فهرس الكتاب

الصفحة 674 من 2431

التربية

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل كلمة التربية: إذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية وجدنا لكلمة التربية أصولًا ثلاثة:

الأول: ربا يربو.

الثاني: ربا يربي على وزن خفى يخفي.

الثالث: ربّ يربّ بوزن مدّ يمدّ 1.

وكلمة التربية في المعاجم العربية استخدمت لعدة معان، ويمكن إرجاع تلك المعاني إلى أصول خمسة، وهي:

1.النماء والزيادة: من ربا يربو بمعنى زاد ونما، ويقول ابن منظور: «ورب المعروف والصنيعة والنعمة، أي: نماها وأتمها وأصلحها» 2.

2.النشأة: قال ابن منظور: «ربي يربى على وزن خفي يخفى، أي: نشأ وترعرع، وعليه قول ابن الأعرابي: فمن يكون سائلًا عني فإني بمكة منزلي، وبها ربيت» 3.

3.الحفظ والرعاية: قال تعالى: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) [الشعراء:18] . أي: ألم ننعم عليك ونقم بتربيتك منذ كنت وليدًا في مهدك ولم تزل كذلك. ولبثت فينا من عمرك سنين» 4.

4.الإصلاح والتأسيس: قال ابن سيده: «ربّيت أي: أصلحت» 5. ويقول أبو هلال العسكري: «والصفة برب أيضًا تقتضي معنى المصلح، ومنه ربّيت النعمة إذا أصلحتها بإتمامها» 6. ولم نجد غيرهما يذكر هذا المعنى.

5.الرسوخ في العلم: قال ابن منظور: «الرّبّاني من الرب بمعنى التربية، وقال ابن الأعرابي: الرباني: العالم المعلم الذي يغذو الناس بصغار العلوم قبل كبارها. والرباني: الراسخ في العلم، أو الذي يطلب بعلمه وجه الله تعالى» 7.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

هناك اختلاف في معنى التربية بين القدماء والمعاصرين:

فالتربية في القديم هي وسيلة لتحصيل المعرفة، ولكن التربية عند المعاصرين أخذت معنى أشمل، فالتربية عندهم طريقة لإعداد الإنسان الصحيح والصالح والمتميز بسلوكه الفكري والإنساني والقادر على توظيف مصادر المعرفة لديه في حل مشاكله ومشاكل مجتمعه 8.

فالتربية هي: «كل عملية أو مجهود أو نشاط تؤثر في سلوك الإنسان أو تكوينه، أيًّا كان مصدر هذه العملية: سواء أكان الإنسان بنفسه، أم البيئة الطبيعية، أم المجتمع الذي يعيش فيه. فالإنسان خاضع باستمرار لعمليات تغيير في تكوينه الجسمي والعقلي والخلقي والنفسي والاجتماعي، وهذه العمليات هي التربية. فغاية التربية هي مساعدة الإنسان على تنمية ملكاته وقدراته واستعداداته ودوافعه جميعها، وتكييفها، وإيجاد التوازن بينها وبين البيئة التي تعيش بها» 9.

وردت (التربية) في القرآن الكريم مرتين 10.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 1 ... {وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) } [الإسراء:24]

الفعل المضارع ... 1 ... {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا} [الشعراء:18]

وجاءت التربية في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: الحفظ والرعاية 11.

التزكية:

التزكية: لغة:

التزكية في مادتها اللغوية تدور حول: الإصلاح، والتطهير، والثناء الجميل والمدح، والنماء والزيادة 12.

التزكية اصطلاحًا:

تخليص النفس الإنسانية من كل ما يتعلق بها من شوائب، ونواقص، وسلبيات، وترسيخ الفضائل والقيم النبيلة والأخلاق السامية فيها، وتوجيهها إلى كل ما فيه الخير والصلاح 13.

الصلة بين التزكية والتربية:

عن العلاقة بينهما يقول الشيخ محمد الغزالي: «والتزكية أقرب الكلمات وأدلها على معنى التربية، بل تكاد التزكية والتربية تترادفان في إصلاح النفس، وتهذيب الطباع، وشد الإنسان إلى أعلى؛ كلما حاولت المثبطات والهواجس أن تسفّ به وتعوجّ» 14.

الرعاية:

الرّعاية لغةً:

الحفظ؛ يقال: رعاه يرعاه رعيًا ورعاية: حفظه. وكلّ من ولي أمر قوم فهو راعيهم وهم رعيّته. وقد استرعاه إياهم: استحفظه، واسترعيته الشيء فرعاه: حفظه. وفي المثل: من استرعى الذئب ظلم؛ لأنّ من ائتمن خائنًا فقد وضع الأمانة في غير موضعها 15.

الرعاية اصطلاحًا:

من معاني الرعاية في مجال التربية والتعليم -كما ذكر أحد الباحثين- المسؤولية والإشراف والحرص والمساعدة والإرشاد والتوجيه ومراقبة الطفل والسهر عليه 16.

الصلة بين الرعاية والتربية:

المربي يشرف على التربية ويرشد ويرعى مراحل التربية.

التأديب:

التأديب لغة:

أصل مادة الكلمة (الهمزة والدال والباء) تدل على (الجمع والدعاء) ، يقال: أدبهم على الأمر، أي: جمعهم عليه، ومنه سمي حسن الخلق أدبًا؛ لأنه أمرٌ قد أجمع عليه وعلى استحسانه 17.

التأديب اصطلاحًا:

هو التعليم والمعاقبة على الإساءة بقصد الإصلاح، يقال: أدّبه، أي: علّمه الأدب، وعاقبه على إساءته؛ لأنه سبب يدعو إلى حقيقة الأدب، و (التأديب) لفظ يدل على المبالغة والتكثير 18.

الصلة بين التأديب والتربية:

وظيفة المؤدب والمربي واحدة.

أضاف الله سبحانه لنفسه كلمة العالمين بقوله: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، يقول الطبري: «والعالمون جمع عالم، والعالم: جمعٌ لا واحد له من لفظه، كالأنام والرهط والجيش، ونحو ذلك من الأسماء التي هي موضوعات على جماعٍ لا واحد له من لفظه. والعالم اسم لأصناف الأمم، وكل صنف منها عالمٌ، وأهل كل قرن من كل صنف منها عالم ذلك القرن وذلك الزمان. فالإنس عالم، وكل أهل زمان منهم عالم ذلك الزمان. والجنّ عالم، وكذلك سائر أجناس الخلق، كلّ جنس منها عالم زمانه. ولذلك جمع فقيل: عالمون، وواحده جمعٌ» 19.

والله سبحانه هو المربي للخلق، كما يدل عليه كلمة (الرب) . يقول ابن الجوزي: «فأما الرب فقيل: هو مأخوذ من التربية، يقال: رب فلان صنيعتها يربها ربًّا: إذا أتمها وأصلحها» 20.

يقول الشيخ محمد رشيد رضا: «وقيل: إن ربوبية الله تظهر بتربيته إياهم، وهي تربية خلقية بما يكون به نموهم وكمال أبدانهم وقواهم النفسية والعقلية، وتربية شرعية تعليمية للمحافظة على فطرتهم» 21.

ويذكر الرازي في تفسيره أهم الفروق بين تربية الله تعالى وتربية الخلق بعضهم لبعض، منها:

1.أنه تعالى يربي عبيده لا لغرض نفسه، بل لغرضهم، وغيره يربون لغرض أنفسهم لا لغرض غيرهم.

2.أن غيره إذا ربى فبقدر تلك التربية يظهر النقصان في خزائنه وفي ماله، وهو تعالى متعال عن النقصان والضرر.

3.أن غيره من المحسنين إذا ألح الفقير عليه أبغضه وحرمه ومنعه، والحق تعالى بخلاف ذلك.

4.أن غيره من المحسنين ما لم يطلب منه الإحسان لم يعط، أما الحق تعالى فأنه يعطي قبل السؤال.

5.أن غيره من المحسنين ينقطع إحسانه إما بسبب الفقر أو الغيبة أو الموت، والحق تعالى لا ينقطع إحسانه البتة.

6.أن غيره من المحسنين يختص إحسانه بقوم دون قوم ولا يمكنه التعميم، أما الحق تعالى فقد وصل تربيته وإحسانه إلى الكل 22.

وقد قسم العلماء والمربون هذه التربية إلى قسمين: تربية عامة وتربية خاصة، فإن أطلقت فالمراد بها المعنى الأول، مثل قوله {رَبِّ الْعَالَمِينَ} ونحو ذلك.

وحيث قيدت بما يحبه ويرضاه، أو وقع السؤال بها من الأنبياء وأتباعهم. فإن المراد بها النوع الثاني. وهو متضمن للمعنى الأول وزيادة؛ لهذا تجد أدعية الأنبياء وأتباعهم في القرآن باسم الرب غالبًا، فإن مطالبهم كلها داخلة تحت ربوبيته الخاصة.

أولًا: تربية عامة.

يقول العلامة السعدي رحمه الله حول تربية لله سبحانه العامة لعباده: «وهي خلقه تعالى للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا» 23.

فالتربية العامة تشمل نقاطًا ثلاثة:

1.خلق الله تعالى المخلوقات: يقول العلامة العثيمين: «الرب هو من اجتمع فيه ثلاثة أوصاف: الخلق والملك والتدبير، فهو الخالق المالك لكل شيء المدبر لجميع الأمور» 24.

2.رزقهم، بعد أن يذكر الرازي كيفية تكوين الشجرة من الغصن والساق والعروق والثمار، يبين لنا هذا الجانب من تربية الله سبحانه، وهي رزقهم فيقول: «والحكمة في كل هذه التدبيرات تحصيل ما يحتاج العبد إليه من الغذاء والأدام والفواكه والأشربة والأدوية، كما قال تعالى: (أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا(25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا) [عبس:25 - 26] » 25.

3.هدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا، يقول الراغب الأصفهاني: «رب العالمين هو المتكفل بمصلحتهم» 26.

ويذكر الرازي رحمه الله في تفسيره وجوهًا كثيرة لتربية الله سبحانه للعبد، منها خلقه للإنسان من نطفة فعلقة فمضغة فعظام، ثم خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والأرض والجبال والمعادن، والنبات والحيوان، ثم يعلق على كل ذلك بقوله رحمه الله: «واعلم أنك إذا تأملت في عجائب أحوال المعادن والنبات والحيوان وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان قضى صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة، ودلائل رحمته لائحة ظاهرة» 27.

فالتربية العامة تكون بالنعم التي أنعمها الله على عباده من رزق وإرسال الرسل، فيهدي بهدايته العامة من ينيب إليه، بعد أن عرف النعمة وأحس بجميع الدلائل الكونية والشرعية على أن الله تعالى هو رب البرية، فأناب إليه، ثم هداه تعالى ووفقه 28.

ثانيًا: تربية خاصة.

يقول الشيخ السعدي مبينًا التربية الخاصة: «وهي تربية لأوليائه فيربيهم بالإيمان ويوفقهم له ويكملهم به ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه.

قال تعالى: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ} [الشورى:13] .

والمعنى: الله يجتبي إليه من يشاء أي: يختار من خلقه من يعلم أنه يصلح للإجتباء برسالته وولايته، ومنه أن اجتبى هذه الأمة وفضلها على سائر الأمم، واختار لها أفضل الأديان وآخرها» 29.

ويقول البيضاوي مفسرًا آية {رَبِّ الْعَالَمِينَ} : «ثم سمى به المالك لأنه يحفظ ما يملكه ويربيه» 30.

فالله سبحانه هو الحافظ للخلق لأنه مربيهم وخالقهم.

وقيل في قوله تعالى: {لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي} [غافر:66] .

أي: المربي لي تربية خاصة، هي أعلى من كل مخلوق سواي، فأنا أعبده عبادة تفوق عبادة كل عابد 31.

فالتربية الخاصة لله سبحانه، تكون لأنبيائه والصالحين. يقول الشيخ الشعراوي في تفسير قوله تعالى: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} [طه:12] : «أي: ربك أنت بالذات، لا الرب المطلق، لأن الرسل مختلفون عن الخلق جميعا، فلهم تربية مخصوصة، كما قال تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:39] . وقال سبحانه: {وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي} [طه:41] . فالحق تبارك وتعالى يربي الرسل تربية تناسب المهمة التي سيقومون بها» 32.

ويعرف صاحب تفسير التحرير والتنوير كلمة الاصطناع في الآية بأنها: «صنع الشيء باعتناء، واللام للأجل، أي: لأجل نفسي، والكلام تمثيل لهيئة الاصطفاء لتبليغ الشريعة بهيئة من يصطنع شيئًا لفائدة نفسه، فيصرف فيه غاية إتقان صنعه» 33.

فالنبي صلى الله عليه وسلم اصطفاه ربه وتولى أمر تربيته حيث صانه عن أفعال الجاهلية المنكرة، فلم يعبد الأصنام، ولم يلهو كأقرانه ولم يسمع لهوًا قط. فهذه تربية ورعاية ربانية خاصة 34.

مما سبق عرفنا أن الله سبحانه يربي أوليائه وأصفيائه تربية خاصة، وهذه التربية تكون بتوفيقهم للإيمان والهداية ودفع الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبينه.

الأنبياء عليهم السلام والتربية

الأنبياء عليهم السلام صفوة الخلق اختارهم الله تعالى لأداء الأمانة وتبليغ الرسالة وتربية الناس. فهم عليهم السلام أكثر الناس حاجة للتربية نظرًا للمسؤلية الثقيلة عليهم. فالله سبحانه رباهم تربية خاصة ليكونوا أهلًا للحمل الثقيل. وهم بدورهم حملوا أمانة تربية الناس وإصلاحهم. ومن هنا قسمنا هذا المبحث إلى:

أولا: تربية الله سبحانه للأنبياء.

قال تعالى لموسى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه:12] .

{وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) } [طه:41] .

يقول شيخ المفسرين الإمام الطبري في معنى هذه الآية: «أنعمت عليك يا موسى هذه النعم، ومننت عليك هذه المنن، اجتباء مني لك واختيارًا لرسالتي والبلاغ عني والقيام بأمري ونهيي» 35.

ثانيا: تربية الأنبياء عليهم السلام لأقوامهم.

يقول الدكتور أحمد أبو زيد حول مهمة الأنبياء عليهم السلام في الحياة وكيفية تربيتهم لأقوامهم: «قامت دعوات الأنبياء عليهم السلام على تكوين الإنسان الذي يوحد الله تعالى ويراقبه في سره وعلانيته، ويسارع في الخيرات، لذلك تبدأ بغرس كلمة الإيمان في النفس وتعمل بوسائل شتى على ترسيخها وتثبيت جذورها في القلب، لأن الإيمان إذا تغلغل في القلب كان قوة ذاتية تدفع الإنسان إلى السلوك القويم والتحلي بالأخلاق الحميدة والاستقامة على طريق الصلاح» 36.

قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36] .

ومهمة تكوين الإنسان الموحد لله تعالى المسارع إلى الخيرات، ليست مهمة سهلة.

إن تربية الأنبياء ودعوتهم -كما ذكرها الشيخ التويجري في مختصر الفقه الإسلامي- اشتملت على أربعة أمور: تحصيل الإيمان، وحفظ الإيمان، والاستفادة من الإيمان، ونشر الإيمان.

فالاجتهاد لتحصيل الإيمان بالنظر والتفكر في آيات الله ومخلوقاته، والعبادة والتزكية وكثرة ذكر الله. واجتهادهم لحفظ الإيمان، بلزوم الإيمان والبيئات الصالحة والعمل الصالح، والإكثار من ذكر الله، ومواصلة الدعوة إلى الله وبذل كل جهد في سبيل إعلاء كلمة الله.

ثم اجتهدوا لقضاء حاجاتهم وحاجات الدين بالاستفادة من الإيمان، فيرون أن الله معهم حيثما كانوا، ويطلبون منه وحده كل شيء ... وهكذا استفادوا من قدرة الله وخزائنه. ثم اجتهدوا على نشر هذا الإيمان وهذا اليقين بين أقوامهم، ومن أرسلوا إليه، ليعبدوا الله وحده لا شريك له 37.

والدارس لقصص الأنبياء في القرآن الكريم يجد نماذج عديدة لتربية الأنبياء لغيرهم وتعليمهم بشتى الوسائل. وما عانوه في سبيل أداء مهمتهم على أكمل وجه.

أولًا: التربية الإيمانية:

يقصد بالتربية الإيمانية: «ربط المسلم منذ نعومة أظفاره بأصول الايمان وأركانه وترسيخها في خوالج نفسه ابتداءً بوجود الله تعالى وصفاته، مرورًا بعظمة كلام الله تعالى وإعجازه وبيانه بالسنة المشرفة، وإنتهاءًا بالاعتياد على تطبيق أركان الإسلام، وتمثل مباديء الشريعة الغراء حتى تتسامى روحه إلى الأفق الأعلى بإيمان صادق ويقين ليس بعده كفر. قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم:30] » 38.

ويراد بأصول الإيمان: الحقائق الإيمانية والأمور الغيبية الثابتة عن طريق الخبر الصادق: كالإيمان بالله سبحانه، والإيمان بملائكته، والإيمان بالكتب السماوية، والإيمان بالرسل، والبعث والحساب والجنة والنار وسائر المغيبات. وأركان الإسلام هي: كل العبادات البدنية والمالية، وهي: الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج من استطاع إليه سبيلا. ونعني بمبادئ الشريعة: كل ما يتصل بالمنهج الرباني من عقيدة وعبادة وأخلاق وتشريع وأنظمة 39.

فالتربية الإيمانية عملية متدرجة ومقصودة، لتوجيه الإنسان نحو خالقه من خلال مجموعة من المباديء، والقيم المستمدة من الكتاب، والسنة، والتي تعمل على النمو السليم المتوازن بالروح، والعقل، والنفس، والجسم، وتحدث التكيف الاجتماعي 40.

والناظر للآيات القرآنية التي تبحث في قضية الإيمان يجد أن هذه الآيات تعمل بشتى الوسائل والأساليب بغرس الإيمان في النفس وترسيخها وتثبيت جذورها في قلب الإنسان، والإيمان يدفع الإنسان إلى التحلي بالأخلاق والاستقامة على الطريق الصحيح.

وقد استخدم القرآن الكريم أساليب عدة لغرس هذا الإيمان في النفس، منها:

1.الأساليب البنائية.

فقد ذكر القرآن الكريم أساليب لتقوية الإيمان وتنميته وغرسه في النفوس، منها:

1.النظر في الآفاق والأنفس، قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى? يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ? أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ?53?) [فصلت: 53] .

2.تلاوة آيات القرآن الكريم وتدبر معانيه، قال تعالى: (إِنَّ هَ?ذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ?9?) [الإسراء: 9] . وعن جندب بن عبد اللّه، قال: كنّا مع النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ونحن فتيانٌ حزاورةٌ، فتعلّمنا الإيمان قبل أن نتعلّم القرآن، ثمّ تعلّمنا القرآن فازددنا به إيمانًا) 41.

3.معرفة أسماء الله وصفاته، لاشك أن النظر في الأسماء والصفات بتدبر معانيها ودلالاتها في المخلوقات مما يزيد الإيمان ويقويه. قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى? فَادْعُوهُ بِهَا ? وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ? سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?180?) [الأعراف: 180] .

4.العبادة المتمثلة في اتباع الأوامر واجتناب النواهي. قال تعالى: (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ ? وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ?72?) [الأنعام: 72] .

5.التفكر في الموت، فالموت هو الطريق الذي يبعبر من خلاله الإنسان، عند انتقاله من الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة. قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ?26?وَيَبْقَى? وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ?27?) [الرحمن:26 - 27] .

2.الأساليب الوقائية.

فالتربية القرآنية لا تقف عند تنمية الإيمان وتقويته، بل تستمر في المحافظة عليه بأساليب أخرى، منها:

1.التمسك بالكتاب والسنة، قال تعالى: (چوَأَنَّ هَ?ذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ? وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ? ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [الأنعام:153] .

2.التقوى والعمل الصالح، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحديد:28] .

3.التحلي بالصبر، وللصبر أثر كبير في المداومة على العبادات، قال تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى? مَا أَصَابَكَ ? إِنَّ ذَ?لِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ?17?) [لقمان:17] .

3.الأساليب العلاجية.

بعد الأساليب البنائية والأساليب الوقائية، يعالج القرآن الكريم ضعف الإيمان حين يقع المؤمن في الأخطاء بأساليب، منها:

1.التوبة، فقد ذكر القرآن الكريم في كثير من الآيات هذا الأسلوب منبهًا لهم أنه لا فلاح ولا نجاة لكل مؤمن إلا بالتوبة من الذنوب صغيرها وكبيرها. قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور:31] .

2.الاستغفار، من صفات المتقين إذا وقعوا في ذنب المسارعة إلى الاستغفار؛ لإيمانهم بأن الله غفور رحيم. قال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى? مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ?135?) [آل عمران:135] 42.

فالقرآن الكريم -كما رأينا- يولي أهمية خاصة للتربية الإيمانية، مستخدمًا شتى الوسائل والأساليب والطرق. وهذا التنويع في الوسائل كفيل بتحقيق الغاية المنشودة، وهي غرس الإيمان في النفس.

ثانيًا: التربية الأخلاقية:

التربية الأخلاقية هي: «تنشئة الفرد على المباديء الخلقية والفضائل السلوكية والوجدانية التي توجه الفرد من وقت تمييزه، حتى يعتاد الصلاح وترسخ في نفسه القيم، فتكون دافعًا له إلى كل فضيلة وعونًا له على كمال دينه ومروءته وشخصيته، ومنها بر الوالدين واحترامهم والتزام الأدب في التعامل مع الغير ابتداءًا بالأسرة، وانتهاءًا بمختلف المؤسسات الاجتماعية» 43.

والمتأمل للقرآن الكريم يرى بوضوح مدى الاهتمام بالتربية الخلقية للإنسان وتوجيهه نحو الخير، وما فيها من توجيهات خير شاهد على ما نقول.

فمن هذه الآيات التي توجه السلوك وترسم خط الاستقامة: قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون:1 - 7] .

وفي التربية على القول الحسن يقول تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا} [الإسراء: 53] .

وفي الصدق يقول عزوجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت