{هُنَالِكَ} أي: في ذلك الوقت الذي رأى فيه الفاكهة في غير حينها، تعلق رجاؤه بقدرة الله ورحمته ولطفه أن يرزقه الولد في غير حينه، تقر به عينه، وينشرح به صدره {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) } [آل عمران: 39] .
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) } [آل عمران: 42 - 44] .
عودٌ إلى مريم رحمها الله وإلى اصطفاء الله، عز وجل لها، (وإذ) معطوف على {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ} والمعنى: اذكر يا محمد إذ قالت امرأة عمران رحمها الله واذكر أيضا ما قالته الملائكة لمريم رحمها الله من بشارات، ففي هذه القصة عبر وعظات ينبغي أن يتذكرها المؤمن، ويستفيد منها، ويذكر الناس بها.
والاصطفاء: الاختيار والانتقاء والتصفية.
ومعنى اصطفاء الله تعالى مريم رضي الله عنها: جعلها من بيت صالح، وقبلها قبولا حسنًا، وأنبتها نباتًا حسنًا، وجعل زكريا عليه السلام لها كافلًا، وأجرى الكرامة على يديها إكرامًا لها وإحسانًا إليها، وطهرها من كل سوءٍ، طهرها بالإيمان والطاعة والتقى والصلاح، والحياء والعفاف، فهي رضي الله عنها العفيفة الشريفة الحيية النقية الراضية المرضية، واصطفاها تعالى اصطفًاء خاصًّا بأن أكرمها بهذه المعجزة العظيمة والآية العجيبة، حيث وهبها عيسى عليه السلام المخلوق بقدرة الله عز وجل من غير أبٍ ليكون آيةً للعالمين 14.
وطهرك: من الأدناس والأقذار، ونزهك عن الأخلاق الذميمة والطباع الرديئة بالأخلاق الحميدة والصفات الحسنة، {وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} : اصطفاء بعد اصطفاء، والاصطفاء الثاني هو أنه عز وجل أكرمها بهذه المعجزة العظيمة والآية العجيبة، حيث وهبها عيسى عليه السلام المخلوق بقدرة الله عز وجل من غير أبٍ ليكون آية للعالمين 15.
قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50) } [المؤمنون: 50] .
وقيل: إن الاصطفاء الثاني هو عين الأول، وكرر للتأكيد وبيان من اصطفاها عليهن، ذكر ذلك الألوسي، وقال: ولعل الأول أولى؛ لما أنَّ التأسيس خير من التأكيد.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (حسبك من نساء العالمين بأربع: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد) 16.
مقتضيات الاصطفاء: قال تعالى: {يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} .
بعد هذه المنزلة الرفيعة والمكانة العالية التي أكرم المولى عز وجل بها مريم: يأمرها سبحانه - عن طريق خطاب الملائكة الكرام لها - بأن تجتهد في العبادة شكرًا لله عز وجل على هذه النعم والمواهب؛ ومواصلةً للسير في طريق الهدى والصلاح.
قال الرازى: «لما بين تعالى أنها مخصوصة بمزيد المواهب والعطايا من الله تعالى، أوجب عليها مزيدًا من الطاعات شكرًا لتلك النعم السنية» 17.
والقنوت لزوم الطاعة والعبادة والاجتهاد فيها مع الإخلاص والخشوع والخضوع لله رب العالمين 18.
وقال الألوسى: «والتعرض لعنوان الربوبية؛ للإشعار بعلة وجوب الامتثال لأوامره سبحانه» 19.
وتكرير النداء {يَامَرْيَمُ} للتنبيه، والإشارة إلى أهمية ما يرد في ثناياه وفيه تكريم لها.
وقوله تعالى: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} : إن حملنا القنوت على مطلق الطاعة والعبادة، فالسجود والركوع من ذكر الخاص بعد العام لمزيد العناية والاهتمام، وإن حملنا القنوت على القيام، فالركوع والسجود من تتمة الأركان؛ لأن الصلاة قيام وقعود وركوع وسجود، وإن حملنا القنوت على الإخلاص وعلى الخشوع والخضوع، فالركوع والسجود من الأفعال الظاهرة، والإخلاص والخشوع والخضوع من الأفعال الباطنة، ولا تستقيم العبادة إلا بصحة الظاهر وصلاح الباطن.
وفي هذا توجيه لمريم رضي الله عنها أن تجمع بين أفعال القلوب وأفعال الجوارح، حتى يستوي الظاهر بالباطن، ويستقيم الاعتقاد مع القول والعمل.
والآية الكريمة أمر من المولى عز وجل لمريم رضي الله عنها أن تجتهد في العبادة وأن تداوم على الطاعة وتطيل في القنوت، وتكثر السجود وتركع مع الراكعين؛ حتى تزداد قربًا من رب العالمين.
وجاء التعبيربـ {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} ولم يقل مع الراكعات «لأن هذا الجمع أعم، إذ يشمل الرجال والنساء على سبيل التغليب، ولمناسبة رؤوس الآي» 20.
قال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} : ذلك: إشارة إلى ما سبق ذكره من أخبار عن اصطفاء الله للأنبياء وخبر امرأة عمران وابنتها، وخبر زكريا ويحيى عليهما السلام، وغير ذلك من الأخبار التي جاءت بها السورة الكريمة.
إن كثيرًا من الأحداث الهامة في حياة مريم رضي الله عنها لم نعرفها إلا عن طريق القرآن الكريم، من ذلك حديث القرآن عن حمل أمها بها ونذرها للعبادة، و تنافس الأحبار على كفالتها، وكفالة زكريا لها، واصطفاء الله تعالى لها، وغير ذلك من مآثرها التي لم نعرفها إلا عن طريق القرآن، إذ لم يرد لهذه الأحداث ذكر في العهد الجديد.
ولم يرد في «العهد الجديد» أيضًا كلام عيسى عليه السلام وهو في المهد، مع كونه آية عظيمة وحجة ساطعة على براءة مريم رضي الله عنها مما ادعاه اليهود.
بل إن أغلب الذي في العهد الجديد عن مريم فيه تقليل من شأنها وتجاهل لكراماتها، من ذلك على سبيل المثال:
-في إنجيل مرقس إصحاح 3: 31/ 35 ما يفيد تجاهل المسيح لمريم وإخوته وفيه: «وجاء حينئذ إخوته وأمه ووقفوا خارجًا، وأرسلوا إليه يدعونه، وكان الجميع جالسا حوله، فقالوا له: هوذا أمك وإخوتك خارجا يطلبونك؟ فأجابهم قائلا من أمي وإخوتي؟ ثم نظر حوله إلى الجالسين وقال: ها أمي وإخوتي لأن من يصنع مشيئة الله هو أخي وأختي وأمي» 0 وورد في إنجيل لوقا إصحاح 8/ 19، 20 نفس الموقف ويلاحظ من كلمة: من أمى وإخوتى؟ مدى تجاهله لأمه وإخوته وضيقه بهم 0
-في إنجيل مرقس إصحاح 6: 2/ 5: «ولما كان السبت ابتدأ يعلم في المجمع، وكثيرون إذ سمعوا بهتوا قائلين من أين لهذا هذه؟ وما هذه الحكمة التى أعطيت له؟ ... أليس هذا هو النجار ابن مريم وأخو يعقوب ويهوذا وسمعان؟ فكانوا يعثرون به، فقال لهم يسوع: ليس نبى بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفى بيته، ولم يقدر أن يصنع هناك ولا قوة واحدة 0 وفى عرس قانا الجليل كما ورد في إنجيل يوحنا ما يدل على انفعال المسيح على أمه وفيه» . وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك، ودعي أيضا يسوع وتلاميذه إلى العرس، ولمافرغت الخمر قالت أم يسوع له: ليس لهم خمر؟ فقال: لها ما لي ولك يا امرأة؟ لم تأت ساعتى بعد» يوحنا 2: 1/ 5 0 فهل يتفق هذا مع أخلاق النبوة؟ إن كل هذه الأخبار كاذبة خاطئة، والمسيح عليه السلام كان بارًًّا بأمه رفيقًا بها محسنًا إليها.
-قال تعالى مبينًا ما قاله عيسى عليه السلام عن نفسه وهو في المهد.
إن ما ورد في الأناجيل في شأن عيسى عليه السلام وفى شأن مريم متضارب متناقض، بعيد عن الحقيقة، منحرف عن الصواب، حتى شراح الأناجيل قد أصابتهم الحيرة ووقعوا في أخطاء وتناقضات وهم يشرحون الأناجيل، وقصة يوسف النجار قصة متضاربة متناقضة مدسوسة ومكذوبة، وليس له أي صلة بمريم عليها السلام.
جاءت البشارات في سورتين: سورة آل عمران وسورة مريم، جاء الحديث عن البشارة مسهبًا في سورة آل عمران، وجاءت سورة مريم مفصلة لما لابس البشارة وما أعقبها، وفيما يلي أتحدث عن البشارة في السورتين الكريمتين:
أولًا: البشارة في سورة آل عمران:
قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47) } [آل عمران: 45 - 47] .
بعد أن اصطفى الله عز وجل مريم رضي الله عنها، وطهرها وأمرها بالاجتهاد في العبادة والمداومة على الطاعة، وأوصاها بالإخلاص والخشوع والخضوع له سبحانه، تهيأت بذلك مريم رضي الله عنها للمعجزة الكبرى والآية العجاب، وهي حملها بعيسى عليه السلام على خلاف العادة بدون أبٍ.
وكما بشرتها الملائكة بأنها المصطفاة الطاهرة جاءتها بشارة أخرى وهي أن المولى عز وجل اصطفاها لتلك المهمة العظيمة الشأن.
«والمراد بالملائكة هنا جبريل، والجمع لما ذكرنا قبل من التعظيم» 21.
ولا مانع من تكرار البشارة، بشرتها الملائكة أولًا وعلى رأسهم جبريل، ثم تمثل جبريل عليه السلام في صورة بشرية فأعاد بشارتها فأعادت تعجبها؛ زيادة في الاطمئنان واليقين واستفسارًا عن كيفية تحقق هذه البشارة العجيبة.
سمى المسيح كلمة الله لأنه موجود بكلمة كن، وكل ما في الكون موجود بأمر الله وكلمته، وإنما خص بهذا الاسم للتنويه بهذه الآية العجيبة {قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47] .
ذكر ذلك الإمام الألوسى، ورجح أن المسيح سمي بكلمة الله؛ لأنه وجد من غير أبٍ بكلمة كن على خلاف أفراد بنى آدم، فكان تأثير الكلمة في حقه أظهر وأكمل 22.
ومعنى المسيح: المبارك 23.
وقيل: سمي المسيح؛ لأنه كان يمسح على عين الأعمى فيرتد بصيرًا بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله.
وقيل: يعني الصديق.
وقيل: سمي بذلك؛ لأنه ممسوح بالزيت المبارك الذى كانت الأنبياء من قبله تمسح به، وهو زيت طيب الرائحة.
وقيل: المسيح يعني: من مسحه الله؛ أي: خلقه خلقًا حسنًا مباركًا، كما يقولون به مسحة جمال، والمسيخ: من مسخه الله، أي: خلقه في صورة قبيحة وجعله ملعونًا 24.
وقيل: لكثرة سياحته، أي: سيره في الأرض.
وقيل: لأنه كان مسيح القدمين لا أخمص لهما 25.
وقيل: المسيح يعني: المبارك، أو لأنه كان يمسح بيده المباركة على المريض فيشفى بإذن الله تعالى.
وفي قوله تعالى: {عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ} إشارة إلى أن عيسى عليه السلام سيولد من غير أبٍ، لأنه لو ولد من أبٍ لصرح باسمه بدلًا من التصريح باسم أمه.
والوجيه: ذو الجاه والشرف والقدر.
وقيل: الكريم على من يسأله فلا يرد لكرم وجهه عنده، خلاف من يبذل وجهه للمسألة فيرد، ووجاهته في الدنيا بالنبوة والتقدم على الناس، وفي الآخرة بقبول شفاعته وعلو درجته.
وقيل: وجاهته في الدنيا بقبول دعائه بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص.
وقيل: بسبب أنه كان مبرءًا من العيوب التى افتراها اليهود عليه، وفي الآخرة ما تقدم» 26.
وتعرض له اليهود بالأذى والاضطهاد لا ينقص من قدره ولا يقدح في وجاهته ومنزلته، فالأنبياء هم أشرف خلق الله، وأكرمهم وأعزهم، وقد تعرضوا للأذى والتضييق، فلم يزدهم ذلك إلا عزة ورفعة، وكرامة وإباء، وعزيمة ومضاء، وإيمانًا وتسليمًا ويقينًا وتثبيتًا ونصرًا ونجاة.
{وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} عند الله تعالى وعند الناس بالقبول والإجابة، {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} كلامه في المهد حين أنطقه الله عز وجل ببراءة أمه من اتهام اليهود عليهم لعنة الله.
والكهولة في الأربعين. وقيل: ثلاث وثلاثين، والكهل ما اجتمعت قوته وكمل شبابه 27، أما عن كلامه في الكهولة: فقيل: ذكر هنا لتبشير أمه بأنه سيبلغ مبلغ الرجال، وقيل: لبيان فصاحة كلامه وبلاغته في المهد وفى الكهولة على السواء، وقيل: إشارة إلى أنه سيرفع إلى السماء ثم ينزل إلى الأرض في آخر الزمان فيكلم الناس، وقد بلغ سن الكهولة 28.
و قيل: رد على النصارى الذين زعموا أنه إله، والإله لا يمر بهذه التقلبات، ولا ينتقل من حال إلى حال، والمسيح سينتقل من حال الطفولة إلى حال الكهولة، والمتنقل من حال إلى حال حادث ومتغير، والحدوث والتغير يتنافى مع صفة الألوهية، ومن فوائد كلامه في المهد: إثبات براءة أمه، وبيان عبوديته لله ونبوته وبركته وبره بأمه، ونفي كونه جبارًا شقيًّا، فهو برٌّ رحيمٌ رفيقٌ حليم 0
قالت مريم رحمها الله متعجبة من هذه البشارة العجيبة، ومتسائلة عن كيفية وقوعها: {رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ} وجاءها الجواب: {كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} .
قال صاحب الظلال: «وجاءها الجواب، يردها إلى الحقيقة البسيطة التى يغفل عنها البشر لطول ألفتهم للأسباب والمسببات الظاهرة، لعلمهم القليل، ومألوفهم المحدود: {كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} وحين يرد الأمر إلى هذه الحقيقة الأولية يذهب العجب، وتزول الحيرة، ويطمئن القلب، ويعود الإنسان إلى نفسه يسألها في عجب: كيف عجبت من هذا الأمر الفطرى!!
وهكذا القرآن الكريم ينشئ التصور الإسلامى لهذه الحقائق الكبيرة بمثل هذا اليسر الفطري القريب، وهكذا كان يجلو الشبهات التى تعقدها الفلسفات المعقدة، ويقر الأمر في القلوب وفي العقول على السواء» 29.
ثم تمضي الآيات بعد ذلك في سورة آل عمران لتواصل الحديث عن صفات المسيح عليه السلام ونعم الله عليه وتأييده له بالمعجزات التي تدل على نبوته، كما تدل على بشريته، وعن حقيقة رسالته التي جاء بها، ويطوي السياق الحديث عن مريم رحمها الله، وينتقل للحديث عن المسيح ابن مريم وعن موقف الناس من دعوته 0
ثانيًا: البشارة في سورة مريم:
ورد الحديث عن البشارة ومقدماتها، وما تبعها في سورة مريم.
قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) } [مريم: 16 - 21] .
بعد أن تحدث المولى عز وجل عن زكريا عليه السلام وكمال عبوديته لله تعالى، وكيف رزقه الله عز وجل، الولد مع كبر سنه وعقم زوجته، يتحدث المولى عز وجل عن خلقه عيسى بدون أبٍ، فالقصة الأولى بمثابة التمهيد للقصة الثانية، وإذا كان مولد يحيى آيةً عجيبة فإن ولادة عيسى آيةٌ عجاب.
قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) } [مريم: 16 - 17] .
اذكر في القرآن الكريم؛ لأن القصص القرآني هو الزاد الذي يتزود به المؤمن في حياته والنور الذي يضيء له الدروب، ومن ثم فلا بد من دوام التأمل والتدبر في القصص القرآني والاعتبار به، والاقتباس من أنوار الأنبياء والصديقين، وفي ذكر مريم في هذا السجل الخالد تشريف وتكريمٌ لها.
وقوله تعالى: {إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا} اتجهت إلى شرقي بيت المقدس لتعتكف وتخلو للعبادة، ففي الخلوة رياضة للنفس، وسمو بالروح، وشحذ للهمة، وصفاء للقلب، وزيادة قرب من المولى عز وجل.
وإنما جاءها الملك في هذا المكان الطاهر المبارك كما جاء لزكريا عليه السلام وهو قائم يصلى في المحراب، حيث البركات والرحمات والنفحات، {فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا} : أي: جعلت بينها وبينهم سترًا حتى لا يشغلها شيء عن العبادة، وحتى تستأنس بالحق عن الخلق، وينصرف قلبها للعبادة، ولا تختلط بالرجال، {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا} جبريل عليه السلام، وسمي عليه السلام روحًا؛ لأن الدين أساسه الوحي، وهو أمينه، فبالوحي حياة الدين، كما يحيا الجسد بالروح وكما تحيا الأرض بالماء.
والإضافة في {رُوحَنَا} للتشريف والتعظيم، وبيان أن جبريل عليه السلام مرسل من قبل رب العالمين منزلٌ بأمره، {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا} : ظهر لها جبريل عليه السلام في صورة جميلة وهيئة حسنة؛ لكنها بادرت إلى اللجوء والاعتصام بالله تعالى، مخاطبة في هذا الذي قطع عليها خلوتها تقواه، وإنما تمثل لها عليه السلام بهذه الصورة لتستأنس به ولا تنفر منه، ولأنها لا تطيق رؤيته عليه السلام بصورته الطبيعية.
{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا} : استعاذت رضي الله عنها بربها من ذلك الذي قطع عليها خلوتها ودخل بغير إذن، وفي استعاذتها بالله تعالى ما يدل على كمال إيمانها، وورعها وتمام عفافها، وشدة حيائها وحسن أدبها، ولباقتها وسرعة بديهتها، وفي استعاذتها بالرحمن توجهٌ إليه سبحانه أن يرحم ضعفها ويصرف عنها السوء، فقد شملها تعالى برحمته في سائر أحوالها، وهي الآن أحوج إلى أن تداركها رحمة الرحمن، وفي الاستعاذة أيضا استثارة واستنهاض لبواعث الرحمة والتقوى في قلب ذلك القادم، فهو إن كان رحيمًا فسوف يرحم ضعفها ووحدتها، وإن كان تقيًّا فسوف ينصرف عنها ولا يمسها بسوء.
قال أبو العالية: «قد علمت أن التقى ذو نهية 30» 31.
{قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا} : بادر جبريل عليه السلام إلى إزالة خوفها، ووضح لها أنه ملكٌ من ملائكة الرحمن، جاء بأمر من عنده سبحانه ليهب لها غلاما زكيًّا، أي غلامًا طاهرًا مباركًا «وعبر باسم الرب المتقضي للإحسان لطفًا بها، ولأن هذه السورة مصدرة بالرحمة، ومن أعظم مقاصدها تعداد النعم على خلص عباده» 32.
{قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا} : علمت وأيقنت أن هذه البشارة صادقة، وأن الذي بين يديها ملكٌ مرسل من عند الله، ولكنها تعجبت وتساءلت عن كيفية تحقق هذه البشارة العجيبة؛ لأن العادة أن الولادة لا تكون إلا عن حملٍ، وهي رضي الله عنها لم يمسسها بشرٌ بزواج، وحاشاها أن تكون بغيا.
{قَالَ كَذَلِكِ} : أي الأمر كما تقولين من أنك غير متزوجة ولست بغية، {قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} فالمولى عز وجل هو القادر، وقدرته مطلقة وإرادته نافذة، لا يحدها حدود ولا تقيدها قيود، ومن خلق آدم من غير أم ولا أب وخلق حواء من آدم: قادر على خلق عيسى من أم دون أب.
{وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ} دلالة وعلامة وحجة وبرهان على قدرة الله عز وجل كما قال تعالى {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون: 50] .