وفي هذا يقول عبدالله بن عباس رضي الله عنهما: «كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه» 83.
ويقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: «فاستقر أمر الكفار معه صلى الله عليه وسلم بعد نزول سورة براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة. ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين له، وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه، فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمنٌ به، ومسالمٌ له آمن، وخائف محارب» 84.
وعلاقة الدولة الإسلامية بالدول الأخرى ومظاهر هذه العلاقة سيتم تناوله حالي السلم والحرب فيما يأتي:
أولًا: حال السلم:
ينشد الإسلام السلم في محيط الفرد والأسرة والمجتمع؛ ليصل إلى السلم المنشود مع الأمم والدول الأخرى بعد تلك الخطوات، فالمسلمون أمة واحدة، والبشرية أسرة واحدة، لذا فالمسلمون مكلفون بتبعات إنسانية تجاه هذه البشرية، بحكم أنهم الأمة الخيرة الوسط التي أخرجت من أجل خير البشرية.
قال الله تعالى: (وَكَذَ?لِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ?) [البقرة: 143] .
وقال سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ?) [آل عمران: 110] .
فالإسلام ينشد السلام الداخلي والخارجي، ويسعى إلى الاستقرار داخل الأمة، وفي علاقتها بالأمم الأخرى، فيطالب المسلمين بالسلام والاستقرار وعدم الاعتداء في علاقتهم بهذه الأمم، وهو يدعوهم إلى السلام وإلى الإسلام: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة: 208] .
كما يطلب من المسلمين أن يكون قولهم قول الحريص على السلام، وأن يعملوا على سلامة السلام العزيز، لا السلم الرخيص 85. فهو دين السلام في اسمه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ) [البقرة: 208] .
و هو دين السلام في تحيته في الدنيا وفي الجنة في الآخرة: (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ? تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ) [إبراهيم: 23] .
(دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ? وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [يونس: 10 23] .
وهو دين السلام في ليلة نزول الوحي فيه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ?1?وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ?2?لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ?3?تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ?4?سَلَامٌ هِيَ حَتَّى? مَطْلَعِ الْفَجْرِ ?5?) [القدر: 1 - 5] .
وفي اسم الله الكريم الذي أنزله: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ? سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر: 23] .
وتقدم أن غير المسلمين من الناس ومن الدول أصناف؛ فمنهم المسالمون ومنهم المحاربون غير المسالمين. والكلام هنا ينصب على المسالمين وهم الأجانب غير المسلمين الذين يقيمون في دار الإسلام أو الدولة الإسلامية إقامة مؤقتة، على أساس عقد الأمان.
قال الله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى? يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ?6?) [التوبة: 6] .
يقول تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: وإن أحدٌ من هؤلاء المشركين استأمنك؛ فسألك الجوار والأمان؛ ليسمع القرآن الكريم، ويعلم أحكامه وأوامره ونواهيه، وما تدعو إليه من التوحيد وما بعثت به، فأعذه وأمنه حتى يسمع كلام الله تعالى، وحتى يتدبره ويطلع على حقيقة الأمر وحال الإسلام، فإن قبل أمرًا فحسنٌ، وإن أبى أن يسلم فرده إلى مأمنه، وهو الموضع الذي يأمن فيه منك وممن هو في طاعتك من المسلمين، حتى يلحق بداره وقومه من المشركين 86.
وقد أفردت الشريعة الإسلامية لهؤلاء المسالمين من الأجانب غير المسلمين معاملة خاصة لا يمكن إدراك مستواها الأخلاقي السامي إلا عند موازنتها بمعاملة الأجانب في مختلف النظم التي سبقت دعوة الإسلام التي بعث الله تعالى بها نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، أو النظم التي عاصرتها، أو تلك التي جاءت تالية لها 87.
وغير المسلمين هؤلاء أصناف متنوعة من حيث علاقتهم بالمسلمين، ولذلك يقول ابن قيم الجوزية: «الكفار؛ إما أهل حرب وإما أهل عهد. وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان. وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابًا، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة.
ولفظ «الذمة والعهد» لغةً يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ «الصلح» ؛ فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد وهكذا لفظ «الصلح» عامٌ في كل صلح، وهو يتناول صلح المسلمين بعضهم مع بعض، وصلحهم مع الكفار. ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء «أهل الذمة» عبارة عمن يؤدي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله؛ إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف «أهل الهدنة» فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين. وهؤلاء يسمون «أهل العهد» و «أهل الصلح» و «أهل الذمة» .
وأما المستأمن: فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها؛ وهؤلاء أربعة أقسام: رسلٌ، وتجار، ومستجيرون حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن، فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبو حاجة من زيارة أو غيرها. وحكم هؤلاء ألا يهاجروا 88 ولا يقتلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يعرض على المستجير منهم: الإسلام والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به، ولم يعرض له قبل وصوله إليه، فإذا وصل مأمنه عاد حربيًا كما كان» 89.
ونختم هذا بالإشارة إلى الحكمة التشريعية لهذا التعامل مع المستأمنين في حال السلم وإباحة دخولهم بلاد الإسلام والتعامل معهم، فإن الإسلام -كما تقدم- دعوة للناس كافة للدخول في دين الله تعالى، وينبغي على المسلمين أن يتخذوا من الوسائل ما يمكنهم من إبلاغ هذه الدعوة وتعريف الناس بها. ولما كان الكفار الحربيون لا يجوز لهم دخول دار الإسلام دون إذن من ولي أمر المسلمين؛ لأنهم أعداء للمسلمين ولا يؤمن كيدهم وشرهم، فإن الحكمة تقتضي أن يكون هناك وسيلة لاختلاط الكفار بالمسلمين -ولو لمدة مؤقتة- يتعرفون فيها على الدين وتعاليمه وسيرة أهله بما قد يكون عونًا على فهمهم الصحيح للدين ودخولهم فيه، فيكون هذا في معنى الدعاء إلى الدين بأرفق الطريقين وأيسرهما.
و فيه أيضًا توطيد للعلاقات السلمية بين المسلمين والحربيين، وهذا له أثره في نشر الدعوة واطمئنان الكفار إلى المسلمين.
كما أن ذلك فيه تحقيق مصلحة للحربيين أنفسهم في تمتعهم بالأمان عند دخولهم لغرض من أغراضهم، فكثيرًا ما تقع الحاجة إلى تردد التجار وأشباههم إلى دار الإسلام وفي هذا تحقيق لمصلحة الطرفين 90.
ثانيًا: حال الحرب:
أما الحربيون أو المحاربون، فهم القسم الثاني من الكفار والمشركين الذين سبقت الإشارة إليهم بأنهم الخائفون المحاربون للنبي صلى الله عليه وسلم 91.
وهم أهل إحدى المنزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين؛ كانوا مشركي أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه» 92.
وقد ألمعنا -آنفًا- إلى هذا الصنف الأخير من أهل العهد في الفقرة السابقة، أما الحربيون فهم الأعداء من سكان دار الحرب أو بلاد الكفر الذين لا يدينون بالإسلام، ويحاربون المسلمين، أو ينتسبون إلى قوم محاربين لهم حقيقة وواقعًا أو حكمًا وتوقعًا. وبعبارة أخرى: هم غير المسلمين الذين لم يدخلوا في عقد الذمة، ولا يتمتعون بأمان المسلمين ولا عهدهم، وهم أصناف: الكفار الذين يقاتلون المسلمين بالفعل ويكيدون لهم، والكفار الذين أعلنوا الحرب على الإسلام وأهله، بأن ضيقوا على المسلمين وحاصروهم اقتصاديًا، أو فتنوهم عن دينهم، أو ظاهروا أعداء الإسلام على المسلمين، والكفار الذين ليس لهم عهد مع المسلمين ولو لم يحاربوا المسلمين ولم يظاهروا عليهم، فهؤلاء كلهم يسمون في الاصطلاح الفقهي أهل الحرب أو الحربيين، ولا يشترط أن تكون الحرب قائمة فعلًا، وإن كانت من الناحية التاريخية الواقعية قد ناصبت الدولة المسلمة العداء والخصام والحرب 93.
والحربيون غير معصومين، فدماؤهم وأموالهم مباحة للمسلمين؛ لأن العصمة في الشريعة الإسلامية لا تكون إلا بأحد؛ بالإيمان أو الأمان، وليس للحربيين إذا لم يكن لهم عهد أو أمان أن يدخلوا دار الإسلام ولا أن يقيموا فيها، فإذا دخلها أحدهم فهو مباح الدم والمال، ويجوز قتله ومصادرة ماله، كما يجوز أسره والعفو عنه 94.
ولذلك قال ابن المرتضى: «ودار الحرب دار إباحة، يملك كلٌ فيها ما ثبتت يده عليه، ولا قصاص فيها ولا أرش؛ إذ دماؤهم هدر، ويملك بعضهم بعضًا وماله بالقهر، إذ رقابهم معرضة للاسترقاق وأموالهم للأخذ» 95.
علاقة دعوية ينبثق عنها أصل العلاقات الدولية:
ومن ذلك كله يمكن أن ندرك أن علاقة المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى -على اختلاف ألوانها ولغاتها وأديانها- ليست في حقيقتها علاقة سلم ولا علاقة حرب ابتداءً، وأن الأصل ليس هو السلم بإطلاق، وليس هو الحرب بإطلاق، «وإنما هي علاقة دعوة، فالأمة المسلمة أمة دعوة عالمية تتخطى في إيمانٍ وسموٍ وعفوية كل الحدود والحواجز التي تنتهي إليها، أو تتهاوى عندها المبادئ الأخرى، سواء كانت هذه الحدود والحواجز جغرافية أو سياسية أو عرقية أو لغوية وهي بذلك تفتح أبواب رحمة السماء لأهل الأرض أجمعين» 96.
وإنما تكون العلاقة -بعد ذلك- علاقة سلم أو حرب، ويكون الأصل هو السلم أو الحرب، بعد تحديد موقف الأمم والدول الأخرى من دعوة الإسلام قبولًا أو رفضًا. ولذلك يقول الدكتور الغنيمي: «إن علاقة الدولة الإسلامية بأيٍ من دول دار المخالفين تتوقف على سياسة تلك الدول من الدولة الإسلامية. وتلك -لعمر الحق- بديهة من بدهيات السياسة الدولية. فإن هي نهجت منهج الموادعة والمسالمة كان حكمها هو ما قررت الآية الكريمة: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ?8?) [الممتحنة: 8] .
وعندئذٍ لا يطلب من المسلمين أن يمارسوا إكراهًا على هؤلاء؛ لأن الإقساط يتنافى مع الإكراه» 97.
بل إننا نقول: إن الإكراه يتنافى دائمًا مع الإقساط، وحتى في الحرب لا يجوز أن يقع إكراه على قبول الدين. ونقول أيضًا: إن وقفت دار المخالفين من الدعوة الإسلامية موقف الرفض والعداء والحرب، فإن حكمها هو ما قررته الآية الكريمة التي جاءت تالية للآية السابقة، وهي قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى? إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ ? وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ?9?) [الممتحنة: 9] .
وهذا الذي انتهينا إليه هو ما يفهم من كلام العلماء رحمهم الله تعالى، حيث قرروا أنه إذا لقي المسلمون المشركين وكانوا لم يبلغهم الإسلام، فليس ينبغي لهم أن يقاتلوهم حتى يدعوهم، لقوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى? نَبْعَثَ رَسُولًا) [الإسراء: 15] .
وبه أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمراء الجيوش، فقال: «فادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله» 98. ولأنهم ربما يظنون أنا نقاتلهم طمعًا في أموالهم وسبي نسائهم وذراريهم، ولو علموا أنا نقاتلهم على الدين أجابوا إلى ذلك من غير أن تقع الحاجة إلى القتال، وفي تقديم عرض الإسلام عليهم دعاء إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، فيجب البداية به 99.
ولذلك يقول العلامة أبو القاسم السمناني الحنفي: «وكل من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام: فالسنة أن يدعى إلى الإسلام، ويعلم ما يدعى إليه، ونبين له شرائعه وفرائضه وأحكامه، فإن أسلم كف عنه وخلي وشأنه، ودعي إلى التحول إلى دار الإسلام والكون فيها، فإن لم يجب إلى ذلك كله دعي إلى الجزية، فإن بذلها كف عنه، وإن امتنع استعين بالله وقوتلوا على اسم الله وملة رسول الله صلى الله عليه وسلم» 100.
ويقول الكاساني: «إن كانت الدعوة لم تبلغهم فعلى المجاهدين الافتتاح بالدعوة إلى الإسلام باللسان؛ لقول الله تبارك وتعالى: ادْعُ إِلَى? سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ? وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ? إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ? وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [النحل: 125] .
ولا يجوز لهم القتال قبل الدعوة؛ لأن الإيمان -وإن وجب عليهم قبل بلوغ الدعوة بمجرد العقل فاستحقوا القتل بالامتناع- لكن الله تبارك وتعالى حرم قتلهم قبل بعث الرسول عليه الصلاة والسلام وبلوغ الدعوة إياهم؛ فضلًا منه ومنةً، قطعًا لمعذرتهم بالكلية ولئلا يبقى لهم شبهة عذر (فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [القصص: 47] .
كما يجب تقديم هذه الدعوة كذلك؛ لأن القتال ما فرض لعينه وذاته، بل للدعوة إلى الإسلام. والدعوة دعوتان: دعوة بالبنان وهي القتال، ودعوة بالبيان وهو اللسان، وذلك بالتبليغ. والثانية أهون من الأولى؛ لأن في القتال مخاطرة بالروح والنفس والمال. وليس في دعوة التبليغ شيء من ذلك، فإذا احتمل المقصود بأهون الدعوتين لزم الافتتاح بها» 101.
وهذا يعني: أن الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم من أهل الحرب في هذه الحال هو السلم، ويبقى هذا الأصل قائمًا إذا كان قد بلغهم الإسلام ولكن لا يدرون أنا نقبل منهم الجزية ونعقد لهم الذمة، فينبغي ألا نقاتلهم حتى ندعوهم إلى ذلك، وبهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمراء الجيوش، وهو آخر ما ينتهي به القتال، وفي هذا التزام بعض أحكام المسلمين، والانقياد لهم في المعاملات، فيجب عرضه عليهم إذا لم يعلموا به 102.
وتتحول هذه العلاقة إلى علاقة حرب فيما عدا ذلك «فإن كانوا قومًا لا تقبل منهم الجزية كالمرتدين وعبدة الأوثان من العرب، فإنه لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. فإذا أبوا الإسلام: قوتلوا من غير أن يعرض عليهم إعطاء الجزية» 103.
وروى الإمام محمد أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو القتل» وقال: بهذا كان يأخذ أبو يوسف 104.
وكذلك: من تقبل منهم الجزية، إذا عرض عليهم الإسلام ولم يقبلوه، وعرضت عليهم الجزية فلم يقبلوها أو يلتزموا بها، فإن العلاقة بهم علاقة حرب؛ لذلك قال الإمام محمد بن الحسن: «فينبغي أن لا نقاتلهم حتى ندعوهم إلى إعطاء الجزية. وهو آخر ما ينتهي به القتال» يعني: فإن لم يلتزموا ذلك فقد وجب علينا قتالهم.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأصل في العلاقة بغير المسلمين - عند امتناعهم عن الإسلام أو الجزية - هو الحرب والقتال، وأن السلم ليست إلا هدنة يستعد بها لاستئناف القتال والاستعداد له 105.
فلا ينبغي موادعة أهل الشرك إذا كان بالمسلمين عليهم قوة؛ لأن فيه ترك القتال المأمور به. وإن لم يكن بالمسلمين عليهم قوة فلا بأس بالموادعة؛ لأنها خير للمسلمين، ولأن هذا من تدبير القتال.
وحينئذ تكون الموادعة جهادًا معنىً؛ لأن المقصود -وهو دفع الشر- حاصلٌ بها. وإن السلم المطلق لا يكون إلا بإسلامٍ أو أمانٍ، أي: بالدخول في دين الإسلام أو الرضا بعقد الذمة. ولذلك قالوا: يقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، ويقاتل من سواهم من الكفار حتى يسلموا.
وهذا هو الذي نص عليه الشافعي رحمه الله حيث قال: «حكم الله عز وجل في المشركين حكمين: فحكم أن يقاتل أهل الأوثان حتى يسلموا، وأهل الكتاب حتى يعطوا الجزية إن لم يسلموا» 106.
وقالوا: إن الجهاد لإعلاء كلمة الله، وقتال الكفار الذين امتنعوا عن الإسلام وأداء الجزية - وهم ممن تقبل منهم - واجب كفائي على المسلمين كل سنة وإن لم يبدؤونا بالقتال. وإن دعت الحاجة إلى القتال في كل عام أكثر من مرة وجب ذلك عليهم. ولهذا لا تجوز المهادنة مع الأعداء إذا كانت الهدنة مطلقة لم تقيد بمدة 107؛ لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، وذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية، وهو غير جائز 108.
قال الإمام محمد بن الحسن: «الجهاد واجب على المسلمين، إلا أنهم في سعة من ذلك حتى يحتاج إليهم؛ لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ) [التوبة: 123] .
ولقوله: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ?ہہ) [الحج: 78] .
حتى لو اجتمع المسلمون على تركه اشتركوا في المأثم. وفي مثل هذا يجب على الإمام النظر للمسلمين؛ لأنه منصوب لذلك نائب عن جماعتهم، فعليه ألا يعطل الثغور، ولا يدع الدعاء إلى الدين، وعليه حث المسلمين على الجهاد، ولا ينبغي أن يدع المشركين بغير دعوة إلى الإسلام أو إعطاء الجزية إذا تمكن من ذلك» 109.
هذه خلاصة ما جاء من نصوص عند العلماء المتقدمين، وهو ما نص عليه أيضًا المتأخرون من العلماء المحققين، فقال الشوكاني: «وأما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر، وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية، أو القتل، فهو معلوم من الدين بالضرورة الدينية، ولأجله بعث الله تعالى رسله وأنزل كتبه، وما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بعثه الله سبحانه وتعالى إلى أن قبضه إليه جاعلًا هذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شئونه. وأدلة الكتاب والسنة في هذا لا يتسع لها المقام، ولا لبعضها. وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة: فذلك منسوخ -باتفاق المسلمين- بما ورد من إيجاب المقاتلة على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم في ديارهم» 110.
وقال السيد صديق حسن خان عن جواز الصلح مع الكفار: «ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز أن يكون أكثر من عشر سنين؛ لأن الله سبحانه قد أمرنا بمقاتلة الكفار، فلا يجوز مصالحتهم بدون شيء من جزية أو نحوها. ولكنه لما وقع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم كان دليلًا على الجواز إلى المدة التي وقع الصلح عليها، ولا تجوز الزيادة عليها؛ رجوعًا إلى الأصل وهو وجوب مقاتلة الكفار ومناجزتهم الحرب» 111.
ولذلك يرى الدكتور مصطفى كمال وصفي رحمه الله أن علاقة المسلمين مع غير المسلمين لا تقوم على وجهها الإسلامي إلا إذا كان للمسلمين هيبة تكفل لهم قيام الأحكام الشرعية وحسن تطبيقها، فإن تطبيق الشريعة الإسلامية في المحيط الدولي يتطلب عزًا وكرامة وهيبة، فيكون لتسامحها ومرونتها أثره في حسن الدعوة وحسن التمثل بالمسلمين. وبدون ذلك فإن التحدث بالعزة الإسلامية يحمل على الاستخفاف فتطمع فينا الدول، وينتهزون ذلك ويستغلونه لمصالحهم، كما حدث بالنسبة لمعاهدات الامتيازات التي أولاها العثمانيون -وهم في قوتهم- للأوربيين، فكانت أول مسمار في نعش هذه الدولة.
ومن أهم ما يوجبه الإسلام أن نقوم ببث الهيبة الإسلامية كل سنة بإظهار القوة العسكرية الإسلامية على الحدود، فإن القيام بالغزوات الآن محفوف بالقيود الدولية، لذلك يجب -على الأقل- بث الهيبة على الحدود بعد تحرير أراضي المسلمين والجهاد لنصرة أقلياتهم المغلوبة، وهو عمل يسهل مع مضي الوقت وزيادة النفوذ الدولي، وإن يكن صعبًا في البداية، كما يجب القيام بالدعوة والتوعية بصورة فعالة موازية للحرب المضادة على الأقل 112.
تعتبر المعاهدات والمواثيق أو الاتفاقات من أهم وسائل العلاقات الدولية في القديم والحديث، فهي توطد فكرة السلام، وتوجه العلاقات السلمية بين المسلمين وغير المسلمين. وفي هذا الموضع إيجاز للمعاهدات بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى، و نقض العقد ومسوغاته، والاستجابة للدعوة إلى السلم عندما يميل العدو إلى ذلك.
أولًا: الدولة الإسلامية والمعاهدات:
المعاهدة في اللغة: مأخوذة العين والهاء والدال، وهو أصل يدل على الاحتفاظ بالشيء وإحداث العهد به. فمن ذلك: العهد؛ وهو حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال. وهوأيضًا: العقد والموثق واليمين والوصية والتقدم إلى المرء بالشيء أو بالأمر، وجمعه عهود. والمعاهدة والتعاهد بمعنىً واحد. وهي: المعاقدة والمحالفة. يقال: تعاهد القوم، أي: تحالفوا. فالمعاهدة ميثاق بين اثنين أو جماعتين؛ لأنها على وزن «مفاعلة» ، وهي تدل على المشاركة فلابد أن تكون بين طرفين 113.
والمعاهدة عند الفقهاء: موادعة المسلمين والمشركين سنين معلومة. أو هي: الصلح على ترك القتال مؤقتًا 114.
ويدل على مشروعية هذه المعاهدات قوله تعالى: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ? إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [الأنفال: 61] .
ففي الآية الكريمة دلالة على مشروعية المصالحة والموادعة إذا طلبها المشركون ومالوا إليها، وإذا كان في الصلح مصلحة فلا بأس أن يبتدئ به المسلمون إذا احتاجوا إليه 115.
وقوله سبحانه وتعالى: (وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى? أَهْلِهِ) [النساء: 92] .