أولًا: المعنى اللغوي:
المرض لغة: السقم، وهو نقيض الصحة، ويكون للإنسان والحيوان، وهو حالة خارجة عن الطبع ضارة بالفعل، وهو النقصان، ومنه بدن مريض: ناقص القوة، وقلب مريض: ناقص الدين، وهو الفتور، قال ابن عرفة: «المرض في البدن: فتور الأعضاء، وفي القلب: فتور عن الحق» ، وهو الظلمة 1.
قال ابن فارس: « (مرض) الميم والراء والضاد أصل صحيح يدل على ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة في أي شيء كان» 2.
وخلاصة التعريف اللغوي: أن المرض له معنيان:
أحدهما: أن المرض اسم يطلق على ما يصيب البدن من العلل والجروح والفتور.
والثاني: أن المرض اسم يطلق على ما يصيب الإنسان في الدين كالجهل، والجبن، والبخل، والنفاق، وغيرها من الرذائل الخلقية.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
والمرض اصطلاحًا: ما يعرض للبدن، فيخرجه عن حالة الاعتدال الخاص، وذلك نوعان:
الأول: مرض جسمي، ومنه قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] .
والثاني: عبارة عن الرذائل كالجهل، والجبن، والبخل، والنفاق، وغيرها من الرذائل الخلقية، ومنه قوله سبحانه: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) } [البقرة:10] 3.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
وردت مادة (مرض) في القرآن الكريم (24) مرة 4.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 1 ... {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) } [الشعراء:80]
المصدر ... 13 ... {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} [المائدة:52]
الصفة المشبهة ... 10 ... {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:185]
وجاء المرض في الاستعمال القرآني بمعنى: الفساد الذي يعرض للإنسان فيخرجه عن الاعتدال والصحة، ويكون جسمانيًا وبدنيًا، ومنه قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] .
ويكون نفسانيًا أو معنويًا، ومنه قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} [البقرة:10] 5.
العدوى:
العدوى لغة:
اسم من الإعداء، وهو ما يعدي من داء وجرب، أصله من عدا يعدو إذا جاوز الحد، وأعداه من علته وخلقه 6.
العدوى اصطلاحًا:
هو أن تجاوز العلة صاحبها إلى غيره 7، ولا يختلف عن المعنى اللغوي.
الصلة بين المرض والعدوى:
أن المرض قد يكون سببًا من أسباب العدوى وبالعكس 8.
الوباء:
الوباء لغة:
الطاعون، وقيل: كل مرض عام 9.
الوباء اصطلاحًا:
فساد يعرض لجوهر الهواء لأسباب سماوية وأرضية 10.
الصلة بين المرض والوباء:
أن الوباء مرض من الأمراض.
الصحة:
الصحة لغة:
السلامة، وخلو الأجسام من المرض 11.
الصحة اصطلاحًا:
حالة أو ملكة، بها تصدر الأفعال عن موضعها سليمة 12.
الصلة بين المرض والصحة:
الضدية، وكل منهما يقال في البدن والدين جميعا 13.
العافية:
العافية لغة:
البراء من الأسقام والبلايا 14.
العافية اصطلاحًا:
البراء من العلل والبلايا والأسقام 15، ولا يختلف عن المعنى اللغوي.
الصلة بين المرض والعافية:
مقابلة المرض بما يضاده من الصحة 16.
الشفاء:
الشفاء لغة:
البراء من المرض 17.
الشفاء اصطلاحًا:
رجوع الأخلاط إلى الاعتدال، وقيل: البراء من المرض، ومنه قوله تعالى: {فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ} [النحل:69] 18.
الصلة بين المرض والشفاء:
مقابلة المرض بما يضاده.
تظهر أنواع الأمراض التي تصيب القلوب والأبدان من خلال ما يلي:
أولًا: مرض الشبهات:
من أمراض القلوب التي ذكرها القرآن الكريم مرض الشبهات، ويمكن التعرف على هذا النوع من المرض من خلال السياق القرآني، فإن كان هذا السياق في ذم المنافقين والمخالفين في شيء من أمور الدين كان مرض الشكوك والشبهات، ومن ذلك قوله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) } [البقرة:10] .
وقوله سبحانه: {وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [المدثر:31] .
أخبر الله تعالى أن في قلوب المنافقين مرض، ومرض القلب: هو نوع فساد يحصل له يفسد به تصوره وإرادته، فتصوره بالشبهات التي تعرض له حتى لا يرى الحق أو يراه على خلاف ما هو عليه، وإرادته بحيث يبغض الحق النافع ويحب الباطل الضار، وصحته أن يكون عارفًا بالحق محبًا له مؤثرًا له على غيره، وسمي الشك في الدين مرضًا؛ لأنه فساد في الروح يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن، ومرض القلب أعضل، وعلاجه أعسر، ودواؤه أعز، وأطباؤه أقل، والمرض عبارة مستعارة للفساد الذي في عقائد هؤلاء المنافقين، وذلك إما أن يكون شكًا ونفاقًا، وإما جحودًا بسبب حسدهم وعدوانهم مع علمهم بصحة ما يجحدون، وتقديم الخبر للإشعار بأن المرض مختص بها، مبالغة في تعلق هذا الداء بتلك القلوب لما كانوا عليه من شدة الحسد وفرط العداوة 19.
فالمؤمنون يخبرون عن زيادة إيمانهم والمنافقون يخبرون عن عدمه في وجدانهم، فهذا موجب شكهم وتماديهم في غيهم وإفكهم، ولو أنهم رجعوا إلى حاكم العقل لأزال شكهم وعرفهم صدق المؤمنين بالفرق بين حالتيهم، فإن ظهور الثمرات مزيل للشبهات 20.
وقوله تعالى: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا} [البقرة:26] .
فإن مريض القلب بالشكوك وضعف العلم أقل شيء يريبه ويؤثر فيه ويفتتن به، وهذا حال القلوب عند ورود الحق المنزل عليها، قلب يفتتن به كفرًا وجحودًا، وقلب يزداد به إيمانًا وتصديقًا، وقلب يتيقنه، فتقوم عليه به الحجة، وقلب يوجب له حيرة وعمى، فلا يدري ما يراد به 21.
وفي الآيتين الكريمتين السابقتين عبر سبحانه وتعالى عن النفاق بالمرض، وذلك للمشابهة بين مرض الأجساد والنفاق، فهو يفسد القلوب، والعقول والمدارك، كما يفسد المرض الأجساد ويضعف الحركات وقد يشلها، ومعه الوهن دائمًا 22.
ثانيًا: مرض الشهوات:
من أمراض القلوب التي ذكرها القرآن الكريم مرض الشهوات، ويمكن التعرف على هذا النوع من المرض من خلال السياق القرآني، فإن كان هذا السياق في ذكر المعاصي والميل كان مرض الشهوات.
ومن ذلك قوله تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32) } [الأحزاب:32] .
إن المنافقين قوم برزوا في إظهار مرض القلب الذي ينشأ عنه كل إثم وفسوق وعصيان، وخاصة تتبع النساء والتعرض لهن بالسوء، وإغرائهن على الفاحشة، وإيذاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالقول أو الفعل، والتعرض بالسوء لنسائه وبيته، وعدم امتثال أمر الله مطلقًا، وخاصة في ستر عورات النساء، كل هذا من لوازم النفاق العملي الذي يأباه الله ويتنافى مع حقيقة الإسلام، ونرجو أن يمتثل المسلمون اليوم للأمر بستر عورات نسائهم حتى لا ينطبق علينا وصف النفاق 23.
وأخبر الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم أنهن لسن كأحد من النساء في الفضل والشرف وعلو المنزلة، وأمرهن أن لا يلن في كلامهن، كما تلين المرأة المعطية الليان في منطقها {فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ} أي: مرض شهوة الزنا والفجور، والمعنى: لا تقلن قولًا يجد به منافق أو فاجر سبيلًا إلى الطمع في موافقتكن به، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه؛ لأن قلبه غير صحيح فإن القلب الصحيح ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه، وسلامته من المرض، بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، وكان أكثر من تصيبه الحدود في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم المنافقون 24.
وفي الآية دليل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فإن الخضوع بالقول واللين فيه في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم منع منه؛ ولهذا ينبغي للمرأة أن لا تلين بالقول في مخاطبة الرجال الأجانب {وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} ملؤه الأدب والوقار حسنًا في معناه، خشنًا في مبناه، مقتصرًا على الجواب الكافي؛ لأن الزيادة ممنوعة كما أن اللين ممنوع، وإنما أمرهن الله بهذا؛ لئلا ينسبن لقلة الأدب وهن منبعه وعنهن يؤخذ، وتعهد نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالإرشاد والتأديب؛ لأنهن الأسوة والقدوة، وهذه الآداب أمر الله تعالى بها نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ونساء الأمة تبع لهن في ذلك 25.
ثالثًا: مرض الأبدان:
من الأمراض التي ذكرها القرآن الكريم مرض الأبدان، وحيثما جاء المرض في آيات الأحكام فهو من علة في البدن، وكذلك (مريض، المريض، مرضى) ، وكلها في آيات أحكام.
جاء ذكر مرض البدن في الطهارة، وذلك في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] .
والمريض الذي يباح له التيمم، هو الذي يخاف على نفسه التلف أو الضرر باستعمال الماء، من فوات عضو أو شينه أو تطويل البرء، أو كان ضعيفًا في بدنه لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء، كما روي في حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه أصابته جنابة وهو أمير الجيش فترك الغسل من أجل آية، قال: (إن اغتسلت مت فصلى بمن معه جنبًا، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفه بما فعل وأنبأه بعذره فأقر وسكت) 26 27.
وقد اتفقوا على جوازه، وذلك أن المريض الذي لا يضره الماء لا معنى للترخيص له في التيمم، فذكر ليدل على أن مرضه حينئذ يقوم مقام عدم وجود الماء حقيقة، فالمريض الذي يمنعه مرضه من استعمال الماء له التيمم مع وجود الماء، وكذلك شأن المسافر إذا كان معه من الماء ما لا يفيض عن حاجته في طعامه وشرابه، فلم يبق حينئذ إلا الجنب وما في معناه، والجائي من الغائط وما في معناه من غير المسافرين والمرضى، فهو إنما يباح لهم التيمم إذا فقدوا الماء، وفي هذه الآية الكريمة مشروعية هذا الحكم العظيم الذي امتن به الله على هذه الأمة، وهو مشروعية التيمم، وقد أجمع على ذلك العلماء، وأن التيمم يكون بالصعيد الطيب، وهو كل ما تصاعد على وجه الأرض سواء كان له غبار أم لا، ويحتمل أن يختص ذلك بذي الغبار؛ لأن الله تعالى قال: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} وما لا غبار له لا يمسح به 28.
كما جاء ذكر المرض في أحكام الصيام في قوله جل وعلا: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة:184] والمرض المذكور في الآية هو المرض الذي يشق معه الصوم، فأباح الفطر للمريض لعذر المرض، والمسافر طلبا لحفظ صحته وقوته؛ لئلا يذهبه الصوم في السفر؛ لاجتماع شدة الحركة وما يوجبه من التحليل وعدم الغذاء الذي يخلف ما تحلل، فتخور القوة وتضعف، فأباح للمسافر الفطر؛ حفظا لصحته وقوته عما يضعفها 29.
وجاء أيضًا في أحكام الحج في قوله سبحانه: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة:196] ، أي: مرضًا يحوجه إلى الحلق {أَوْ بِهِ أَذًى} فأباح للمريض ومن به أذى من رأسه، من قمل أو حكة أو غيرهما أن يحلق رأسه في الإحرام؛ استفراغًا لمادة الأبخرة الرديئة التي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشعر، وإذا حلق رأسه تفتحت المسامات فخرجت تلك الأبخرة منها، فهذا الاستفراغ يقاس عليه استفراغ يؤذي انحباسه، والأشياء التي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرة: الدم إذا هاج، والمني إذا سبغ، والبول والغائط والريح والقيء والعطاس والنوم والجوع والعطش 30.
بينت الآيات مرض البدن في الحج والصوم والوضوء لسر بديع يبين عظمة القرآن، والاستغناء به لمن فهمه وعقله عن سواه، وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة: حفظ الصحة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة.
وجاء ذكر المرض في أحكام الأكل والآداب في قوله جل وعلا: {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) } [النور:61] .
كان المسلمون في صدر الإسلام حين أمروا بالنصيحة ونهوا عن الخيانة وأنزل عليهم: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188] .
أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بغير حق أدقوا النظر وأفرطوا في التوقي، وترك بعضهم مؤاكلة بعض.
فكان الأعمى لا يؤاكل الناس؛ لأنه لا يبصر الطعام فيخاف أن يستأثر، ولا يؤاكله الناس يخافون لضرره أن يقصر.
وكان الأعرج يتوقى ذلك؛ لأنه يحتاج لزمانته إلى أن يتفسح في مجلسه، ويأخذ أكثر من موضعه، ويخاف الناس أن يسبقوه لضعفه.
وكان المريض يخاف أن يفسد على الناس طعامهم بأمور قد تعتري مع المرض: من رائحة تتغير، أو جرح يبض، أو أنف يذن، أو بول يسلس، وأشباه ذلك.
فأنزل الله تبارك وتعالى: ليس على هؤلاء جناح في مؤاكلة الناس.
وقيل: كان الصحابة رضي الله عنهم يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المغازي، ويدفعون مفاتيحهم إلى الضمنى، وهم الزمنى، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في منازلنا، فكانوا يتوقون أن يأكلوا من منازلهم حتى نزلت هذه الآية.
ثم أباحت الآية الأكل من بيوت الأقارب مثل: الآباء، والأمهات، والإخوة، والأخوات، والأعمام، والعمات، والأخوال، والخالات.
وأباحت أيضًا الأكل مما كان تحت يد الشخص وتصرفه من مال غيره، والأكل من بيوت الأصدقاء، ولم يذكر فيها قيد ما لإباحة الأكل من هذه البيوت.
ولم يذكر بيوت الأبناء واكتفى بقوله تعالى: {وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ} لأن مال الرجل منسوب إلى أبيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك) وقال: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا من كسب أولادكم) فاكتفى بذكر بيوت أنفسكم عن ذكر بيوت الأولاد، إذ كانت منسوبة إلى الآباء 31.
قال أبو زهرة: «ونجد أن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن الحكيم أنه لا إثم على من يأكل في بيوت هؤلاء عند الاحتياج، ونفي الإثم يشير إلى أنه الحق؛ إذ إن تناول الحقوق لا إثم فيه، وقد يقال: إن ذلك لم يكن مقتصرًا على القرابة، بل ذكر الصديق، فدل على أن الحق ليس سببه القرابة.
ونقول: إن ذلك الحق سببه العجز ابتداء؛ ولذلك ذكر في أول الآية ذوي العجز عن الكسب، فكان الكلام كله في أهل العجز، ولكن الأخذ كان للقرابة ابتداء، فإن لم تكن له قرابة يلزمها الشرع، كانت المودة التي توجبها الصداقة مبررًا للأكل، وإن كان لا يلزم الصديق بذلك قضاء، فإنه يجب عليه دينًا ويأثم فيما بينه وبين الله إن كان قادرًا، ومع ذلك يترك صديقه يتضور جوعًا، ولذلك كانت المؤاخاة، وفي ذلك إرشاد خلقي اجتماعي حكيم لواجبات الأصدقاء نحو أصدقائهم» 32.
سنتناول في هذا المبحث أعراضه، والوقاية منه، وعاقبته، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: أعراضه:
تظهر أعراض مرض الشبهات من خلال النقاط الآتية:
1.موالاة الكفار.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين موالاة الكفار.
قال تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى? أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ? فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى? مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ) [المائدة:52] .
لما نهى الله تعالى في الآية السابقة المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء في النصرة والخلطة المؤدية إلى الامتزاج والمعاضدة، بينت هذه الآية أن من يوالي اليهود والنصارى هم الذين في قلوبهم مرض أي: نفاق وشك وريب في وعد الله لإظهار دينه، وقوله: (يُسَارِعُونَ فِيهِمْ) أي: في مودتهم في الباطن والظاهر، من غير نظر فيما يلحقهم من الضرر في دين الله، والفضيحة بالنفاق (يَقُولُونَ) أي: في عذرهم.
(نَخْشَى? أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ?) أي: نخشى أن تقع بنا مصيبة كبيرة مما يدور به الزمان، أو من المصائب والدواهي التي تحيط بالمرء إحاطة الدائرة بما فيها، فنحتاج إلى نصرتهم لنا، فنحن نتخذ لنا يدًا عندهم في السراء؛ ننتفع بها إذا مست الضراء، والمراد أنهم يخشون أن تدول الدولة لليهود أو المشركين على المؤمنين.
وكان اليهود عونًا للمشركين على المؤمنين، كما ظهر في وقعة بدر والأحزاب، فيحل بهم ما يحل بالمؤمنين من النقمة، ذلك بأنهم غير موقنين بوعد الله بنصر رسوله، وإظهار دينه على الدين كله؛ لأنهم في شك من أمر نبوته، لم يوقنوا بصدقها ولا بكذبها، فهم يريدون أن ينتفعوا منها بإظهارهم الإيمان بها، وأن يتخذوا لهم يدًا عليها لأعدائها؛ ليكونوا معهم إذا دالت الدولة لهم، وهكذا شأن المنافقين في كل زمان ومكان، ثم رد تعالى عللهم الباطلة، وقطع أطماعهم الفارغة، وبشر المؤمنين بالظفر 33.
وقوله سبحانه: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ) وعسى من الله نافذة، لأنه الكريم العظيم الذي لا يُطْمَعُ إلا فيما يُعْطي؛ ولأن الكريم إذا أوعد في خير فعله، فهو بمنزلة الوعد لتعلق النفس به ورجائها له، والمعنى: فعسى الله أن يأتي بالفتح لرسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه وإظهار المسلمين على أعدائهم، أو أمر من عنده يقطع أصل اليهود أو يخرجهم عن بلادهم؛ فيصبح المنافقون نادمين على ما حدثوا به أنفسهم.
وذلك لأنهم كانوا يشكون في أمر الرسول ويقولون: لا نظن أنه يتم له أمره، والأظهر أن تصير الدولة والغلبة لأعدائه، وقيل: أو أمر من عنده، يعني: أن يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار أسرار المنافقين وقتلهم فيندموا على فعالهم (فَيُصْبِحُوا) أي: المنافقون (عَلَى? مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ) من الشك في ظهور الإسلام، أو من النفاق (نَادِمِينَ) لافتضاحهم بالنفاق مع الفريقين، وتعليق الندامة بما كانوا يكتمونه- لا بما كانوا يظهرونه من موالاة الكفرة- لأنه الذي كان يحملهم على الموالاة ويغريهم عليها، فدل ذلك على ندامتهم عليها بأصلها وسببها 34.
وفي الآية: نداء للمؤمنين أن يجعلوا ولايتهم لله ولرسوله ولإخوانهم في العقيدة، ونهتهم عن موالاة الذين يخالفونهم في الدين، ووصفت الذين يتولون من غضب الله عليهم بالنفاق ومرض القلب، وبشرت المطيعين لله بالنصر والظفر 35.
2.الاستهزاء بالمؤمنين.
ذكر القرآن الكريم أن من أعراض مرض الشبهات التي تصيب المنافقين الاستهزاء بالمؤمنين.
قال تعالى: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَ?ؤُلَاءِ دِينُهُمْ ? وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:49] .