فهرس الكتاب

الصفحة 685 من 2431

الترف

أولًا: المعنى اللغوي:

تطلق كلمة (ترف) ومشتقّاتها في اللغة العربية على عدة معانٍ، تدور كلها حول التنعّم، والتّرفّه، والرفاهية، فالتّرف والإتراف: النّعمة. والتّنعّم، والتّرفة: الطّعام الطّيّب 1، وقيل: التوسّع في النّعمة 2.

والمترف كـ (مكرمٍ) : المتروك يصنع ما يشاء لا يمنع منه 3، يقال: رجلٌ مترفٌ منعّمٌ، وترّفه أهله إذا نعّموه بالطّعام الطّيّب والشّيء يخصّ به 4، وصبيٌّ مترفٌ، كـ (مكرمٍ) : إذا كان منعّم البدن مدلّلًا، ورجلٌ مترّفٌ، كـ (معظّمٍ) : موسّعٌ عليه 5.

والمترف: الّذي قد أبطرته النعمة وسعة العيش. وأترفته النّعمة، أي: أطغته 6، وإنّما سمّي المتنعّم المتوسّع في ملاذّ الدّنيا وشهواتها مترفًا؛ لأنّه مطلقٌ له، لا يمنع من تنعّمه، وأترف فلانٌ: أصرّ على البغي 7.

فمعاني الترف تدور حول: النعمة، والمتعة، والدعة، والشهوة، والسلطة، وما تستعذبه النفس، وتستريح إليه من ملاذ الحياة وشهواتها 8.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

الترف هو: مجاوزة حدّ الاعتدال في التنعّم وإشباع رغبات النفس 9. فالمترفون إذن حريصون على الزيادة في أحوالهم وعوائدهم، وساعون إلى بلوغ الغاية في حاجات النفس الحسية من المآكل، والمشارب، والمساكن، والمراكب.

ورد الجذر (ت ر ف) في القرآن الكريم (8) مرات 10.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 3 ... {وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [المؤمنون:33]

اسم المفعول ... 5 ... {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) } [الواقعة:45]

وجاء الترف في القرآن بمعناه في اللغة: التوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها 11.

الإسراف:

الإسراف لغةً:

السين والراء والفاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على تعدّي الحدّ والإغفال أيضًا للشيء. تقول: في الأمر سرفٌ، أي: مجاوزة القدر 12 ..

الإسراف اصطلاحًا:

قال الجرجاني: «صرف الشيء فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي» 13.

وقال الطاهر ابن عاشور: «والإسراف: الإفراط والإكثار في شيءٍ غير محمودٍ» 14.

الصلة بين الإسراف والترف:

العلاقة بين الترف والإسراف علاقة وثيقة مترابطة، فالسّرف هو أوّل ظواهر الترف وأولى لبناته، والإسراف يجرّ حتمًا إلى الترف، وهو من الأخلاق التي تنهار معها أخلاق الفرد وأخلاق المجتمع.

التبذير:

التبذير لغةً:

بذّره تبذيرًا: خرّبه وفرّقه إسرافًا. وتبذير المال: تفريقه إسرافًا، وإفساده 15.

التبذير اصطلاحًا:

هو «صرف الشيء فيما لا ينبغي» 16.

وقيل: هو إنفاق المال في المعاصي أو في غير حق.

الصلة بين التبذير والترف:

إذا تفاقم الترف في تجاوزه للحدّ فإنه يصل إلى حدّ التبذير، وإضاعة الأموال في أمور ضارّة، أو لا حاجة لها.

التقتير:

التقتير لغة:

من قتر، وفلان قتر ضاق عيشه، وضيق على عياله في النّفقة 17.

التقتير اصطلاحًا:

عرفه المناوي بقوله: هو «تقليل النفقة، ويقابله الإسراف، وهما مذمومان» 18.

الصلة بين التقتير والترف:

كما هو واضح، فإن العلاقة بينهما علاقة تضادّ، فالتقتير تضييق في النفقة، والترف مجاوزة الحدّ في الإنفاق.

الشح:

الشح اللغة:

«البخل مع حرص» 19. وقال ابن منظور رحمه الله تعالى: «الشح أشد البخل» 20.

والشح اصطلاحًا:

هو: «حرص النفس على ما ملكت وبخلها به، وما جاء في التنزيل من الشح، فهذا معناه كقوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) } [الحشر: 9] .

وقوله: {وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ} [النساء: 128] » 21.

قال الراغب رحمه الله تعالى: «الشح: بخل مع حرص، وذلك فيما كان عادة» 22.

وقال الجرجاني رحمه الله تعالى: «بخل الرجل من مال غيره» 23.

الصلة بين الشح والترف:

العلاقة بينهما أيضًا علاقة تضادّ، فالشّحّ فيه منع الإنفاق، والترف مجاوزة الحدّ فيه.

للترف أسباب ومظاهر بيّنها القرآن الكريم سوف نتناولها فيما يأتي:

أولًا: أسباب الترف:

الترف ظاهرة اجتماعية، وآفة إنسانية خطيرة، تنشأ وتظهر لأسباب ودواعٍ كثيرة، منها:

1.بسط الدنيا ووفرة النعم.

انفتاح الدنيا على الناس، ووفرة النعم يكون غالبًا من أكبر دواعي الترف وأسبابه؛ وذلك لأنه يدعو إلى الركون والمتعة والراحة، ويدفع إلى البذخ والإنفاق في غير حاجة، وواقع المجتمعات يشهد بذلك، فإنه كلما بسطت الدنيا على الناس اقتربوا من الترف والبطر.

وقد أوضح الله تعالى في كتابه هذه الحقيقة في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27] .

وقوله سبحانه: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] .

ومن أجلى صور الطغيان وأوضحها البطر بالنعمة والإنفاق في غير حاجة ترفًا ومباهاة وحبًّا للظهور.

وهذا ما خشيه النبي صلى الله عليه وسلم علينا، فقال محذرًا لنا: (فو اللّه ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدّنيا، كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتلهيكم كما ألهتهم) 24.

وقد بيّن الله تعالى أن التوسعة في النّعم على العباد في الدنيا إنما هو امتحان وابتلاء، وليس رضًا عليهم ولا محبة لهم بخلاف ما يعتقدونه؛ فإنهم يعتقدون أو يظنون بأن النّعم التي تأتيهم علامة على رضا الله عنهم، وليس هذا في الحقيقة، فمن عاش في حياة الترف وألهاه التنعّم بالانغماس فيه والاستكثار منه عن التعبد لله تعالى وأشغلته هذه الأمور عن طاعة الله تعالى فهذا مسكين.

قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55 - 56] .

قال قتادة: «مكرٌ والله بالقوم في أموالهم وأولادهم، يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح» 25. إن هؤلاء: «يحسبون أن الإملاء لهم بعض الوقت، وإمدادهم بالأموال والبنين في فترة الاختبار، مقصود به المسارعة لهم في الخيرات وإيثارهم بالنعمة والعطاء: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ} وإنما هي الفتنة، وإنما هو الابتلاء {بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} لا يشعرون بما وراء المال والبنين من مصير قاتم ومن شر مستطير!» 26.

ويزداد تأثير كثرة النعم ووفرتها على الإنسان، وجرّه إلى الترف وغاية الرفاهية حين يكون مولودًا في النّعم، لم تمرّ به حالات بؤس، ولم يعرف شدّة البلاء ومعاناة الفقر، بل جاءه المال وتوفرت لديه النّعم بسهولة ويسر من دون ما كسب أو بذل جهد.

2.حب النفس للشهوات.

«حبّب الله تعالى للبشر زينة الحياة الدنيا وزخرفها، فقال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14] .

وليست المشكلة في ذلك الحب الذي وضعه الله تعالى في القلوب، بل إنه فطري، وضروري لاستمرار الحياة والقيام بواجب الخلافة في الأرض، ولكنها تكمن في تقديم حبّ تلك الأشياء على محبوبات الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وما ينتج عن ذلك من التشاغل بها والركون إليها، حتى يصير الإنسان كأنه مسترقٌّ لها لا يستطيع عمل ما يخالفها، وإن كانت في ذلك سعادته ونجاحه، وقد حذّر الله تعالى في كتابه عباده من تقديم حبّهم لشهواتهم وملذّاتهم على حبّه وحبّ رسوله صلى الله عليه وسلم، والعمل لدينه، فقال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24] .

فليحذر الإنسان من الترف الذي يجعل نفسه عرضةً لعبودية الهوى والشهوات، ويردّ الحقّ ويكذّب به، قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116] .

وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34] .

وقال: {وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا} [المزمل: 11] » 27.

3.طول الأمل ونسيان الموت.

«الانشغال بمتاع الدنيا وشهواتها ناتج عن طول الأمل، ونسيان الإنسان كونه في رحلة إلى الدار الآخرة تكتمل بنزول ملك الموت لقبض الروح، ونظرًا لخطورة تلك الغفلة عن ذلك المصير وما تنتجه من ضعف الخوف من الله تعالى وقلّة الخشية له، وبالتالي عدم المحاسبة للنفس والمراقبة لعملها.

قال تعالى محذّرًا من ذلك: {ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 3] .

قوله: {وَيُلْهِهِمُ} أي: يشغلهم أملهم في الدنيا والتزيّد منها عن النظر والإيمان بالله ورسوله» 28، {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} «أي: عاقبة أمرهم» 29.

وقال صلى الله عليه وسلم موصيًا ابن عمر: (كن في الدّنيا كأنّك غريبٌ أو عابر سبيلٍ) 30.

«وذلك لأن الغريب لا تعلق له ببلد الغربة، ولا تشاغل لديه بملذاتها وملهياتها، بل قلبه معلّق بوطنه الذي يرجع إليه» 31 «والمسافر لا همّ له في الاستكثار من متاع الدنيا أثناء قطعه لمنازل السفر، وإنما يكتفي بتحصيل زاد السفر له و لراحلته لا غير» 32.

4.الاغترار بالمال والسلطان.

«قال الله تعالى عن قارون أنه قال: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} [القصص: 78] .

أي: فضّلت به على النّاس واستوجبت به التفوق عليهم بالمال والجاه» 33. «إنها قوله المغرور المطموس الذي ينسى مصدر النعمة وحكمتها، ويفتنه المال ويعميه الثراء. وهو نموذج مكرر في البشرية. فكم من الناس يظن أن علمه وكده هما وحدهما سبب غناه. ومن ثم فهو غير مسؤول عما ينفق وما يمسك، غير محاسب على ما يفسد بالمال وما يصلح، غير حاسب لله حسابًا، ولا ناظر إلى غضبه ورضاه!» 34.

«إنّ الجاه والمنصب قد يحمل على الظلم، والتعدّي، وعدم المبالاة بحقوق الآخرين، كما هي عادة المترفين» 35.

«ومن مضار الجاه أن يستخدمه فيما يسوء الخلق، فالأمير قد يظلم المأمور بتوقيفه بحجّة باهتة، أو بالاستيلاء على ماله، أو بمنعه من دخول البلاد، والموظف -وهو أمير على من تحته- قد يظلمهم ... ، ولا يعمل تلك الأعمال إلا المترفون المنعمون بحصول الجاه لهم» 36.

5.ضعف الإيمان.

من أبرز أسباب الترف: ضعف الإيمان أو انعدامه، وقلة الوازع الديني؛ فإن «الترف مرتبط بالبعد عن دين الله ارتباطًا وثيقًا؛ ولذا فإن الترف إنما ورد ذكره في السور المكية، وفي ذمّ القوم المعاندين للرسل الذين أبطرتهم النعمة وصدتهم عن الإذعان للحق النازل من عند الله سبحانه.

قال تعالى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116] .

إنّ النعمة إذا لم تصادف قلبًا مؤمنًا خاشعًا فإنها تتحول في كثير من الأحيان والأحوال إلى أداة للترف والبطر والطغيان.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 34 - 35] .

ولا يعني ذلك أن الترف خاصّ بالكفار والمكذبين، بل هو خلقٌ عامّ ينطبق على كل من اتصف به، والله تعالى يذكر صفات القوم ليحذّرنا من الوقوع فيها، وقد وقع كثير من المسلمين في الترف، وهذا راجع إلى ضعف الإيمان، وقلة الوازع، والانغماس في المعاصي، والاغترار ببريق الدنيا وزخارفها» 37.

6.التقليد.

إنّ الإنسان يتأثر ببيئته تأثّرًا كبيرًا، فمن نشأ في بيئةٍ مترفةٍ لا تهتم بتربية النّشء على الجلد والخشونة، ولا توجهه في كيفية التعامل مع فتنة الحياة الدنيا وزخرفها، فإنّه يتأثر بذلك حتمًا إلا من رحم الله.

وقد جاء في بعض آيات الترف الإشارة إلى تأثّر المترفين ببيئتهم وأسلافهم في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23] .

يقول المترفون: «وجدنا آباءنا في نعمةٍ من الله وهم يعبدون الأصنام، فذلك دليل رضاه عنهم، وكذلك اهتدينا نحن بذلك على آثارهم» 38.

ثانيًا: مظاهر الترف ومجالاته:

المتأمل لحقيقة الترف يجد أنّ صوره وأشكاله قد تعدّدت وتنوّعت في القرآن مما يدّل على خطورته وأثره في سلوك العبد مسلمًا كان أم كافرًا، وهذه المظاهر حينما يتأملها المسلم في الآيات يشعر بمدى عظم ذلك الجرم، ويرى في ثنايا الآيات رحمة الله بعباده المسلمين حيث حذّرهم من هذه الآفات التي أهلكت الأمم السابقة، فيدفعه ذلك إلى شكر نعم الله تعالى عليه، والتحدّث بها ظاهرًا والإقرار بها باطنًا، وتصريفها في مرضاته.

وللترف مظاهر كثيرة، من أبرزها ما يلي:

1.الترف في مواجهة الأنبياء.

للترف أثرٌ بالغ في الدول والمجتمعات، بل هو معول هدمٍ لطاقاتها وقدراتها؛ فهو يغري صاحبه بالإخلاد إلى الأرض والخوض في الدنيا، والتعلّق بالمناصب والجاه والمال، ونسيان معالي الأمور وعدم المخاطرة بالنفس في طلب العلم والجهاد؛ ولهذا عدّ المترفون أعداءً للأنبياء والمرسلين؛ لأنهم يقفون في طريق الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

-المترفون وعقيدة التوحيد.

ما من رسول إلا دعا قومه إلى توحيد الخالق سبحانه وتعالى وإفراده بالعبودية.

قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ? فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ? فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ?36? [النحل: 36] .

وقال: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ?25? [الأنبياء: 25] .

ومن خلال تتبع قصص الأنبياء في القرآن الكريم وجد أن الصفة التي تكاد تطّرد في جميع مكذبيهم هي الترف الحامل على رفع لواء العتوّ والاستكبار والإباء، فالمترفون «هم الذين يبادرون إلى تكذيب الأنبياء» 39، وهم الملأ الذين يتولون كبر معارضة الرسل، كما ورد في آيات كثيرة من القرآن.

قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25) أَن لَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ? إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى? لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود: 25 - 27] .

وقال تعالى: ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34) [المؤمنون: 31 - 34] .

وحينما دعا نبي الله هود عليه السلام قومه لدعوة التوحيد أجابوه بقولهم: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ? فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ?70? [الأعراف: 70] .

ومثل ذلك وقع من قوم نبي الله صالح عليه السلام.

قال تعالى: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ ? قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ ?75?قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ?76? [الأعراف: 75 - 76] .

وقال تعالى: وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ? وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَ?ذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ?4?أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَ?هًا وَاحِدًا ? إِنَّ هَ?ذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ?5? وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى? آلِهَتِكُمْ ? إِنَّ هَ?ذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ?6? [ص: 4 - 6] .

-المترفون وجحد الرسالات.

واجه المترفون رسلهم أيضًا في أصل رسالتهم ونبوّتهم من الله تعالى، وأخذوا يشكّكون في ذلك، ويرفضون قبول أنهم مرسلون من الله تعالى مبلّغون عنه، مما زاد من الضيق والحرج في صدور أنبياء الله، وقد بيّن القرآن هذه المواجهة في آيات كثيرة، منها:

قال تعالى: ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَ?هٍ غَيْرُهُ ? أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ [المؤمنون: 31 - 34] .

قوله تعالىژوَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا في هذين الوصفين إيماء إلى أنهما الباعث على تكذيبهم رسولهم؛ لأن تكذيبهم بلقاء الآخرة ينفي عنهم توقّع المؤاخذة بعد الموت، وثروتهم ونعمتهم تغريهم بالكبر والصلف؛ إذ ألفوا أن يكونوا سادةً لا تبعًا.

وجملة كناية عن تكذيبه في دعوى الرسالة؛ لتوهمهم أن البشرية تنافي أن يكون صاحبها رسولًا من الله، فأتوا بالملزوم وأرادوا لازمه.

وجملة::مَا هَ?ذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْگ: يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ في موقع التعليل والدليل للبشرية؛ لأنه يأكل مثلهم ويشرب مثلهم ولا يمتاز فيما يأكله وما يشربه 40.

ولذلك لم يتقبلوا ما دعاهم إليه رسولهم من اتقاء عذاب يوم البعث وطلبهم النجاة باتباعهم ما يأمرهم به، فقال بعضهم لبعض: وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ فلما أنكروا رسالته وردوها، أنكروا ما جاء به من البعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال.

-المترفون وعقيدة البعث.

رفض المترفون الإقرار والإذعان بعقيدة البعث بعد الموت، واستهزءوا برسولهم فيما قال، وواجهوا هذه العقيدة بالسخرية، فقالوا: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ?35?هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ?36? إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ?37? [المؤمنون: 35 - 38] .

قال ابن عاشور رحمه الله: «والاستفهام في قوله: أَيَعِدُكُمْ للتعجب، وهو انتقال من تكذيبه في دعوى الرسالة إلى تكذيبه في المرسل به، وجعلوا موجب الاستبعاد هو حصول أحوال تنافي أنهم مبعوثون بحسب قصور عقولهم، وهي حال الموت المنافي للحياة، وحال الكون ترابًا وعظامًا المنافي لإقامة الهيكل الإنساني بعد ذلك» 41.

وبيّن سبحانه وتعالى أن ذلك التكذيب من أسباب عذابهم يوم القيامة.

فقال تعالى: وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (43) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَ?لِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى? مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ [الواقعة: 41 - 50] .

فقد «كانوا يقيمون على الكفر بالله والإشراك به ومعصيته، ولا ينوون التوبة من ذلك، وكانوا يقولون إنكارًا للبعث: أنبعث إذا متنا وصرنا ترابًا وعظامًا بالية؟ وهذا استبعاد منهم لأمر البعث وتكذيب له» 42.

قال البيضاوي رحمه الله: «وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ كررت الهمزة للدلالة على إنكار البعث مطلقًا وخصوصًا في هذا الوقت، كما دخلت العاطفة في قوله: أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ للدلالة على أن ذلك أشد إنكارًا في حقهم لتقادم زمانهم، وللفصل بها حسن العطف على المستكن فيمَبْعُوثُونَ» 43.

ولذلك جاءت الآيات لتواسي النبي صلى الله عليه وسلم في مواجهته لعتو قومه من المترفين وكفرهم بدعوته.

قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ ?34? [سبأ: 34] .

وقال تعالى: وَكَذَ?لِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى? أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى? آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (23) ? قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى? مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ? قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (24) [الزخرف: 23 - 24] .

2.الترف في متاع الحياة الدنيا.

من أبرز مظاهر الترف في الحياة الدنيا ما يلي:

-الترف في المال.

الإنسان بطبعه يحب المال حبًّا كثيرًا؛ فهو وسيلته للعيش في الحياة الدنيا، وللزينة فيها كثرت أو قلّت، قال الله تعالى: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: 20] .

وقال: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [العاديات: 8] .

وقال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف: 46] .

وقد جعل الله الأموال قيامًا للناس، وقسمها بين عباده كما يشاء، قال تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ? نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ? وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ? وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف: 32] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت