لا شك أن التقليد سبب من أسباب التشاؤم، فهو عادة سارت عليها الأمم الوثنية القديمة، وتبعها بعد ذلك أهل الجاهلية، وبقيت مستمرة إلى وقتنا الحاضر، ويأتي التقليد بأشكال متعددة، منها: ما كان في الاعتقاد أو الأفعال أو الأقوال، والسير على ما سار عليه الآباء والأجداد، وذلك بتقليدهم في الباطل دون استناد إلى دليل في ذلك، وهذا ما حصل مع الأقوام التي ذكرناها سابقًا، مثل قوم صالح عليه السلام، وأصحاب القرية، وغيرهم حيث كان التشاؤم عندهم من باب تقليد الآباء والأجداد.
لذلك ذم الله تعالى المقلدين لآبائهم في كل أنواع الضلالة والباطل بما فيها التشاؤم؛ فقال تعالى عنهم: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) } [الزخرف: 22] .
أي: ليس لهم علم فيما قالوه ولا نقل، فكان هذا الكلام مسوقًا مساق الذم لهم؛ إذ لم يقارنوا بين ما جاءهم به الرسول وبين ما تلقوه من آبائهم، فإن شأن العاقل أن يميز ما يلقى إليه من الاختلاف ويعرضه على معيار الحق، و {أُمَّةٍ} هنا بمعنى الملة والدين، وقوله: {عَلَى آثَارِهِمْ} ، أي: أنهم لا حجة لهم في عبادتهم الأصنام إلا تقليد آبائهم، وذلك ما يقولونه عند المحاجة إذ لا حجة لهم غير ذلك، وجعلوا اتباعهم إياهم اهتداء لشدة غرورهم بأحوال آبائهم، بحيث لا يتأملون في مصادفة أحوالهم للحق 70.
«والمقصود أنه تعالى لما بين أنه لا دليل لهم على صحة ذلك القول البتة بين أنه ليس لهم حامل يحملهم عليه إلا التقليد المحض، ثم بين أن تمسك الجهال بطريقة التقليد أمر كان حاصلًا من قديم الدهر، فقال: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) } [الزخرف: 23] » 71.
ورد الله تعالى على المقلدين لآبائهم وأجدادهم في العقائد الضالة وأبطل شبههم وتمسكهم بالتقليد الباطل، حيث قال تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170] .
«أي أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في كل حال وفي كل شيء، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا من عقائد الدين وعباداته: أي حتى لو تجردوا من دليل عقلي أو نقلي في عقائدهم وعباداتهم» 72.
وهو كقوله تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف: 24] .
«فعند هذا لم يبق لهم عذر ولا علة، ثم بين تعالى أن مقالة هؤلاء قد سبقهم إليها أشباههم ونظراؤهم من الأمم السالفة المكذبة للرسل، تشابهت قلوبهم، فقالوا مثل مقالتهم: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) } [الذاريات: 52 - 53] .
وهكذا قال هاهنا: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) } [الزخرف: 23] 73.
فكان جزاؤهم أن حلت عليهم النقمة من الله تعالى؛ وذلك لتقليدهم الأعمى في العقائد الضالة، وتكذيبهم للرسل عليهم الصلاة والسلام، فقال الله تعالى عنهم: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) } [الزخرف: 25] .
اشتهرت العرب في الجاهلية بالتشاؤم كما مر، ولا شك أن التشاؤم يظهر بصور متعددة متنوعة بحسب اختلاف الأمكنة والأزمنة والناس، وسنذكر في هذا المبحث بعض صور التشاؤم، والتي منها:
أولًا: التشاؤم بالصور:
ويشمل هذا النوع من التشاؤم أنواعا متعددة منها ما يأتي:
1.التشاؤم بالبشر.
وهذا النوع من التشاؤم قد حصل مع بعض أنبياء الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام من قبل أقوامهم، كما أخبر الله تبارك وتعالى عن ذلك في قصصهم.
قال الله تعالى عن تشاؤم فرعون وقومه من موسى عليه السلام: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) } [الأعراف: 131] .
ومعنى قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ} «أي: الخصب والسعة {قَالُوا لَنَا هَذِهِ} ، أي: هذا ما كنا نعرفه أبدًا وما جرينا على اعتياده، أو أن يقولوا: لنا هذه بفرعون وبعبادتنا له، {وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ} ، قيل: الضيق والقحط، {يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى} ، وقالوا بشؤمه» 74.
وهذا كما قال العرب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ} [النساء: 78] .
ويتضح من هذه الآيات وغيرها أن التشاؤم بالبشر عادة قديمة كانت عند بعض الأقوام كفرعون وقومه، حيث كانوا يتشاءمون ويتطيرون من موسى وأتباعه، معتقدين أنهم هم سبب ما أصابهم من الجدب والضيق والقحط، وتبعهم في ذلك قوم صالح وأصحاب القرية وغيرهم، فبين الله تعالى لهم أن ما أصابهم إنما هو بقضاء الله وقدره، ولا دخل للرسل عليهم الصلاة والسلام في ذلك.
وكذلك منهم من يتشاءم بملاقاة الأعور أو الأعرج أو المهزول أو الشيخ الهرم أو العجوز الشمطاء، وكثير من الناس إذا لقيه وهو ذاهب لحاجة صده ذلك عنها ورجع معتقدًا عدم نجاحها، وكثير من أهل البيع لا يبيع ممن هذه صفته إذا جاءه أول النهار، حتى يبيع من غيره تشاؤمًا به وكراهة له، وكثير منهم يعتقد أنه لا ينال في ذلك اليوم خيرًا قط 75.
2.التشاؤم بالطيور.
ورد لفظ الطير في القرآن الكريم بغير معناه الحقيقي بل ببعض اشتقاقاته التي تدل على معنى التشاؤم كما مر ذكره في قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19) } [يس: 18 - 19] .
قال الأزهري: «وقيل للشؤم: طائر وطير وطيرة، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها، والتطير ببارحها وبنعيق غربانها، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها، فسموا الشؤم طيرًا وطائرًا وطيرة لتشاؤمهم بها وبأفعالها» 76.
قال الشافعي رحمه الله: «وكان العربي إذا لم ير طائرًا سانحًا، فرأى طائرًا في وكره حركه من وكره ليطير، فينظر أيسلك طريق الأشائم، أو طريق الأيامن، فيشبه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أقروا الطير على مكناتها) 77، أي: لا تحركوها، فإن تحريكها وما تعملونه، من الطيرة لا يصنع شيئًا، إنما يصنع فيما توجهون به قضاء الله تعالى» 78.
وعلى هذا فإن أصل التشاؤم يعتمد على حركة الطيور وأصواتها، كما قال الإمام البيهقي: «وذلك بزجر الطائر وإزعاجها عن أوكارها عند إرادة الخروج للحاجة، حتى إذا مرت على اليمين تفاءل به ومضى على وجهه، وإن مرت على الشمال تشاءم به وقعد، فهذا من فعل أهل الجاهلية الذين كانوا يوجبون ذلك، ولا يضيفون التدبير إلى الله عز وجل» 79.
ومن أبرز الطيور التي كانت العرب تتشائم منها قديمًا وحديثًا ما يأتي:
1.الغراب.
وهو أعظم ما يتطيرون به، ويسمونه غراب البين؛ لأنه إذا بان أهل الدار للنجعة وقع في موضع بيوتهم يلتمس ويتقمم، فتشاءموا به وتطيروا إذا كان يعتري منازلهم إذا بانوا، وليس شيء مما يزجرونه من الطير والظباء وغيرها أنكد منه، ولست تراه محمودًا في شيء من الأحوال، ويشتقون من اسمه الغربة 80.
ويسمونه أيضًا حاتمًا؛ لأنه يحتم عندهم بالفراق، ويسمونه الأعور على جهة التطير بذلك؛ إذ كان أصح الطير بصرًا، ويقال: سمي أعور لقولهم: «عورات الرجل عن حاجته» إذا رددته عنها 81.
وعلى هذا فالغراب أكثر ما يتطير به في الشؤم، كلما ذكروا مما يتطيرون منه شيئا ذكروا الغراب معه.
2.الهامة.
اسم طائر، كان أهل الجاهلية يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هي البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثاره طارت، وقيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت، وقيل روحه، تصير هامة فتطير، ويسمونه الصدى، فنفاه الإسلام ونهاهم عنه 82.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «قال القزاز: الهامة طائر من طير الليل كأنه يعني البومة، وقال ابن الأعرابي كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إلي نفسي، أو أحدًا من أهل داري» 83.
وعلى هذا فالهامة هي نوع من أنواع الطيور، وربما تكون البومة حيث كانت العرب تتشاءم منها، فجاء في الحديث الشريف النهي عن التطير بالهامة، بما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر) 84.
3.البارح والسانح.
«البارح من الظباء والطير، لكن خص البارح بما ينحرف عن الرامي إلى جهة لا يمكنه فيها الرمي فيتشاءم به، وجمعه بوارح، وخص السانح بالمقبل من جهة يمكن رميه، ويتيمن به» 85.
قال ابن الأثير: «فالسانح: ما مر من الطير والوحش بين يديك من جهة يسارك إلى يمينك، والعرب تتيمن به لأنه أمكن للرمي والصيد، والبارح ما مر من يمينك إلى يسارك، والعرب تتطير به لأنه لا يمكنك أن ترميه حتى تنحرف» 86.
ويتضح مما تقدم أن التشاؤم بالطيور كالغراب والبومة ونحوهما عادة كانت منتشرة عند أهل الجاهلية والأمم السالفة، يتشاءمون منها ومن حركاتها وأصواتها وأفعالها، وهي من مخلوقات الله لا أثر لها في حكم الله وقضائه، فجاء الإسلام ونهى عن كل ذلك.
3.التشاؤم بالحيوانات.
لا يختلف التشاؤم بالحيوانات عن التشاؤم بالطيور الذي مضى ذكره؛ لذا نجد أن كثيرًا من أهل الجاهلية كانوا يتشاءمون ببعض الحيوانات وأصواتها، منها:
1.النطيح والناطح.
«الظبي والطائر الذي يستقبلك بوجهه، كأنه ينطحك، ويتشاءم به، والقعيد من الوحش» 87.
2.الفرس النطيح.
إذا طالت غرته حتى تسيل تحت إحدى أذنيه، وهو يتشاءم به 88.
3.الكلب الأسود.
وهناك من يتشاءم بالأسود من الكلاب، وربما يعود هذا التشاؤم لما ورد في الحديث بقوله صلى الله عليه وسلم: (الكلب الأسود شيطان) 89.
والمراد بالحديث ليس التشاؤم منه، بل الإخبار بأن مرور الكلب الأسود يقطع الصلاة، وعلى ذلك فلا يصح التشاؤم به.
4.الظباء.
وذلك بتنفيرها، فإن تيامنت ذهبوا لحاجتهم، وإن تياسرت تركوها.
وكثير مما شاكل هذا كان الناس في الجاهلية قبل النبوة يتشاءمون به، فجاء الإسلام فنهى عن كل ذلك وأبطله.
ثانيًا: التشاؤم بالأصوات:
يتشاءم كثير من أهل الجاهلية وغيرهم من بعض ما يصدر من الإنسان والحيوان من أصوات، منها ما يأتي:
1.أصوات الطيور.
ومنه: التشاؤم بنعيق الغراب، أو صوت البومة إذا صاحت، قالوا: إنها ناعبة أو مخبرة بشر، ونحو ذلك.
«قال عكرمة: كنا جلوسًا عند ابن عباس، فمر طائر يصيح، فقال رجل من القوم: خير خير، فقال له ابن عباس: لا خير ولا شر، مبادرة بالإنكار عليه لئلا يعتقد له تأثير في الخير أو الشر، وخرج طاووس مع صاحب له في سفر فصاح غراب، فقال الرجل: خير، فقال طاووس: وأي خير عنده؟! والله لا تصحبني» 90.
2.الثعلب.
وذلك بالتشاؤم من صوته.
3.صوت العطاس.
وهو من العادات الجاهلية فإذا سمع المتشائم صوت العاطس تشاءم منه، وكذلك التثاؤب لأنه من الشيطان، وأما العطاس فقد كان أثره في إيجاد الشؤم شديدًا.
وقيل: إن العرب كانت تتطير منه، فإذا عطس العاطس، قالوا: قد ألجمه، كأنها قد تلجمه عن حاجته 91.
قال ابن القيم رحمه الله: «وكانوا إذا عطس من يحبونه قالوا له: عمرًا وشبابًا، وإذا عطس من يبغضونه، قالوا له: وريًا وقحابًا، والوري كالرمي: داء يصيب الكبد فيفسدها، والقحاب: كالسعال وزنًا ومعنى، فكان الرجل إذا سمع عطاسًا يتشاءم به، يقول: بكلابي إني أسال الله أن يجعل شؤم عطاسك بك لأبي» 92.
وقال أيضًا: «وكان تشاؤمهم بالعطسة الشديدة أشد، كما حكي عن بعض الملوك أن سامرًا له عطس عطسة شديدة راعته، فغضب الملك فقال سميره: والله ما تعمدت ذلك، ولكن هذا عطاسي، فقال: والله لئن لم تأتني بمن يشهد لك بذلك لأقتلنك، فقال: أخرجني إلى الناس، لعلي أجد من يشهد لي، فأخرجه، وقد وكل به الأعوان، فوجد رجلًا فقال: يا سيدي، نشدتك بالله إن كنت سمعت عطاسي يومًا، فلعلك تشهد لي به عند الملك. فقال: نعم، أنا أشهد لك، فنهض معه وقال: يا أيها الملك، أنا أشهد أن هذا الرجل عطس يومًا فطار ضرس من أضراسه، فقال له الملك: عد إلى حديثك ومجلسك. فلما جاء الله سبحانه بالإسلام وأبطل برسوله ما كان عليه الجاهلية من الضلالة» 93.
وهذا خلاف ما جاء في السنة النبوية الشريفة التي بينت أن العطاس أمر يحبه الله تعالى، وذلك بما صح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته ... الحديث) 94.
ثالثًا: التشاؤم بالأزمنة:
لا شك أن التشاؤم ببعض الأزمنة، مثل شهر شوال وصفر ومحرم، أو بيوم من أيامه هو من باب التشاؤم المنهي عنه، فعلى سبيل المثال كان أهل الجاهلية وغيرهم يتشاءمون من الزواج في شهر شوال.
قال ابن رجب: «كذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة، وقد قيل: إن أصله أن طاعونًا وقع في شوال في سنة من السنين فمات فيه كثير من العرائس، فتشاءم بذلك أهل الجاهلية، وقد ورد الشرع بإبطاله، قالت عائشة رضي الله عنها: «تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى عنده مني» 95.
قال ابن كثير رحمه الله: «وفي دخوله صلى الله عليه وسلم بها -أي: بعائشة رضي الله عنها- في شوال رد لما يتوهمه بعض الناس من كراهية الدخول بين العيدين؛ خشية المفارقة بين الزوجين، وهذا ليس بشيء» 96.
«وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساءها في شوال، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة في شوال أيضًا» 97.
ووقع زواج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من السيدة فاطمة رضي الله عنها في شهر صفر، كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «وأما فاطمة رضي الله عنها فتزوجها ابن عمها علي بن أبى طالب رضي الله عنه في صفر سنة اثنتين، فولدت له الحسن والحسين، ويقال: ومحسن، وولدت له أم كلثوم وزينب» 98.
فلم يتشاءم النبي صلى الله عليه وسلم بشهر شوال ويمتنع عن الزواج به من عائشة رضي الله عنها، ولم يؤخر زواج علي بن أبي طالب من فاطمة رضي الله عنهما في شهر صفر، وهذا خلاف ما تفعله الشيعة، الذين يزعمون أنهم أتباع آل البيت وهم يتشاءمون من شهر صفر ومحرم، ولا يتزوجون فيهما أبدًا.
وجاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا عدوى ولا طيرة، ولا هامة ولا صفر) 99.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا صفر) : أي كانت العرب تزعم أن في البطن حية يقال لها: الصفر، تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وإنها تعدي، فأبطل الإسلام ذلك، وقيل: أراد به النسيء الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية، وهو تأخير المحرم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام، فأبطله الإسلام 100.
وكل هذه الأقوال غير صحيحة، أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث المتقدم ذكره، فشهر صفر كبقية الشهور لا أثر له في حكم الله تعالى وقضائه، ولا أصل للتشاؤم فيه ولا بغيره في الإسلام، حيث إن الزواج مطلب شرعي، ومن يتزوج فقد أحرز شطر دينه، فكيف يحرمه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم في شهر من الشهور، أو يوم من الأيام؛ وهي كلها لله تعالى، ولم يرد نص شرعي يمنع الزواج في أي وقت من الأوقات إلا للحاج أو المعتمر حال إحرامهما.
ومن صور التشاؤم عند العرب بالأزمنة أيضًا: أنهم كانوا يتشاءمون ببعض الأيام أو ببعض الساعات، كالحادي والعشرين من الشهر، وآخر أربعاء فيه، ونحو ذلك، فلا يسافر فيها كثيرٌ من الناس، ولا يعقد فيها نكاحًا، ولا يعمل فيها عملًا مهمًا ابتداءً، يظن أو يعتقد أن تلك الساعة نحسٌ، وكذا التشاؤم ببعض الجهات في بعض الساعات، فلا يستقبلها في سفرٍ ولا أمرٍ حتى تنقضي تلك الساعة أو الساعات، وهي من أكاذيب المنجمين الملاعين؛ يزعمون أن هناك فلكًا دوارًا يكون كل يوم أو ليلة في جهة من الجهات، فمن استقبل تلك الجهة في الوقت الذي يكون فيها هذا الفلك لا ينال خيرًا، ولا يأمن شرًا، وهم في ذلك كاذبون مفترون قبحهم الله 101.
ومنهم من يترك أكل اللبن والسمك في يومي السبت والأربعاء، ويحرمون الخياطة يوم الجمعة ويوم عرفات، ويمنعون الإبرة والمنخل ليلًا تشاؤمًا، ويعتقدون أن كنس البيت بالليل يجلب الفقر 102.
وغير ذلك، كثير من الأمور التي يتشاءمون منها ولا أصل لها سوى سوء الظن بالله تعالى وضعف التوكل عليه.
رابعًا: التشاؤم بالأماكن:
وهو إظهار التشاؤم من عدة أماكن بحسب ما يتوقع المتشائم حصول الشر منها، كالدار التي يسكنها أو يريد أن يشتريها، فيخطر بباله الشؤم منها لأي سبب كان.
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله إنا كنا في دار كثير فيها عددنا، كثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى، فقل فيها عددنا، وقلت فيها أموالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذروها ذميمة) 103.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وإنما أمرهم بالخروج منها لاعتقادهم أن ذلك منها، وليس كما ظنوا، لكن الخالق جل وعلا جعل ذلك وفقًا لظهور قضائه، وأمرهم بالخروج منها لئلا يقع لهم بعد ذلك شيء فيستمر اعتقادهم، قال ابن العربي: وأفاد وصفها بكونها ذميمة جواز ذلك، وأن ذكرها بقبيح ما وقع فيها سائغ من غير أن يعتقد أن ذلك كان منها، ولا يمتنع ذم محل المكروه وإن كان ليس منه شرعًا، كما يذم العاصي على معصيته وإن كان ذلك بقضاء الله تعالى» 104.
وقال الخطابي: «هو استثناء من غير الجنس، ومعناه: إبطال مذهب الجاهلية في التطير، فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس يكره سيره؛ فليفارقها، قال: وقيل: إن شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها» 105.
وورد في السنة النبوية روايات تؤكد الشؤم في بعض الأمور، منها: الدار، مما يوهم التعارض مع النصوص التي ورد فيها النهي عن التشاؤم، حيث جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا عدوى، ولا طيرة، وإنما الشؤم في ثلاث: في الفرس والمرأة والدار) 106، وفي رواية أخرى: عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: ذكروا الشؤم عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن كان الشؤم في شيء ففي الدار، والمرأة، والفرس) 107.
والأمر ليس كذلك، بل يعني: أن الشؤم لو كان له وجود في شيء لكان في هذه الأشياء؛ فإنها أقبل الأشياء له، لكن لا وجود له فيها أصلًا، وعلى هذا فالشؤم في الحديث السابق وغيره محمول على الإرشاد منه صلى الله عليه وسلم، يعني: إن كانت له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس لا تعجبه، فليفارق بالانتقال من الدار، ويطلق المرأة، ويبيع الفرس، حتى يزول عنه ما يجده في نفسه من الكراهة 108.
قال الطبري: «وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن كان الشؤم في شيء ففي الدار والمرأة والفرس» ، فإنه لم يثبت بذلك صحة الطيرة، بل إنما أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك إن كان في شيء ففي هذه الثلاث، وذلك إلى النفي أقرب منه إلى الإيجاب، لأن قول القائل: إن كان في هذه الدار أحد فزيد، غير إثبات منه أن فيها زيدًا، بل ذلك من النفي أن يكون فيها زيد، أقرب منه إلى الإثبات أن فيها زيدًا» 109.