فهرس الكتاب

الصفحة 2365 من 2431

قال الطبري: «والويل هو: الوادي الذي يسيل من صديد أهل جهنم في أسفلها للذين يطففون، يعني: للذين ينقصون الناس، ويبخسونهم حقوقهم في مكاييلهم إذا كالوهم، أو موازينهم إذا وزنوا لهم عن الواجب لهم من الوفاء، وأصل ذلك من الشيء الطفيف، وهو القليل النزر، والمطفف: المقلل حق صاحب الحق عما له من الوفاء والتمام في كيل أو وزن؛ ومنه قيل للقوم الذي يكونون سواء في حسبة أو عدد: هم سواء كطف الصاع، يعني بذلك: كقرب الممتلئ منه ناقص عن الملء» 88.

وقال السعدي: «وفسر الله المطففين بقوله: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ} أي: أخذوا منهم وفاء عما ثبت لهم قبلهم {يَسْتَوْفُونَ} يستوفونه كاملا من غير نقص. {وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ} أي: إذا أعطوا الناس حقهم، الذي للناس عليهم بكيل أو وزن، {يُخْسِرُونَ} أي: ينقصونهم ذلك، إما بمكيال وميزان ناقصين، أو بعدم ملء المكيال والميزان، أو نحو ذلك. فهذا سرقة لأموال الناس، وعدم إنصاف لهم منهم» 89.

ويستنبط مما جاء به القرآن الكريم أن التطفيف: «هو الاستيفاء من الناس عند الكيل أو الوزن، والإنقاص والإخسار عند الكيل أو الوزن لهم. ويلحق بالوزن والكيل ما أشبههما من المقاييس والمعايير التي يتعامل بها الناس» 90.

قال الإمام النيسابوري رحمه الله: اعلم أن أمر المكيال والميزان عظيم؛ لأن مدار معاملات الخلق عليهما ولهذا جرى على قوم شعيب بسببه ما جرى 91.

وقد عد ابن حجر الهيثمي التطفيف من الكبائر وجعله شاملا لبخس نحو الكيل أو الوزن أو الذرع، وذلك لأنه من أكل أموال الناس بالباطل؛ ولهذا اشتد الوعيد عليه كما علمته من الآية والأحاديث، وأيضًا فإنما سمي مطففا لأنه لا يكاد يأخذ إلا الشيء الطفيف وذلك ضرب من السرقة والخيانة مع ما فيه من الإنباء عن عدم الأنفة والمروءة بالكلية، ومن ثم عوقب بالويل الذي هو شدة العذاب، أو الوادي في جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لذابت من شدة حره، نعوذ بالله منه، وأيضًا فقد شدد الله تعالى عقوبة قوم شعيب على نبينا وعليه الصلاة والسلام على بخسهم المكيال والميزان 92.

ومما سبق يظهر دعوة القرآن الكريم إلى الوفاء بالكيل والميزان، وعدم تطفيفه للوفاء بحقوق الناس، وعدم أكلها بالباطل.

سابعًا: الوفاء بالبيعة:

ومن أبرز مجالات الوفاء: الوفاء بالبيعة.

ومن الآيات التي تشير إلى الوفاء بالبيعة قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) } [التوبة:111] .

قال ابن عاشور: «قوله: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا} أي: وعدا حقا عليه ولا أحد أوفى بعهده منه، فالاستفهام إنكاري بتنزيل السامع منزلة من يجعل هذا الوعد محتملا للوفاء وعدمه كغالب الوعود فيقال: ومن أوفى بعهده من الله إنكارا عليه. و {أَوْفَى} اسم تفضيل من وفى بالعهد إذا فعل ما عاهد على فعله. و {مِنَ} تفضيلية، وذكر اسم الجلالة عوضا عن ضميره لإحضار المعنى الجامع لصفات الكمال. والعهد: الوعد بحلف والوعد الموكد، والبيعة عهد، والوصية عهد. وتفرع على كون الوعد حقا على الله، وعلى أن الله أوفى بعهده من كل واعد، أن يستبشر المؤمنون ببيعهم هذا، فالخطاب للمؤمنين من هذه الأمة» 93.

ومدح الله الذين أوفوا ببيعة النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) } [الفتح: 10]

قال النسفي: «ومعنى الآية: تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] .

وقوله {فَمَنْ نَكَثَ} نقض العهد ولم يف بالبيعة {فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه 94.

والبيعة عقد يقوم به «أهل الحل والعقد» وهم الجماعة الذين تنعقد البيعة بمبايعتهم وهم «أولي الأمر» فهم أصحاب الأمر المطاع من كبار الأمراء وكبار العلماء قد أمر الله تعالى بطاعتهم في قوله سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) } [النساء: 59]

والوفاء بالبيعة عهد؛ لأن البيعة معاهدة على السمع والطاعة في غير معصية الله قال الله تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) 95.

ونقض البيعة غدر: لقوله صلى الله عليه وسلم: (لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدرته، ألا و لا غادر أعظم غدرا من أمير عامة) 96.

قال ابن رجب: «أما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم» 97.

وقال ابن تيمية: «وقد استفاض وتقرر في غير هذا الموضع ما قد أمر به صلى الله عليه وسلم من طاعة الأمراء في غير معصية الله، ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم، والغزو معهم والصلاة خلفهم، ونحو ذلك من متابعتهم في الحسنات التي لا يقوم بها إلا هم؛ فإنه من باب التعاون على البر والتقوى، وما نهى عنه من تصديقهم بكذبهم، وإعانتهم على ظلمهم، وطاعتهم في معصية الله ونحو ذلك مما هو من باب التعاون على الإثم والعدوان» 98.

فالوفاء بالبيعة من الأمور المهمة ومن صور الوفاء التي يجب التزامها والقيام بها على وجه الكمال والتمام لأنها بمثابة العقد والعهد الذي حذرنا القرآن من نقضه والإخلال به.

والوفاء له أثره الإيجابي الفاعل المحمود على الفرد والمجتمع، وسيكون الحديث عنه في النقاط الآتية:

أولًا: أثر الوفاء على الفرد:

1.تحقيق تقوى الله ومحبته.

فإن من يلتزم بالوفاء في سلوكه وتصرفاته يحقق التقوى المأمور بها شرعًا، وقد كان الوفاء سبيلًا لذلك.

قال الله تعالى: (بَلَى? مَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى? فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 76] .

وربط القرآن بين تمام العهد ووفائه ومحبة الله، فقال سبحانه: (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى? مُدَّتِهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ [التوبة: 4] .

قال الزمخشري: «كل من أوفى بما عاهد عليه واتقى الله في ترك الخيانة والغدر، فإن الله يحبه» 99.

وعدد الله من صفات المؤمنين الصادقين قيامهم بالوفاء بالعهد، فقال سبحانه: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ? وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ?) [البقرة: 177] .

2.نيل الأجر العظيم.

وقد ربط القرآن بين تحقيق الوفاء وحصول المسلم على الأجر العظيم من الله سبحانه، كما قال تعالى: (وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح:10] .

قال السعدي: «قوله: (وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ) أي: أتى به كاملا موفرا، (ٹ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) لا يعلم عظمه وقدره إلا الذي آتاه إياه» 100.

وكذلك بين القرآن أن الوفاء بعهد الله فيه الفوز العظيم للمسلم كما قال تعالى: (وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 111] .

3.نيل الفلاح.

ومن آثار الوفاء على الفرد نيل الفلاح حيث أخبر القرآن من صفات المؤمنين المفلحين: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) [المؤمنون: 8] .

4.وفاء الله بعهود عباده.

فمن آثار الوفاء أن الفرد الذي يفي بعهده مع الله يكون جزاؤه من جنس ما صنع، كما جاء في قوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة: 40] .

قال الطبري: «وعهده إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة» 101.

وذكر عز وجل صفات أولي الألباب ذكر منها أنهم يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، ثم بين عاقبة هؤلاء، فقال عز وجل: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ?20?وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ?21?وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَ?ئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ?22? [الرعد: 20 - 22] .

ومما يبين أن الجزاء من جنس العمل فأصحاب الوفاء والصدق لهم جزاؤهم على صدقهم، كما قال تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ? فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى? نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ? وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ?23?لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ?24?) [الأحزاب: 23 - 24] .

5.تحمل المسؤولية والالتزام.

ومن آثار الوفاء على الفرد أنه يجعل المسلم متحملًا لمسؤولية قوله وفعله، وملتزمًا بعهوده ومواثيقه، كما قال الله تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ? إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولً) [الإسراء: 34] .

قال ابن كثير: «أي: الذي تعاهدون عليه الناس والعقود التي تعاملونهم بها، فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولً) أي: عنه» 102.

وقال أبوالسعود: «وقوله: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ) سواءٌ جرى بينكم وبين ربكم أو بينكم وبين غيركم من الناس، والإيفاء بالعهد والوفاء به هو القيام بمقتضاه والمحافظة عليه (إِنَّ الْعَهْدَ) أظهر في مقام الإضمار إظهارًا لكم والعناية بشأنه، (كَانَ مَسْئُولً) أي: مسؤولًا عنه» 103.

6.أداء حقوق العباد.

والمسلم عندما يلتزم بالوفاء في عهوده وعقوده وما لديه من أمانات وبالوفاء في الكيل والميزان يكون قد أدى ما عليه من حقوق العباد فلا يطالبه أحد بشيء يوم القيامة، كما قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ? وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ? وَكَفَى? بِنَا حَاسِبِينَ ?47?) [الأنبياء: 47] .

7.السلامة من النفاق.

ومن جملة آثار الوفاء على الفرد السلامة من النفاق حيث إن نقض العهود والمواثيق وإخلاف الوعود من أبرز صفات المنافقين؛ فالوفاء من خاصية أهل الإيمان، والخيانة والغدر من خاصية أهل النفاق، كما قال تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) } [التوبة: 77] .

قال ابن عاشور: «جعل فعلهم ذلك سببًا في بقاء النفاق في قلوبهم إلى موتهم، وذلك جزاء تمردهم على النفاق» 104.

ثانيًا: أثر الوفاء على المجتمع:

1.تحقيق الاستقرار داخل المجتمع.

إن وجود الوفاء من عوامل الاستقرار في المجتمعات؛ فاستشعار الجميع لأهمية الوفاء وتطبيقه بينهم يجعل المجتمع مستقرًا تسوده الطمأنينة لأفراده، خاصة عندما تتدرج دائرة الوفاء من محيط الأسرة إلى المسجد إلى المدرسة إلى الجامعة إلى الوظيفة، وكل جوانب المعاملات بين الناس.

إن الوفاء بالعهد «يثمر الكثير من خصال الخير فهو يثمر قوة الثقة، وإذا ما أنست من وفاء إنسان قويت ثقتك فيه وارتاحت نفسك إليه، إنه يثمر الاطمئنان والأمانة، يثمر النجدة والشهامة والمروءة، والمجتمع الذي يسوده الوفاء مجتمع متين البناء، تظلله روح المودة والصفاء ويشد أزره التعاون البناء 105.

وقد مدح الله الذين يفون بعهودهم ومواثيقهم، وأنهم من الذين صدقوا، وذلك في قوله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ? وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177] .

وأن ذلك من أبرز صفات المجتمع المسلم وأنهم من أولي الألباب قال تعالى: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ?19?الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ?20?) [الرعد: 19 - 20] .

2.حفظ الحقوق وصيانتها.

وجود الوفاء في داخل المجتمع يعمل على حفظ الحقوق وصيانتها وعدم تضييعها، ومن ثم تختفي الكثير من المنازعات والشكاوي حول ضياع الحقوق وصعوبة الحصول عليها؛ فالمسلم بالتزامه بالوفاء بعهوده ومواثيقه وأمانات الناس لديه يجنب المجتمع الكثير من المشكلات. ويظهر ذلك في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة:1] .

ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: (فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ) [الأعراف: 85] .

وقوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ?) [هود: 85] .

وقوله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ?) [الإسراء: 35] .

وقوله تعالى: (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ [الشعراء: 181] .

3.صيانة الدماء والأنفس.

ومن آثار الوفاء أنه يصون المجتمع من إراقة الدماء بغير حق وقتل الأنفس من خلال التزام المسلم بالعهود والمواثيق مع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، والوفاء لهم بحقوقهم.

فمن يرتبط مع المسلمين بعهد أو ميثاق، فإنه يدرك أي أمن يعيش فيه، وأي حياة مستقرة يحياها، فلا خوف على نفسه أو أهله أو مجتمعه من الدولة المسلمة. وقد قال الله تعالى: (? وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ? إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) [الإسراء: 34] .

وتتحقق صيانة الدماء والأنفس من خلال الوفاء بالبيعة وعدم نقضها مما يجنب المجتمع الكثير من الفتن والاختلاف والتنازع الذي يفضي إلى سفك الدماء، وقتل الأبرياء. ويظهر هذا من قوله تعالى: (وَمَنْ أَوْفَى? بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [الفتح: 10] .

4.تحقيق التعاون ودفع التنازع.

والوفاء في داخل المجتمع يخلق روحًا من التعاون والتناصر والتواد بين أفراد المجتمع، ويقلل الشحناء والبغضاء والنفرة والكراهية والظلم. ويظهر هذا في قوله تعالى: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ? ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الأنعام: 152] .

وبقوله تعالى: (ڑ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) [النحل: 91] .

«فالوفاء صفة أساسية في بنية المجتمع الإسلامي، حيث تشمل سائر المعاملات، إذ كل المعاملات والعلاقات الاجتماعية والوعود والعهود تتوقف على الوفاء، فإذا انعدم الوفاء انعدمت الثقة، وساء التعامل وساد التنافر 106.

5.القدوة الحسنة.

إن المجتمع المسلم عندما يلتزم بقيمة الوفاء يكون قد قدم صورة طيبة عن الإسلام، مما يجعله قدوة للمجتمعات الأخرى، وصورة حقيقة معبرة عن توجيهات الإسلام في هذا الشأن، ولعل ذلك له أثر أيضًا في دخول غير المسلمين في الإسلام لما يرونه من واقع حي ملموس في الوفاء بالعهود والمواثيق والأيمان والأمانات والعقود. وقد جعل الله من صفات المجتمع المسلم ما جاء في قوله تعالى: (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ? وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ? أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة: 177] .

وأن ذلك من أبرز صفات المجتمع المسلم وأنهم من أولي الألباب.

قال تعالى: (? إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ?19?الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ?20?) [الرعد: 19 - 20] .

6.الرخاء والبركة.

ومن آثار الوفاء والقيام والالتزام به وجود الرخاء والبركة، ويظهر ذلك في الوفاء بأموال وحقوق الناس وعدم تضييعها، والوفاء بالكيل والميزان مما يترتب عليه رضى الله تعالى عن هذا المجتمع «فحينما يلزم المجتمع بالوفاء بالكيل والميزان يتحقق الرخاء والاستقرار الاقتصادي، ويبارك الله تعالى في الأموال، وتصلح أحوال الناس، وتسود الثقة بين أفراد المجتمع، وتظهر عليهم علامات البر والصدق، ويعم الخير أرجاء المجتمع المسلم» 107.

وقد قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) } [البقرة: 40] .

وقوله تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76) } [آل عمران: 76] .

وقوله تعالى: {وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) } [الفتح: 10] .

موضوعات ذات صلة:

البيعة، الثبات، الرجولة، العهد، الميثاق

1 مقاييس اللغة، 6/ 129.

2 لسان العرب، 15/ 398.

3 لسان العرب، ابن منظور، 15/ 398.

4 المفردات، ص 528.

5 الذريعة إلى مكارم الشريعة، ص 292.

6 التعريفات، الجرجاني، ص 274.

7 معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي، 1/ 507.

8 انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 756، 757، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الواو ص 1417.

9 انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي، 5/ 244، 245، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، 4/ 327.

10 انظر: لسان العرب، ابن منظور 15/ 193.

11 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/ 511.

12 المفردات، الراغب، ص 277.

13 أدب الدنيا والدين، ص 325.

14 الفروق اللغوية، العسكري، ص 575.

15 انظر: مقاييس اللغة، 1/ 133.

16 الكليات، ص 176، 186 بتصرف يسير.

17 مدارك التنزيل، 1/ 417.

18 انظر: المغرب في ترتيب المعرب، الخوارزمي، ص 156.

19 المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 305.

20 تفسير القرآن الكريم، الفاتحة والبقرة، 3/ 98.

21 تفسير القرآن العظيم، 3/ 365.

22 الجامع لأحكام القرآن، 10/ 169.

23 الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، 2/ 157.

24 تفسير القرآن العظيم، 5/ 74.

25 جامع البيان، 17/ 444.

26 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 2535، كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد.

27 أخرجه أبوداود في سننه، كتاب الجهاد، باب الإمام يستجن به في العهود، 2760.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 2510.

28 النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 190.

29 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 3015، كتاب أبواب الجزية والموادعة، باب إثم الغادر للبر والفاجر، ومسلم في صحيحه، رقم 1736، كتاب الجهاد والسير، باب تحريم الغدر. واللفظ له.

30 أخرجه الترمذي في سننه، أبواب السير، باب ما جاء في الغدر، رقم 1580.

وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم 2468.

31 أخرجه مسلم في صحيحه، رقم 1787، كتاب الجهاد والسير، باب الوفاء بالعهد.

32 القواعد النورانية الفقهية، ص 196.

33 إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، ص 39.

34 الكبائر، ص 168.

35 تهذيب الأخلاق، الجاحظ، ص 24.

36 عمدة القاري، بدر الدين العيني، 1/ 220.

37 انظر: فتح الباري، 1/ 90.

38 الوفاء بالوعد، د. إبراهيم فاضل الدبو، ص 5.

39 انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص 460.

40 انظر: المصنف، ابن أبي شيبة، 2/ 200.

41 بريقة محمودية، أبو سعيد الخادمي، 2/ 281.

42 الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص 379.

43 انظر: فتح الباري، ابن حجر، 1/ 90.

44 الوفاء بالوعد، إبراهيم فاضل الدبو، ص 5.

45 أحكام القرآن، الجصاص، 3/ 442.

46 إحياء علوم الدين، الغزالي، 3/ 132.

47 الجامع لأحكام القرآن، 11/ 114.

48 محاسن التأويل، 7/ 104.

49 مفاتيح الغيب، 21/ 549.

50 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 2536، كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد.

51 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 2327، كتاب المظالم، باب إذا خاصم فجر.

52 عمدة القاري، 2/ 93.

53 تحفة الأحوذي، 5/ 240.

54 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 5/ 9.

55 الجواهر الحسان، 1/ 436.

56 الجامع لأحكام القرآن، 6/ 32.

57 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 5/ 10.

58 المسائل والأجوبة، ص 203.

59 مفاتيح الغيب، الرازي، 19/ 32.

60 أخرجه أحمد في مسنده، 24/ 481، رقم 11935.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 7179.

61 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 2422، كتاب العتق، باب ما يجوز من شروط المكاتب ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله، ومسلم في صحيحه، رقم 1504، كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق.

62 جامع العلوم والحكم، ص 50.

63 المفردات، الراغب، ص 522.

64 فتح الباري، 11/ 525.

65 التحرير والتنوير، 1/ 378.

66 معالم التنزيل، 5/ 39.

67 التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، 7/ 353.

68 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 2964، كتاب الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين، ومسلم في صحيحه، رقم 1649، كتاب الإيمان، باب ندب من حلف يمينا فرأى غيرها خيرا منها.

69 تفسير القرآن العظيم، 4/ 598.

70 المصدر السابق، 8/ 287.

71 المحرر الوجيز، ابن عطية، 6/ 463.

72 فتح القدير، الشوكاني، 7/ 375.

73 جامع الرسائل،1/ 71.

74 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 6318، كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة.

75 المغني، 22/ 376.

76 فتح الباري، 11/ 577.

77 تفسير القرآن العظيم، 5/ 417.

78 مدارك التنزيل، 2/ 355.

79 روائع البيان في تفسير آيات الأحكام، الصابوني، 1/ 260.

80 إرشاد العقل السليم، 6/ 286.

81 انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، 35/ 55.

82 مفاتيح الغيب، الرازي، 5/ 243.

83 روح المعاني، 13/ 170.

84 التحرير والتنوير، 9/ 334.

85 أخرجه أحمد في مسنده 24/ 481، رقم 11935.

وصححه الألباني في صحيح الجامع، 2/ 1205، رقم 7179.

86 أخرجه البخاري في صحيحه، رقم 2536، كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد.

87 معالم التنزيل، 3/ 204.

88 جامع البيان، 24/ 277.

89 تيسير الكريم الرحمن، ص 915.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت