فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 2431

وانقمع الباطل في ذلك المجمع، وأقر رؤساؤه ببطلانه، ووضح الحق وظهر، حتى رأى ذلك الناظرون بأبصارهم، ولكن أبى فرعون إلا عتوًا وضلالًا وتماديًا في غيه وعنادًا، فقال للسحرة: {آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ} [الشعراء:49] يتعجب ويعجب قومه من جراءتهم عليه، وإقدامهم على الإيمان من غير إذنه ومؤامرته {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} [الشعراء:49] هذا وهو الذي جمع السحرة، وملأه الذين أشاروا عليه بجمعهم من مدائنهم، وقد علموا أنهم ما اجتمعوا بموسى، ولا رأوه قبل ذلك، وأنهم جاءوا من السحر بما يحير الناظرين ويهيلهم، ومع ذلك فراج عليهم هذا القول، الذي هم بأنفسهم وقفوا على بطلانه، فلا يستنكر على أهل هذه العقول أن لا يؤمنوا بالحق الواضح، والآيات الباهرة؛ لأنهم لو قال لهم فرعون عن أي شيء كان إنه على خلاف حقيقته صدقوه 41.

ثانيًا: الاجتماع على قاسم مشترك:

ومن أسباب الاجتماع بين الناس وجود قاسم مشترك يجمع بينهم، ويؤلف بين قلوبهم، ومن هذه القواسم المشتركة:

الدين من أعظم الأسباب الموحدة بين الناس، بل هو السبب الأول، وقد أمر الله عباده أن يتمسكوا به، ويجتمعوا عليه، وعلى هذا بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين، والألفة والجماعة، وترك الفرقة.

قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى:13] .

أي: وصى الله سبحانه وتعالى جميع الأنبياء عليهم السلام بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف.

فذكر في هذه الآية الطرفين والوسط، الفاتح والخاتم، ومن بينهما على هذا الترتيب، فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم الميثاق بها، وهي إقامة الدين، وعدم التفرق فيه.

وقوله: {أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في الشرع والعقل، وبيان منفعته من وجوه:

الأول: أن للنفوس تأثيرات، وإذا تطابقت النفوس، وتوافقت على واحد قوي التأثير.

الثاني: أنها إذا توافقت صار كل واحد منها معينًا للآخر في ذلك المقصود المعين، وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود، أما إذا تخالفت تنازعت، وتجادلت فضعفت، فلا يحصل المقصود.

الثالث: أن حصول التنازع ضد مصلحة العالم؛ لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج، والقتل والنهب؛ فلهذا السبب أمر الله تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه لا يفضي إلى التفرق، وقال في آية أخرى: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا} [الأنفال:46] 42.

فالعقيدة أقوى الروابط التي تربط بين الناس، وبخاصة إذا سلمت وصحت وقويت في نفس صاحبها، ومنشأ ذلك أن صاحب العقيدة القوية يرى نفسه مفردًا بسبب هذه العقيدة عن الناس، وحيدًا بينهم، غريبًا فيهم، فهو في مسيس الحاجة إلى من تسكن إليه نفسه، ويأنس به قلبه، ويشتد به أزره، وليس في ذلك إلا رجل اعتقد مثل عقيدته، وآمن بمثل ما آمن به، هنالك تلتئم الروحان، ويتحد القلبان، وتسكن ثائرة النفس، ويستشعر كل منهما بالآخر روح الأنس، ويود أحدهما لو يفتدي الآخر بالدنيا وما فيها، وما قيمة الدنيا وما فيها إذا خلت من أنيس يرتاح إليه القلب، وتسكن معه النفس؟! هذا هو منشأ الوحدة والارتباط في نفوس أهل العقيدة الواحدة، والمبدأ المتفق.

وإنك لترى بين الناس روابط كثيرة من نسبية وعصبية؛ وصداقة ومعرفة، واشتراك في تجارة؛ أو مصلحة؛ أو غاية مما يرتبط بهذه الأغراض الزائلة، فترى كل الروابط سريعة الزوال، وشيكة الانحلال، على حين ترى أهل العقيدة الواحدة على قلب واحد، وشعور واحد 43.

والحاصل: أن من الأسباب التي تربط بين الناس الدين والعقيدة المشتركة؛ ولهذا عظم الله أمر الاجتماع عليه، وأتبع ذلك التعظيم بالنهي عن الافتراق فيه، فقال: {وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} أي: في الدين، تفرقًا عظيمًا؛ بما أشار إليه إثبات التاء، وكأن ذلك إشارة إلى التحذير من التفرق في الأصل.

فإن التفرق سبب الهلاك، والاجتماع سبب النجاة 44.

قال ابن كثير رحمه الله: «فأهل الأديان قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنها على شيء، وهذه الأمة اختلفوا فيما بينهم على نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين، في قديم الدهر وحديثه» 45.

وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله عند تفسيره لهذه الآية: «وهذه حالة ذميمة من أحوال أهل الشرك، يراد تحذير المسلمين من الوقوع في مثلها؛ فإذا اختلفوا في أمور الدين الاختلاف الذي يقتضيه الاجتهاد، واختلفوا في الآراء والسياسات لاختلاف العوائد؛ فليحذروا أن يجرهم ذلك الاختلاف إلى أن يكونوا شيعًا متعادين متفرقين، يلعن بعضهم بعضًا، ويذيق بعضهم بأس بعض» 46.

والمقصود: أن الله تعالى أوجب علينا إقامة الدين، بالتمسك بكتابه وسنة نبيه، والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة اعتقادًا وعملًا؛ وذلك سبب اتفاق الكلمة، وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا والدين، والسلامة من الاختلاف.

ومع أهمية الاجتماع يبقى أن الاجتماع المأمور به إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم كالجسد الواحد، ولا يضر فيه صرف بعض الأوقات إلى المعاش، وتنعيم البدن ببعض المباحات.

ويبين الشافعي رحمه الله أن اجتماع الأبدان ليس بمعتبر ولا مقصود، بل المقصود والمعتبر الاجتماع على طاعة الله ورسوله، والاجتماع على الحق، فيقول بعد أن بين أن الأمر بلزوم جماعة المسلمين ليس له إلا معنى واحد؛ ذلك أنه: إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين؛ ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئًا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم، والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها 47.

ومن الآيات الدالة على هذا المعنى قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) } [البقرة:213] .

فأخبر الله عز وجل في هذه الآية أن الناس كانوا أمة واحدة، أمة مجتمعة على ملة واحدة، ودين واحد، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين 48.

وقيل: إن وقت كون الناس أمة واحدة على دين التوحيد يوم استخرج ذرية آدم من صلبه، فعرضهم على آدم، يقول أبي بن كعب رضي الله عنه: «كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم، ففطرهم يومئذٍ على الإسلام، وأقروا له بالعبودية، وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم، ثم اختلفوا من بعد آدم 49.

فالله سبحانه إنما بعث الرسل، وأنزل الكتب عند الاختلاف، فالأصل في البشرية هو الاجتماع على التوحيد الخالص لله عز وجل، والأصل أن الناس كانوا مجتمعين على الدين الواحد، دين التوحيد، وأنه ما إن دب الشرك في الأمة إلا وقارنته الفرقة، فاستلزم بعثة الأنبياء والرسل رحمة من الله تعالى بالناس، وإعذارًا لهم، فهو سبحانه كما في الحديث: (لا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين) 50.

ومن القواسم المشتركة التي تجمع بين الناس: الإيمان.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) } [الحجرات:10] .

يعني: كالإخوة في التعاون؛ لأنهم على دين واحد 51.

وفي الآية بيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب، والنسب اللاصق ما إن لم يفضل الأخوة ولم يبرز عليها لم ينقص عنها، ولم يتقاصر عن غايتها، ثم قد جرت عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته، ويركبوا الصعب والذلول مشيًا بالصلح، وبثًا للسفراء بينهما، إلى أن يصادف ما وهى من الوفاق من يرقعه، وما استشن 52 من الوصال من يبله، فالأخوة في الدين أحق بذلك، وبأشد منه 53.

و (إنما) للحصر، أي: لا أخوة إلا بين المؤمنين، وأما بين المؤمن والكافر فلا؛ لأن الإسلام هو الجامع؛ ولهذا إذا مات المسلم وله أخ كافر يكون ماله للمسلمين، ولا يكون لأخيه الكافر 54.

قال الزجاج: «أَعْلَمَ الله عز وجل أن الذين يجمعهم وأنهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا في الاتفاق في الدين إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء، ولو اختلفت أديانهم لافترقوا في النسب، وإن كان في الأصل أنهم لأب وأم» 55.

فالصلة التي ينبغي أن تقوم بين المؤمنين هي صلة أخوة ومودة، دون نظر إلى لون أو جنس أو وطن، فقد جمعهم الإسلام في نسب يعلو على نسب الدم والجنس والوطن، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} وإنه لمن قلْب الأوضاع أن ينعزل المؤمن بشعوره هذا من المودة والأخوة عن إخوانه المؤمنين، وينحاز إلى الكفار، يعطيهم ولاءه ومودته وأخوته، والإسلام الذي يدعو إلى الحب والسلام إذ يدعو أتباعه إلى التراحم والتواد والتآخي فيما بينهم، لا يجعل ذلك على حساب الصلات الأخوية التي ينبغي أن تكون بين المسلم وبين سائر الناس 56.

يقول القاسمي: «وتسمية المشاركة في الإيمان أخوة تشبيه بليغ، أو استعارة شبه المشاركة فيه بالمشاركة في أصل التوالد؛ لأن كلًا منهما أصل للبقاء؛ إذ التوالد منشأ الحياة، والإيمان منشأ البقاء الأبدي في الجنان» 57.

والحاصل: أن المؤمنين بسبب إيمانهم إخوة، أي: في التوالي والتعاضد والتراحم؛ ولهذا فالمؤمنون قلوبهم على قلب رجل واحد فيما يعتقدونه من الإيمان، وأما المنافقون فقلوبهم مختلفة، كما قال: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر:14] فإذا كان المؤمنون إخوة أمروا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها، ونهوا عما يوجب تنافر القلوب واختلافها، وهو إصلاح ذات البين.

حتى الملائكة يجمعهم بالمؤمنين الإيمان؛ ولهذا يستغفرون للذين آمنوا، كما قال تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر:7] وفي هذا تنبيهٌ على أن المشاركة في الإيمان يوجب النصح والشفقة وأن تخالف الأجناس؛ لأنها أقوى المناسبات، كما قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} .

وهذه الأخوة الدينية مما يحسدنا عليها جميع أهل الملل، فهي لا تزال أقوى فينا منها فيهم ترافدًا وتعاونًا، وعاصمة لنا من فوضى الشيوعية، وأثرة المادية وغيرها، على ما منيت به شعوبنا من الضعف، واختلال النظام، واختلاف الجنسيات والأحكام 58.

ومما يترتب على هذه الأخوة: أن يكون الحب والسلام والتعاون والوحدة هي الأصل في الجماعة المسلمة، وأن يكون الخلاف أو القتال هو الاستثناء الذي يجب أن يرد إلى الأصل فور وقوعه، وأن يستباح في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف؛ وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة، وهو إجراء صارم وحازم كذلك 59.

ومما يبين هذه الصلة الإيمانية: قوله تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة:71] .

إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المؤمنة، طبيعة الوحدة، وطبيعة التكافل، وطبيعة التضامن، ولكنه التضامن في تحقيق الخير، ودفع الشر.

{يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} وتحقيق الخير، ودفع الشر يحتاج إلى الولاية والتضامن والتعاون، ومن هنا تقف الأمة المؤمنة صفًا واحدًا، لا تدخل بينها عوامل الفرقة، وحيثما وجدت الفرقة في الجماعة المؤمنة فثمة ولا بد عنصر غريب عن طبيعتها وعن عقيدتها، هو الذي يدخل بالفرقة، ثمة غرض أو مرض يمنع السمة الأولى ويدفعها، السمة التي يقررها العليم الخبير {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} يتجهون بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، وتحقيق الوصاية لهذه الأمة في الأرض 60.

وهذا هو المعلم الواضح البارز على مفرق الطريق بين نظرة هذا الدين إلى الوشائج والروابط، وبين نظرات الجاهلية المتفرقة، إن الجاهليات تجعل الرابطة آنًا هي الدم والنسب، وآنًا هي الأرض والوطن، وآنًا هي القوم والعشيرة، وآنًا هي اللون واللغة، وآنًا هي الجنس والعنصر، وآنًا هي الحرفة والطبقة! تجعلها آنًا هي المصالح المشتركة، أو التاريخ المشترك، أو المصير المشترك، وكلها تصورات جاهلية -على تفرقها أو تجمعها- تخالف مخالفة أصيلة عميقة عن أصل التصور الإسلامي! والمنهج الرباني القويم -ممثلًا في هذا القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، وفي توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي من هذا القرآن وعلى نسقه واتجاهه، قد أخذ الأمة المسلمة بالتربية على ذلك الأصل الكبير، والمعلم الواضح البارز في مفرق الطريق 61.

ومن القواسم المشتركة التي يجتمع الناس عليها: الهدى.

قال تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [الأعراف:30] .

وقال: {فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ} [النحل:36] .

فهؤلاء صنفان وجمعان، فالأولون اجتمعوا على الهدى، والآخرون اجتمعوا على الضلالة، وشتان بين الجمعين والفريقين.

والفريق يصدق بالجماعة الكثيرة 62.

وهذا كله إنذار من الوقوع في الضلالة، وتحذير من اتباع الشيطان، وتحريض على توخي الاهتداء الذي هو من الله تعالى، كما دل عليه إسناده إلى ضمير الجلالة في قوله: {هَدَى اللَّهُ} .

فيعلم السامعون أنهم إذا رجعوا إليه فريقين، كان الفريق المفلح هو الفريق الذين هداهم الله تعالى، كما قال: {أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة:22] .

وأن الفريق الخاسر هم الذين حقت عليه الضلالة، واتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، كما قال: {أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة:19] 63.

إنها لقطة واحدة عجيبة، تجمع نقطة البدء في الرحلة الكبرى، ونقطة النهاية، نقطة الانطلاق في البدء، ونقطة المآب في الانتهاء ... ، وقد بدأوا الرحلة فريقين: آدم وزوجه، والشيطان وقبيله، وكذلك سيعودون، الطائعون سيعودون فريقًا مع أبيهم آدم، وأمهم حواء، المسلمين المؤمنين بالله، المتبعين لأمر الله، والعصاة سيعودون مع إبليس وقبيله، يملأ الله منهم جهنم، بولائهم لإبليس، وولايته لهم، وهم يحسبون أنهم مهتدون.

لقد هدى الله من جعل ولايته لله، وأضل من جعل ولايته للشيطان، وها هم أولاء عائدين فريقين: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} 64.

وقال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام:35] .

وهذا فيه إشارة إلى أن الهدى من الأمور التي تجمع بين الناس.

فقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ} جل وعلا {لَجَمَعَهُمْ} جميعًا {عَلَى الْهُدَى} وَالْهُدَى هنا بمعناه الخاصِ؛ لأن الْهُدَى يُطْلَقُ في القرآنِ إطلاقين: يطلق إطلاقًا عامًا، ويطلقُ إطلاقًا خاصًا، أما الهدى بمعناه العام: فهو إبانةُ الطريقِ وإيضاحُها وتوضيحُ الخيرِ من الشَرِ، ومنه بهذا المعنى في القرآنِ: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} [فصلت:17] أي: أَوْضَحْنَا لهم طريقَ الخيرِ وَالشَرِ بَيِنَةً على لسانِ نَبِيِنَا صالحٍ، وليس هذا الْهُدَى (هُدَى تَوْفِيقٍ) وإنما هو (هُدَى بَيَانٍ) فَقَطْ، بدليلِ قولِه: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت:17] وأما الْهُدَى بمعناه الخاصِ فهو: التوفيقُ إلى ما يُرْضِي اللَهَ.

والحاصل: أن من العوامل المشتركة بين الخلق الاجتماع على الهدى، كاجتماع الملائكة، والأنبياء وأتباعهم.

وسلب الاجتماع على الهدى لا ينافي اتباع البعض لهذا الهدى، فالاجتماع على الهدى مطلوب شرعًا، وحاصل واقعًا، إلا أن تحقق ذلك بيد الله الهادي سبحانه {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام:35] أي: ولو شاء الله تعالى جمعهم على ما جئت به من الهدى لجمعهم عليه، إما بأن يجعل الإيمان ضروريًا لهم كالملائكة، وإما بأن يخلقهم على استعداد واحد للحق والخير، لا متفاوتي الاستعداد، مختلفي الاختيار باختلاف العلوم والأفكار والأخلاق والعادات؛ ولكنه شاء أن يجعلهم على ما هم عليه من الاختلاف والتفاوت، وما يترتب على ذلك من أسباب الاختيار 65. وقيل: لو شاء الله لجمعهم عليه بأن يأتيَهم بآيةٍ ملجئةٍ إليه، ولكن لم يفعلْه لخروجه عن الحِكْمة 66.

ومن القواسم المشتركة: الكفر، وقد أخبر الله تعالى أن الكفار بعضهم من بعض، فقال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [المائدة:51] .

وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) } [الأنفال:73] .

{بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي: في النصرة والتعاون على قتال المسلمين، فهم في جملتهم فريق واحد تجاه المسلمين، وإن كانوا مللًا كثيرة، يعادي بعضها بعضًا؛ إلا أن بعضهم أعوان بعض وأنصاره، وأحق به من المؤمنين بالله ورسوله، وإنما جعل بعضهم من بعض؛ لأن دينهم واحدٌ، وطريقتهم واحدة.

قال ابن جرير: «قوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} عنى بذلك: أن بعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على جميعهم، وأن النصارى كذلك بعضهم أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم، معرِفًا بذلك عباده المؤمنين أن من كان لهم أو لبعضهم وليًا فإنما هو وليُهُم على من خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما اليهود والنصارى لهم حَرْب، فقال تعالى ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم أولياء بعض، ولليهودي والنصراني حربًا؛ كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض أولياء؛ لأن من والاهم فقد أظهر لأهل الإيمان الحربَ، ومنهم البراءة، وأبان قطع وَلايتهم» 67.

ففي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} هو تقرير لحكم واقع بين الكافرين، وهو أنهم على ولاء فيما بينهم، وأنهم حزب واحد، مجتمع على عداوة المؤمنين، ناصب لحربهم، راصد للفرصة الممكنة له منهم، وليس في هذا الذي يقرره القرآن الكريم دعوة لجماعات الكافرين أن يكونوا على هذا الولاء الذي بينهم، وإنما هو تقرير لأمر واقع، يرى منه المؤمنون كيف يجتمع أهل الضلال على الضلال؟! وكيف يقوم بينهم الولاء والتناصر؟! فأولى للمؤمنين ثم أولى لهم أن يجتمعوا على الإيمان، وأن يتناصروا على الحق والخير 68.

فالكفار -كما نعلم- وكما تحدثنا الآية الكريمة بعضهم أولياء بعض، فإن لم يتجمع المؤمنون ليترابطوا، ويكونوا على قلب رجل واحد، فالكفار يتجمعون بطبيعة كفرهم ومعاداتهم للإسلام، وإن لم يتجمع المسلمون بالترابط، نجد قول الحق تحذيرًا لهم من هذا {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال:73] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت