فهرس الكتاب

الصفحة 1954 من 2431

فقال في الآية الأولى: {لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ} وقال في الثانية: {وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ} والوصف: ذكر الشيء بحليته ونعته، والصفة: الحالة التي عليها الشيء من حليته ونعته، كالزنة التي هي قدر الشيء، والوصف قد يكون حقًا وباطلًا، فمن الباطل قوله في هذه الآية: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل:116] .

تنبيهًا على كون ما يذكرونه كذبًا 40. ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها للكذب صريحًا لا خفاء به، وتصويرها له بصورة مستحسنة، وتزيينها له في المسامع، كأن ألسنتهم لكونها منشأ للكذب ومنبعًا للزور شخص عالم بكنهه ومحيط بحقيقته يصفه للناس، ويعرفه أوضح وصف وأبين تعريف، على طريقة الاستعارة بالكناية، كما يقال: وجهه يصف الجمال، وعينه تصف السحر 41.

قال الألوسي: وقد بولغ في الآية من حيث جعل قولهم كذبًا، ثم جعل اللسان الناطقة بتلك المقالة ينبوعه مصورة إياه التي هو عليها، وهو من باب الاستعارة بالكناية، وجعله بعضهم من باب الإسناد المجازي، نحو: نهاره صائم، كأن ألسنتهم لكونها موصوفة بالكذب صارت كأنها حقيقتة ومنبعه الذي يعرف منه حتى كأنه يصفه ويعرفه 42.

وقرئ: (الكذب) بالجر صفة {لِمَا} مع مدخولها، كأنه قيل: لوصفها الكذب، بمعنى: الكاذب، كقوله تعالى: {بِدَمٍ كَذِبٍ} [يوسف:18] .

أو على البدل من (ما) : أي: ولا تقولوا الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام، والمراد بالوصف وصفها البهائم بالحل والحرمة 43.

وقرئ: (الكذب) بضم الكاف والذال والباء، جمع: كذوب، على أنه نعت للألسنة؛ كأنه قال: «ألسنةٌ كذبٌ» . وقرئ: بالنصب على الشتم، أو بمعنى الكلم الكواذب، أو هو جمع الكذاب، من قولهم: كذب كذبًا 44.

و (ما) في قوله: {لِمَا تَصِفُ} مصدرية، أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم 45. أو موصولة، والعائد محذوف، أي: ولا تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم من البهائم بالحل والحرمة: هذا حلال وهذا حرام، من غير ترتب ذلك الوصف على ملاحظة وفكر، فضلًا عن استناده إلى وحي أو قياس مبني عليه، بل مجرد قول باللسان 46.

ويصح أن يكون لفظ الكذب مفعولًا لـ (تصف) وأن يكون قوله: {هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} مفعولًا لـ (تقولوا) وعلى هذا الوجه يكون في وصف ألسنتهم الكذب مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، حتى لكأن ماهية الكذب كانت مجهولة، فكشفت عنها ألسنتهم ووضحتها ووصفتها ونعتتها بالنعوت التي جلتها.

قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته وصورته بصورته، كقولهم: وجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر 47.

واللام في قوله: {لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} هي لام الصيرورة والعاقبة، أو هي -كما يقول صاحب الكشاف- من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض 48؛ لأن ما صدر عنهم من تحليل وتحريم دون أن يأذن به الله ليس الغرض منه افتراء الكذب فحسب، بل هناك أغراض أخرى كظهورهم بمظهر أولي العلم، وكحبهم للتباهي والتفاخر.

وقوله: {لِتَفْتَرُوا} من الافتراء، وهو أشنع أنواع الكذب؛ لأنه اختلاق للكذب الذي لا يستند إلى شيء من الواقع، أي: ولا تقولوا لما تحكيه ألسنتكم من أقوال وأحكام لا صحة لها: هذا حلال وهذا حرام؛ لتنسبوا ذلك إلى الله تعالى كذبًا وزورًا.

وقد حكى الله تعالى عن هؤلاء الجاهلين في آيات كثيرة أنهم حللوا وحرموا أشياء من عند أنفسهم، ومن ذلك قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا} [الأنعام: 139] .

وقوله سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} [يونس: 59] .

قال ابن كثير: ويدخل في الآية كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلل شيئًا مما حرم الله أو حرم شيئًا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه 49.

والمقصود أن الله جعل من أنواع كذب اللسان قولها: هذا حلال وهذا حرام، وهو من أعظم أنواع الكذب؛ لأنه من القول على الله بغير علم؛ لأن الملك والحكم لله سبحانه وتعالى، وكذلك الحكم الشرعي لله ليس لأحد، فالله تعالى هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، وليس أحد من الخلق له الفضل في ذلك الإيجاب والتحليل والتحريم؛ ولهذا نهى الله عباده أن يصفوا شيئًا بالحلال والحرام بدون إذن. ففي الآية دليل واضح على حرمة القول بدون علم، وكذا الاعتقاد والعمل، فلا يحل لأحد أن يعتقد أو يقول أو يعمل بدون علم شرعي قد تمكن من معرفته.

وتتناول هذه الآية بعموم لفظها فتيا من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما يقع كثيرًا من المؤثرين للرأي المقدمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة كالمقلدة، وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم، ويمنعوا من جهالتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله، ولا هدى ولا كتاب منير، فضلوا وأضلوا 50.

وهكذا أضاف الله الكذب إلى اللسان، فقال تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ} [النحل:62] .

وهذا تصوير بليغ لما جبلوا عليه من كذب صريح وبهتان واضح، ومعنى: {وَتَصِفُ} تقول وتذكر بشرح وبيان وتفصيل، حتى لكأنها تذكر أوصاف الشيء.

والمعنى: أن هؤلاء المشركين يجعلون لله تعالى ما يكرهونه من الأولاد والأموال والشركاء، وتنطق ألسنتهم بالكذب نطقًا واضحًا صريحًا؛ إذ زعموا أنه إن كانت الآخرة حقًا فسيكون لهم فيها أحسن نصيب.

والمقصود أن من آفات اللسان الكذب، وأعظمه الكذب على الله عز وجل وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، كما حكى الله في هذه الآية، وكما قال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر:60] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تكذبوا علي، فإنه من كذب علي فليلج النار) 51.

لهذا يجب التثبت فيما يحكيه المرء، وعدم التحديث بكل ما سمع إذا لم يظن صحته، كما قال صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع) 52.

وكان السلف الصالح رضوان الله عليهم مع سعة علمهم وفقههم لا يكثرون من إطلاق عبارات التحليل والتحريم، وهذا من شدة ورعهم ومحاسبتهم لأنفسهم، يقول الإمام مالك رحمه الله: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنًا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا، ولا يقولون: هذا حلال ولا حرام 53.

فعلى المسلم أن يعود لسانه الصدق، بل لا بد أن يكون صادقًا في قوله وعمله وحاله، فالصدق يكون في هذه الثلاثة: فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها، والصدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد، والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوسع، وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاءوا بالصدق، وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صديقيته؛ ولذلك كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ذروة سنام الصديقية، سمي الصديق على الإطلاق، والصديق أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق، فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية، وهي كمال الانقياد للرسول، مع كمال الإخلاص للمرسل 54.

وقد قيل: إن في اللسان أكثر من عشرين آفة، وخصلة واحدة نافعة، وهي الصدق، وبها ينتفي عن الإنسان جميع الخصال الذميمة، وعن بدنه جميع الأفعال القبيحة، فإذا حجبه بالصدق فقد كملت له التقوى ونال المرتبة القصوى 55.

وقد ذكر الله من صفات اللسان الصدق، فقال تعالى: {وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا} [مريم:50] .

وقال تعالى: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء:84] .

أي: ثناءً حسنًا باقيًا في أهل الأديان، فكل أهل دين يتلونهم ويثنون عليهم ويفتخرون بهم؛ استجابة لدعوته بقوله: {وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء:84] .

أي: فأعطي ذلك، فكل أهل دين يتولونه، ويثنون عليه.

أو يكون المعنى: واجعلني على طريق قويم، وحال مرضي، يقتدى بي فيهما، ويحمد أثري بعد موتي، وقال بعضهم: سأل أن يجعله صالحًا بحيث إذا أثنى عليه من بعده لم يكن كاذبًا. وقيل: سأل الإمامة في التوحيد والدين، وقد أجيب بقوله: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} [البقرة:124] 56.

وخص بعضهم لسان الصدق بما يتلى في التشهد من قول: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، والعموم أولى 57.

وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصًا في هذه الأمة، حتى إنه مذكور ومقرون في كل صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

فيكون المراد بلسان الصدق هنا: الكلام، من إطلاق اسم الآلة على ما يتقوم بها. ووضع اللسان موضع القول على الاستعارة؛ لأن القول يكنى بها 58.

والمقصود أنه لسان صدق؛ لأنه ثناء بالصدق عليه من سائر الأمم، وليس ثناء بالكذب، فهو لسان الثناء الصادق بمحاسن الأفعال وجميل الطرائق، وفي كونه لسان صدق إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنه ثناء بحق لا بباطل.

ولما كان الصدق باللسان وهو محله أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاء وفاقًا، وعبر به عنه، فإن اللسان يراد به ثلاثة معان، ومنها هذا الذي هو (الثناء) 59. وهو المراد بـ {ذِكْرَى الدَّارِ} [ص:46] ، في الآية الأخرى، أي: الذكر الجميل الرفيع لهم في الآخرة.

واللام في قوله: (لي) تقتضي أن الذكر الحسن لأجله، فهو ذكره بخير، وإضافة (لسان) إلى (صدق) من إضافة الموصوف إلى الصفة، ففيه مبالغة الوصف بالمصدر، أي: لسانًا صادقًا، والصدق هنا كناية عن المحبوب المرغوب فيه؛ لأنه يرغب في تحققه ووقوعه في نفس الأمر 60.

و {عَلِيًّا} حال من اللسان، وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو مجازًا؛ لشرف ذلك الثناء، أو للدلالة على أنهم أحقاء لما يثنون عليهم، وأن محامدهم لا تخفى على تباعد الأعصار وتبدل الدول وتحول الملل والنحل 61.

وقد رتب الله جزاء إبراهيم على نبذه أهل الشرك ترتيبًا بديعًا؛ إذ جوزي بنعمة الدنيا، وهي العقب الشريف، ونعمة الآخرة وهي الرحمة، وبأثر تينك النعمتين وهو لسان الصدق؛ إذ لا يذكر به إلا من حصل النعمتين 62، وعبر باللسان عما يوجد باللسان، كما يعبر باليد عما يوجد باليد، وهو العطية 63.

وقيل: إذا أريد ذلك فلا بد من تقدير مضاف في كلامه عليه السلام، أي: اجعل لي صاحب لسان صدق في الآخرين، أو جعل اللسان مجازًا عن الداعي بإطلاق الجزء على الكل؛ لأن الدعوة باللسان، فكأنه قال: اجعل لي داعيًا إلى الحق صادقًا في الآخرين، ولا يخفى أن فيما ذكرناه سابقًا غنى عن ذلك كله 64.

ثانيًا: اللسان بين الفصاحة والعي:

خلق الله الألسنة متفاوتة من حيث الفصاحة والعي، وقد أخبر الله تعالى بهذا التفاوت، حيث قال حاكيًا قول موسى عليه السلام: {وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ} [القصص:34] .

وقوله: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي} [طه:27] .

وقوله: {وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} [الشعراء:13] .

فنلحظ من الآيات السابقة أن موسى عليه السلام سأل الله تعالى سلامة آلة التبليغ وهي اللسان، بأن يرزقه فصاحة التعبير، والمقدرة على أداء مراده بأوضح عبارة، فشبه حبسة اللسان بالعقدة في الحبل أو الخيط ونحوهما؛ لأنها تمنع سرعة استعماله.

فالعقدة: موضع ربط بعض الخيط، أو الحبل ببعض آخر منه، وهي بزنة فعلة، بمعنى مفعول كقصة وغرفة، أطلقت على عسر النطق بالكلام أو ببعض الحروف على وجه الاستعارة؛ لعدم تصرف اللسان عند النطق بالكلمة، وهي استعارة مصرحة، ويقال لها: حبسة، يقال: عقد اللسان كفرح فهو أعقد إذا كان لا يبين الكلام، واستعار لإزالتها فعل (الحل) المناسب للعقدة على طريقة الاستعارة المكنية 65.

والسبب من سؤال موسى عليه السلام من الله أن يحلل عقدة من لسانه أنه كان في لسانه حبسة إما في أصل الخلقة وإما لأنه وضع الجمرة في فيه 66.

وموسى عليه السلام سأل الله ذلك لئلا يقع خلل في أداء الوحي، وقيل: لئلا يستخف بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه، أو: لإظهار المعجزة، كما أن حبس لسان زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزًا في حقه، فكذا إطلاق لسان موسى عليه السلام معجز في حقه 67.

أو سأل ذلك طلبًا للسهولة؛ لأن إيراد مثل هذا الكلام على مثل فرعون في جبروته وكبره عسير جدًا، فإذا انضم إليه تعقد اللسان بلغ العسر إلى النهاية، فسأل ربه إزالة تلك العقدة تخفيفًا وتسهيلًا.

ولما قال: {عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي} بتنكير العقدة، ولم يقل: واحلل عقدة لساني دل على أنه طلب حل بعضها؛ لأجل أن يفهم عنه فهمًا جيدًا؛ ولذا قال: {يَفْقَهُوا} أي: يفهموا {قَوْلِي} عند تبليغ الرسالة، ولم يطلب الفصاحة الكاملة، و {مِنْ لِسَانِي} صفة للعقدة، كأنه قيل: عقدة من عقد لساني 68. فهو على هذا لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف بعضها لدعائه لا جميعها؛ ولذلك نكرها ووصفها بقوله: {مِنْ لِسَانِي} أي: عقدة كائنة من عقد لساني 69.

وقد قيل: إنه لم يكن هذا العي في موسى عليه السلام عيبًا؛ لأنه لم يكن مقام موسى يومئذٍ مقام خطابة ولا تعليم حتى تكون قلة الفصاحة نقصًا في عمله، ولكنه مقام استدلال وحجة، فيكفي أن يكون قادرًا على إبلاغ مراده، ولو بصعوبة، وقد أزال الله عنه ذلك حين تفرغ لدعوة بني إسرائيل، كما قال الله: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى} [طه:36] .

والمقصود أن الألسنة تتفاوت من حيث الفصاحة والبلاغة؛ ولهذا هارون كان أفصح لسانًا من موسى عليهما السلام؛ لذا طلب إرساله معه لتميزه بفصاحة اللسان 70.

ولما كان العي في اللسان يوهم نقصًا نفاه الله عن زكريا عليه السلام، فقال تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا} [مريم:10] .

فقال: (سويًا) أي: ليس المانع له من كلام الناس بكم طرأ له، أو آفة تمنعه من ذلك، إنما المانع له هو الله، وهو صحيح لا علة فيه، فانتفاء التكلم عنه لا لبكم ولا مرض؛ لأن قوله: {سَوِيًّا} حال من فاعل (تكلم) ، مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الإعجاز وخرق العادة لا لاعتلال اللسان بمرض، أي: يتعذر عليك تكليمهم ولا تطيقه في حال كونك سوي الخلق سليم الجوارح، ما بك شائبة بكم، ولا خرس، وهذا ما عليه الجمهور، ويشهد له قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ} [آل عمران:41] 71.

فأمره بالذكر ولو كان لعلة لما استطاع أن يذكر الله تعالى.

ومعنى: {رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} [مريم:10] أي: اجعل لي علامة ودلالة على حمل امرأتي؛ لأن البشارة بالولد وقعت مطلقة، فلم يعرف وقتها بمجرد البشارة، فطلب الآية ليعرف بها وقت الوقوع.

فجعل الله له آية وهي تعذر الكلام عليه مع القوم على وجه المخاطبة مع أنه كان متمكنًا من ذكر الله ومن قراءة التوراة؛ لأن اعتلال اللسان مطلقًا قد يكون لمرضٍ وقد يكون من فعل الله، فلا يعرف زكريا عليه السلام أن ذلك الاعتلال معجزٌ إلا إذا عرف أنه ليس لمرض بل لمحض فعل الله تعالى مع سلامة الآلات، فلما اعتل لسانه عن الكلام مع القوم مع اقتداره على التكلم بذكر الله تعالى وقراءة التوراة علم بالضرورة أن ذلك الاعتلال ليس لعلةٍ ومرضٍ بل هو لمحض فعل الله، فيتحقق كونه آية ومعجزة، ومما يقوي ذلك قوله تعالى: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} [مريم:10] .

خص ذلك بالتكلم مع الناس؛ وهذا يدل بطريق المفهوم أنه كان قادرًا على التكلم مع غير الناس 72.

والمقصود أن من عيوب اللسان العي، والمراد به عجز اللسان وتعبه عن الكلام عند المخاصمة، فالعي مذموم عند بلغاء العرب وخطبائهم، وقد قال شاعرهم 73:

أعذني ربي من حصر وعيٍّ

ومن نفس أعالجها علاجا

والحصر والعي متقاربا المعنى، فإن قال قائل: كيف يكون عي اللسان عيبًا وقد جاء مدح العي في قوله النبي صلى الله عليه وسلم: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان، والبذاء والبيان شعبتان من النفاق) ؟! 74.

والجواب: أن هذا مع أنه في الظاهر عي، وصاحبه لا يسترسل في الكلام كأن معلوماته ليست جيدة، أو كأنه ليس وقاد الذهن ولا سيال اللسان، لكن في الواقع إنما حجزه عن ذلك الخوف أن يقول على الله بلا علم؛ لهذا صار العي إيمانًا بهذا الاعتبار، وهو محمود، وهو شعبة من الإيمان باعتبار أن خوفه من الغلط وخوفه أن يقول على الله بلا علم جعله يكون كأنه ذو عي، ينقطع في كلامه، ولا يتواصل كلامه؛ لأجل تحرزه وتحرسه من أن ينطق بشيء يغلط فيه على الشريعة، أو أن يقول على الله بلا علم.

ومما يظهر فضل اللسان والنطق أن الله ذم قومًا بوصفهم بالبكم، فقال تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} [البقرة:18] .

والبكم: جمع أبكم، وهو الذي لا ينطق. فالبكم: آفة في اللسان تمنع معها اعتماده على مواضع الحروف، أو الأبكم الذي يولد أخرس، أو المسلوب الفؤاد الذي لا يعي شيئًا ولا يفهمه، أو الذي جمع الخرس وذهاب الفؤاد 75.

والبكم -كما قال أهل العلم- نوعان: بكم القلب، وبكم اللسان، كما أن النطق نطقان، نطق القلب، ونطق اللسان، وأشدهما بكم القلب، كما أن عماه وصممه أشد من عمى العين وصمم الأذن، فوصفهم سبحانه بأنهم لا يفقهون الحق، ولا تنطق به ألسنتهم، والعلم -كما هو معلوم- يدخل إلى العبد من ثلاثة أبواب، من سمعه وبصره وقلبه، وقد سدت عليهم هذه الأبواب الثلاثة، فسد السمع بالصمم، والبصر بالعمى، والقلب بالبكم 76.

وقد جعل بعض المازنيين الحبسة في اللسان والعي ختمًا عليه، فقال 77:

ختم الإله على لسان عذافرٍ

ختمًا فليس على الكلام بقادر

وإذا أراد النطق خلت لسانه

لحمًا يحركه لصقرٍ ناقر

للسان آفات بينها القرآن الكريم نوضحها فيما يأتي:

أولًا: النطق بكلمات الكفر:

من أعظم آفات اللسان النطق بكلمات الكفر من غير إكراهٍ.

قال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} [التوبة:74] .

وكلمة الكفر: الكلام الدال عليه، وأصل الكلمة اللفظ الواحد الذي يتركب منه، ومن مثله الكلام المفيد، وتطلق الكلمة على الكلام إذا كان كلامًا جامعًا موجزًا، كما في قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} [المؤمنون:100] .

وفي الحديث: (أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل) 78.

فكلمة الكفر جنس لكل كلام فيه سب أو استهزاء أو تكذيب للنبي صلى الله عليه وسلم، كما أطلقت كلمة الإسلام على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

فالكلمات الصادرة عنهم على اختلافها ما هي إلا أفراد من هذا الجنس، كما دل عليه إسناد القول إلى ضمير جماعة المنافقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت