛ لأنها تبنى على ميثاق أخذه الله عز وجل على الرجال والنساء، كما أخذته النساء على الرجال.

فإن الله تعالى قال: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) } [النساء: 21] .

أي: إن المرأة قد أخذت هذا الميثاق الغليظ على هذا الرجل، وهذا الميثاق الغليظ تجب المحافظة عليه، وحينئذٍ فإن للعلاقات الزوجية شروطها وآدابها؛ لتكون هذه العلاقة وثيقة ومتينة، وذلك حينما يكون الزواج بتراضٍ، ويا حبذا لو كان بنظر إلى المخطوبة! وهكذا تَوافرٌ الصفات التي دعا إليها الإسلام، وحينئذٍ تبنى العلاقات الزوجية على المودة والرحمة، كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الروم: 21] .

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} [الأعراف: 189] .

أي: ومن آياته الدالة على قدرته ورحمته أن خلق النساء لكم من جنس الرجال، وجعل بَدْءَ خلق المرأة من جسد الرجل، ليتحقق الوفاق ويكتمل الأنس، وجعل بين الجنسين المودة -أي: المحبة- والرحمة -أي: الشفقة- ليتعاون الجنسان على أعباء الحياة، وتدوم الأسرة على أقوى أساس وأتم نظام، ويتم السكن والاطمئنان والراحة والهدوء، فإن الرجل يمسك المرأة ويتعلق بها إما لمحبته لها، أو لرحمة بها بأن يكون لها منه ولد، أو محتاجة إليه في الإنفاق، أو للألفة بينهما وغير ذلك 19.

وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) } [الأعراف: 189] .

أي: هو الذي خلقكم أيها الرجال والنساء، المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرقكم من أبيكم آدم أبي البشر صلى الله عليه وسلم، وخلق من آدم زوجته حواء لأجل أن يسكن إليها؛ لأنها إذا كانت منه حصل بينهما من المناسبة والموافقة ما يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر، فانقاد كل منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة 20.

وقال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72) } [النحل: 72] .

يخبر تعالى عن منته العظيمة على عباده، حيث جعل لهم أزواجا ليسكنوا إليها، وجعل لهم من أزواجهم أولادًا تقر بهم أعينهم ويخدمونهم، ويقضون حوائجهم، وينتفعون بهم من وجوه كثيرة، ورزقهم من الطيبات من جميع المآكل والمشارب، والنعم الظاهرة التي لا يقدر العباد أن يحصوها 21.

ومن أجل تحقيق السكن والمودة بين الزوجين أمر الله النساء أن يلتزمن البيوت ليتفرغن لوظيفتهن الأسمى ألا وهي رعاية الزوج والأولاد، فقال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب: 33] .

أي: والزمن بيوتكن، ولا تخرجن منها إلا لحاجة، ولا تظهرن محاسنكن، كما كان يفعل نساء الجاهلية الأولى في الأزمنة السابقة على الإسلام، وهو خطاب للنساء المؤمنات في كل عصر 22.

وقد جعل الإسلام للمرأة حقوقا على الزوج كما للزوج على المرأة حقوقًا، فقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228] .

أي: لهن من حقوق الزوجية على الرجال بمثل ما للرجال عليهن، فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه لنسائهم، وهي كذلك، تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهن يفعلنه لأزواجهن من طاعة، وتزين، وتحبب ونحو ذلك، وللرجال عليهن منزلة ليست لهن، وهي قيامه عليها في الإنفاق، وكونه من أهل الجهاد والعقل والقوة، وله من الميراث أكثر مما لها، وكونه يجب عليها امتثال أمره، والوقوف عند رضاه 23.

ومن حسن العشرة أن يصبر الزوج على زوجه، وأن لا يظلمها فيأكل مالها، أو يطلقها لأتفه الأسباب، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) } [النساء: 19] .

هنا أمر من المولى عز وجل للرجال بأن يحسنوا معاشرة زوجاتهم من خلال المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، وبين تعالى أن إجبار الزوج نفسه على معاشرتها وإمساكها والإحسان إليها -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة، وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك، وربما رزق منها ولدًا صالحًا نفع والديه في الدنيا والآخرة، وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور، فإن كان لا بد من الفراق، وليس للإمساك محل، فليس الإمساك بلازم 24.

فحين تفقد المودة وتفقد الرحمة بين الزوجين وتتعسر الحياة فهنا يأتي دور الحكمين، كما قال عز وجل: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) } [النساء: 35] .

أي: وإن خفتم الشقاق بين الزوجين والمباعدة والمجانبة فابعثوا برجلين مكلفين مسلمين عدلين عاقلين يعرفان ما بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق، فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه، ثم يلزمان كلا منهما ما يجب، فإن لم يستطع أحدهما ذلك، أقنعا الزوج الآخر بالرضا بما تيسر من الرزق والخلق، ومهما أمكنهما الجمع والإصلاح فلا يعدلا عنه.

فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما إلا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح، فرقا بينهما 25.

وقال تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) } [النساء: 130] .

أي: وإن يتفرقا أي الزوج والمرأة بالطلاق، بأن لم يتفق الصلح بينهما، فاختارا الفرقة يغن الله كلا منهما، أي: يجعله مستغنيًا عن الآخر من غناه وجوده وقدرته، وفيه زجر لهما عن المفارقة رغمًا لصاحبه، وتسلية لهما بعد الطلاق 26.

ثالثًا: العلاقة مع الأقارب:

إن من العلاقات الاجتماعية صلة الرحم، والمراد بصلة الرحم: القرابة غير الوالدين، ولهم حقٌّ كبير أيضًا في الإسلام، ولذلك فإن الله تعالى لعن الذين يقطعون الرحم، فقال: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) } [محمد: 22 - 23] .

أولو الأرحام: هم أصحاب القرابة، جمع رحم، وأصله رحم المرأة الذي هو موضع تكوين الولد من بطنها، ويسمى به الأقارب؛ لأنهم في الغالب من رحم واحد، وفي اصطلاح علماء الفرائض: هم الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب وهم عشرة أصناف: الخال والخالة، والجد للأم، وولد البنت، وولد الأخت، وبنت الأخ، وبنت العم، والعمة، والعم 27.

ولقد حث المولى عز وجل عباده المؤمنين على النفقة على الأقارب والمساكين وجعل ذلك سببًا في مغفرة الذنوب، فقال تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) } [النور: 22] .

أي: لا يحلف أهل الفضل في الدين وأصحاب الغنى واليسار على منع إعطاء أقاربهم من الفقراء والمهاجرين ما كانوا يعطونهم إياه من الإحسان لذنب فعلوه، وليعفوا عما كان منهم من جرم، وليصفحوا عما بدر منهم من إساءة، وليعودوا إلى ما كانوا عليه من الإنعام والإحسان؛ ألا تحبون أيها المؤمنون أن يغفر الله لكم على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم؟

قال أبو بكرٍ الصديق رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: «والله لا أنفق على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا} إلى قوله {غَفُورٌ رَحِيمٌ} فقال أبو بكرٍ: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطحٍ الذي كان يجري عليه» 2829.

كما حث المولى عز وجل المؤمنين على الوصية للأقارب الفقراء، وجعل ذلك من أوصاف المتقين، فقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) } [البقرة: 180] .

ففي هذه الآية شرع الله شريعة فيها صلاح الأسرة وحفظ كيانها وهى شريعة الوصية، فعلى من ظهرت أمامه أمارات الموت وعلم أنه ميت لا محالة، وكان ذا مال يعتد به أن يجعل من ماله نصيبًا لأقاربه غير الوارثين وليراع في ذلك ما يحسن ويقبل في عرف العقلاء، فلا يعطى الغني ويدع الفقير، بل يؤثر ذوى الحاجة ولا يسوي إلا بين المتساوين في الفاقة، وكان ذلك الفرض حقًّا واجبًا على من آثر التقوى واتبع أوامر الدين 30.

ولقد أمر الله بإعطاء ذي القربى الحق الذي أوجبه عليهم بسبب القرابة والرحم في أكثر من آية، كما قال تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) } [الإسراء: 26] .

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } [النحل: 90] .

وقال تعالى: {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (38) } [الروم: 38] .

وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) } [النحل: 90] .

إن الإنسان كائن اجتماعي لا يمكن عزله عن الآخرين، فقد نشأت بينه وبين أفراد المجتمع علاقات مختلفة نتيجة التفاعل، وتبدأ علاقة الفرد بأسرته أولًا ثم المجتمع الذي يحيط به ثم نطاق القبيلة، وكلما اتسع نطاق المجتمع تنوعت وزادت علاقاته الاجتماعية، وبهذا يمكن القول بأن وظيفة العلاقات العامة وجدت مع وجود الإنسان نفسه.

ولقد حث القرآن الكريم على مراعاة العلاقة مع المجتمع باعتبار أن تماسك المجتمع وتوحده سبيل للقوة والعزة والمنعة، فقال تعالى مبينًا أوصاف المؤمنين الحقيقية: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة: 177] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت