أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: « (دهن) الدال والهاء والنون أصلٌ واحدٌ يدل على لينٍ وسهولةٍ وقلةٍ، من ذلك الدهن. ويقال: دهنته دهنًا. والدهان: ما يدهن به. قال الله عز وجل: {فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) } [الرحمن: 37] . قالوا: هو دردي الزيت. ومن الباب الإدهان، من المداهنة، وهي: المصانعة. وتقول: داهنت الرجل، إذا داريته وأظهرت له خلاف ما تضمر له، وهو من الباب، كأنه إذا فعل ذلك فهو يدهنه ويسكن منه» 1.
ويمكن إلحاق المداهنة والإدهان بأصل الباب الذي يدل على اللين والسهولة والقلة؛ لأن المداهِن إنما هو في الحقيقة وفي موقفه هذا يواجه صعوبة وصلابة في التعامل مع المداهَن مما يضطره إلى سلوك اللين والسهولة في الكلام معه، حتى يتقي شر من يداهنه، أو تحقيقًا لمصلحة له عنده، والله أعلم.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: «المداهنة هي أن ترى منكرًا وتقدر على دفعه ولم تدفعه حفظًا لجانب مرتكبه أو جانب غيره أو لقلة مبالاةٍ في الدين» 2.
ويقول القرطبي: «هي معايشة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكارٍ عليه، مع القدرة» 3.
ويقول القاضي عياض: «المداهنة: إنما هي إعطاءٌ بالدين ومصانعةٌ بالكذب، والتزيين للقبيح، وتحويب الباطل للوصول إلى أسباب الدنيا وصلاحها» 4.
وردت مادة (دهن) في القرآن الكريم (5) مرات 5.
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 2 ... {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) } [القلم:9]
الاسم ... 1 ... {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) } [الواقعة:81]
وجاءت المداهنة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: المصانعة والمداراة والملاينة 6.
التقية:
التقية لغة:
مصدر تقى. والتقية: الخشية والخوف. وتقية: مصدر اتقى، يتقي، اتقاءً وتقاةً وتقيةً، فهو متقٍ، والمفعول متقًى. واتقى الله: صار تقيًا وخاف منه فتجنب ما نهى عنه وامتثل لأوامره. واتقى الشيء بكذا: حذره وتجنبه. وكان يتقي شره: يتجنب شره، يحذره. واتقى بالشيء: جعله وقاية له وحماية من شيءٍ آخر. والجمع: تقيون و أتقياء. والتقي: من يتقي الله تعالى، و يخاف منه ويمتثل لأوامره والجمع: أتقياء 7.
التقية اصطلاحًا:
هي تجنب العدو بإظهار ما يوافقه مع إضمار ما يخالفه من عقيدة ونحوها، وهو واجب في موارد محددة 8.
وعرفها السرخسي بقوله: «التقية أن يقي الإنسان نفسه بما يظهره وإن كان يضمر خلافه» 9.
وعرفها ابن حجر بقوله: «التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقدٍ وغيره للغير» 10.
والتعريف الأول أشمل؛ لأنه يدخل فيه التقية بالفعل إضافة إلى التقية بالقول والتقية في العمل كما هي في الاعتقاد.
الصلة بين التقية والمداهنة:
التقية لا تحل إلا لدفع الضرر، أما المداهنة فلا تحل أصلًا، لأنها اللين في الدين وهو ممنوع شرعًا 11.
والتقية يصاحبها العجز وعدم القدرة على دفع المنكر، من ثم كانت حلالًا. بينما المداهنة تحصل مع القدرة على إنكاره ومن ثم كانت حرامًا.
المداراة:
المداراة لغة:
يقول ابن فارس: «الدال والراء والحرف المعتل (الياء) أصلان: أحدهما: قصد الشيء واعتماده طلبًا، والآخر حدةٌ تكون في الشيء» 12.
قال ابن منظور: «والمداراة في حسن الخلق والمعاشرة مع الناس يكون مهموزًا وغير مهموز، فمن همزه كان معناه الاتقاء لشره، ومن لم يهمزه جعله من داريت الظبي أي: احتلت له، وختلته حتى أصيده» 13.
المدارة اصطلاحًا:
قال الحافظ ابن حجر: المداراة: هو بغير همزٍ بمعنى: المجاملة و الملاينة، وأما بالهمز فمعناه المدافعة 14.
والمقصود من المداراة: ملاينة الناس ومعاشرتهم بالحسنى من غير ثلم في الدين من أي جهة من الجهات 15.
الصلة بين المداراة والمداهنة:
يوضح القرطبي محل الفرق بين المداهنة والمداراة بقوله: «والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، وهي مباحة ومستحسنة في بعض الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة: هي بذل الدين لصالح الدنيا» 16.
ظهر لنا فيما سبق أن مصطلح المداهنة يجوز التعبير عنه لغةً بألفاظٍ مرادفةٍ له كالمداراة والمجاملة والتقية .. ونحوها.
ومن هنا درج على ألسنة بعض علماء الإسلام المشهورين استعمال لفظة المداهنة موصوفةً بالحمد وبالذم.
ومنهم الإمام القرافي صاحب أنوار البروق في أنواع الفروق: حيث وضع فيه ترجمةً بعنوان: «الفرق الرابع والستون والمائتان بين قاعدة المداهنة المحرمة وبين قاعدة المداهنة التي لا تحرم، وقد تجب» 17.
ومن منظور آخر نجد القران الكريم قد حكى مصطلح المداهنة مذمومًا مطلقًا بينما حكايته عن مفهوم المداهنة جاءت على معانٍ أوسع ودلالاتٍ أبعد من حكايته له كمصطلح، ومن ثم جاء بعضها محمودًا كالتقية، والإكراه مثلًا، وبعضها الآخر مذمومًا كالركون إلى الكفارونحوه.
ويمكن تقسيم المداهنة إلى نوعين:
أولًا: المداهنة المشروعة:
ونقصد بالمداهنة المشروعة هنا المداراة التي هي محل اتفاق بين العلماء على جوازها. والأدلة على مشروعيتها في القران الكريم كثيرة.
قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) } [البقرة: 83] .
فقوله تعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} جاءت في سياق ما أمر الله به في كل شريعة من الشرائع، من عبادته سبحانه وحده، والإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى والمساكين. وختمت الآية بالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. «وهذه الشرائع من أصول الدين التي أمر الله بها في كل شريعة لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان ومكان فلا يدخلها نسخ، كأصل الدين، ولهذا أمرنا الله بها في قوله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} 18.
ويقول القرطبي في تفسيره: «ينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر، والسيء والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه» 19.
والقول الحسن؛ أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة، وغير ذلك من كل كلام طيب. ولذلك فإن من أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله غير فاحشٍ ولا بذيء ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق واسع الحلم مجاملًا لكل أحد، صبورًا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالًا لأمر ربه ورجاء ثوابه ومغفرته 20.
وعن عطاء قال: قوله عز وجل: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} أي: الناس كلهم؛ المشرك وغيره. وعن هشام بن عروة قال: عطس نصراني طبيب عند أبي، فقال له: رحمك الله. فقيل له: إنه نصراني، قال أبي: رحمة الله على العالمين 21.
ولقد اختلف العلماء في وجوب القول الحسن. هل هو مع المؤمنين، أو مع الكفار والفساق؟ وهل هو خاص في الدعوة إلى الله، أو أنه يشمل الناس جميعا، فبقي على عمومه ولا يحتاج إلى التخصيص؟ والصواب أنه باقٍ على ظاهره ولا حاجة إلى التخصيص. والدليل عليه، أن موسى وهارون - عليهما السلام - مع جلال منصبيهما أمرا بالرفق واللين مع فرعون. وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم مأمور بالرفق وترك الغلظة.
يقول تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] .
ويقول تعالى أيضًا: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] . 22.
وقال أهل التحقيق: كلام الناس مع الناس إما أن يكون في الأمور الدينية، أو في الأمور الدنيوية، فإن كان في الأمور الدينية، فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان، وهو مع الكفار، أوفي الدعوة إلى الطاعة وهو مع الفاسق. والدعوة إلى الإيمان لابد وأن تكون بالقول الحسن، كما قال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام في دعوتهما لفرعون {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا} [طه: 44] .
مع نهاية كفر فرعون وتمرده وعتوه على الله سبحانه، وكذلك دعوة الفساق فالقول الحسن فيها معتبر كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} الآية.
وأما في الأمور الدنيوية؛ فمن المعلوم بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض بالتلطف من القول الحسن لم يحسن سواه. فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله سبحانه وتعالى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} 23.
وقال تعالى في قصة ابراهيم عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) } [الأنعام: 74] .
وإبراهيم عليه السلام كان من أكثر المناوئين له أبوه وقومه عند دعوته لهم إلى عبادة الله وحده لا يشركون به شيئًا، وقد لاقى في ذلك عنتًا شديدًا، وحرجًا بليغًا لوقوف أبيه مع المشركين ضد دعوته، حتى قال له أبوه يومًا: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) } [مريم: 46] .
فاستوحش إبراهيم عليه السلام من موقف أبيه آزر، ولكنه أبقى على شيء من البر له عندما {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) } [مريم: 47] .
غير أن هذا الموقف اللين لم يغير شيئًا من موقف أبيه واستمر في عدائه لدعوته. عندها خشي عليه السلام أن ينقلب موقفه من أبيه وقومه من مفهوم المداراة إلى مفهوم المداهنة.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114) } [التوبة: 114] .
تبين له من جهة الوحي أن أباه لن يؤمن، وأنه يموت كافرًا. فانقطع رجاؤه عنه، فقطع استغفاره له. وهكذا يجب أن يكون موقف الداعية المؤمن من المناوئين لدعوته، صبرًا على الأذى، ولينًا في الخطاب، ووضوحًا في البيان، والتذكير، والوعد، والوعيد. حتى إذا سدت المنافذ في وجهه، واستحكم الهوى على عقل عدوه، وأظهر مقاومة شرسة، تركه وما أراد، فقد أعذر إلى الله، وبرئت ذمته، وأقام الحجة على عدوه. 24
وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) } [الأعراف: 199] .
أمر الله سبحانه نبيه بمكارم الأخلاق. فأمر أمته بنحو ما أمره الله به. ومحصلها، الأمر بحسن المعاشرة مع الناس، وبذل الجهد في الإحسان إليهم، والإغضاء عنهم. عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: لما نزلت: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} الآية ما نزلت إلا في أخلاق الناس، وعنه أيضًا «قال: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق الناس» 25.
فهذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس، هو ما سمحت به نفوسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق فلا يكلفوا بما لا تسمح به طبائعهم، أو الشاق من الأخلاق، بل يشكر من كل أحد ما قابله به، من قول وفعل جميل، أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن ضعفهم، ونقصهم وأخطائهم، فلا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال، وتنشرح له صدورهم 26.
وفيها دلالة واضحة أيضًا على المداراة وهو قوله سبحانه: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} أي: بكل قول حسن وفعل جميل، وخلق كامل للقريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس منك؛ إما تعليم علم، أو حثًا على خير من صلة رحم، أو بر والدين، أو إصلاح بين الناس، أو نصيحة نافعة، أو زجر عن قبيح ومنكر، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية 27.
وقال تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) } [آل عمران: 159] .
والذي يفهم من هذا الخطاب الكريم، أن الأخلاق الحسنة من الرئيس في الدين، تجذب الناس إلى دين الله، وترغبهم فيه، مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص، والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر الناس عن الدين، وتبغضهم فيه، مع ما لصاحبها من الذم والعقاب. فإذا كان هذا الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أليس من الواجب علينا الاقتداء بأخلاقه الكريمة، ومعاملة الناس بما يعاملهم به من اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالًا لأمر الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله 28.
وقال تعالى في قصة يوسف عليه السلام: {قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77) } [يوسف: 77] .
وموقف يوسف عليه السلام مع إخوته الذين اتهموه بالسرقة واتهموا شقيقه في قولهم: {إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ} كان موقفًا حكيمًا، يتسم صاحبه ببعد النظر وقوة الإرادة من التحكم في النفس ورغباتها، عند أصعب ساعات الإثارة والطغيان. فهو أمام تهمة خطيرة، مخلة بالشرف، ومخالفة للمروءة، ومن أقرب الناس إليه، وكان يستطيع أن ينتقم لنفسه منهم، وأن يوقع بهم أشد العقوبة لمكانته الاجتماعية المتميزة عند ملك مصر، وقبل ذلك ما فعلوا به من إلقائه في الجب، وحرمانه من أبويه، وتصييره رقيقًا، فقد سنحت الفرصة، وقد أصبح وزيرًا للملك، وبيده خزائن الأرض، وجاءه إخوته مع من جاء من الفقراء المعوزين يطلبونه رزقًا بعد أن مسهم وأهلهم الضر.
ولكنه كان نبيًا كريمًا، حكيمًا {فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ} . فقد كان عليه السلام واثقًا من ربه، ومتحصنًا بإيمانه، فلو أخذته العزة بالإثم لأمر من يفتك بهم، أو أن يطردهم شر طردة، وكان محقًا. ولكنه أدرك عليه السلام بأن فقدهم سيزيد من ألم أبيه وحزنه، وأساه. وأدرك أيضًا أن للشيطان دورًا فيما وقع بينه وبين إخوته، فلا ينبغي أن يكون عونًا له على ما أراد.
فكظم غيظه، وعفا عنهم، بعد أن عرفهم بخطئهم، وأبر بوالديه، وجمع شمل أسرته. وما كان ذلك ليتحقق لولا مشيئة الله، ثم الصبر والملاينة، وشيء من الحيلة، والحنكة، والختل. فقد كان عليه السلام لطيف الحيلة فتوصل إلى بغيته بالرفق، والسهولة 29.
ويقول تعالى في سورة التوبة مخاطبًا رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم كيف يكون تعامله مع أصحابه ليطمئنوا إليه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) } [التوبة: 103] .
أي: أدخل السرور على قلوب المؤمنين بالكلام الطيب اللين، والدعاء لهم ونحو ذلك مما يكون فيه طمأنينتهم وسكون قلوبهم 30.
ويقول تعالى لموسى وأخيه هارون عليهما السلام عند ذهابهما لدعوة فرعون: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) } [طه: 43 - 44] .
وهاتان الآيتان فيهما دلالة واضحة على معنى المداراة وهي: القول اللين اللطيف الذي لا خشونة فيه ولا غلظة،» لأن تليين القول مما يكسر سورة عناد العتاة ويلين قسوة الطغاة» 31.
«والقول اللين داعٍ لذلك، والقول الغليظ منفرٌ عن صاحبه» 32.
والقول اللين: لا يثير العزة بالإثم، ولا يهيج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة، ومن شأنه أن يوقف القلب فيتذكر ويخشى عاقبة الطغيان 33.
فيكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) } [النحل: 125] 34.
ويقول تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46] .
في هذه الآية أمر الله المؤمنين بمجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن أي: بحسن خلق، ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد على الباطل، والتنفير منه وتقبيحه أو بأي طريق رجاء إجابتهم، واستمالة لقلوبهم، لا على طريق الإغلاظ والمخاشنة كالقدح في شيء من الكتب الإلهية، أو بأحد من الرسل، بل يقارعهم الحجة بالحجة والدليل بالدليل، ليلزمهم الإقرار بالقرآن وبالرسول، وبما يدعو إليه من الإيمان بهذا الدين 35.
ويقول تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) } [فصلت: 34] .
ومن المداراة، عدم مقابلة المسيء بجنس عمله. فإذا أراد إزالة عداوته، لا بد من الإحسان إليه مع الصبر على ما يكره. ومما جاء في تفسيرها: أي لا يستوي فعل الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى، ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى الخلق ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها ولا في وضعها، ولا في جزائها. ثم أمر بإحسان خاص، له موقع كبير. وهو الإحسان إلى من أساء إليك فقال: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فإذا أساء إليك مسيءٌ من الخلق، خصوصًا من له حق كبير عليك كالأقارب، والأصحاب ونحوهم، إساءةً بالقول أو بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك فصله، وإن ظلمك فاعف عنه، وإن تكلم فيك غائبًا أو حاضرًا فلا تقابله، بل اعف عنه، وعامله بالقول اللين.
وإن هجرك وترك خطابك فطيب له الكلام، وابذل له السلام. فإذا قابلت الإساءة بالإحسان حصل فائدة عظيمة وخير عميم، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم 36.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال في قوله تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} الآية، الرجل يشتمه أخوه، فيقول، إن كنت صادقًا فغفر الله لي. وإن كنت كاذبًا فغفر الله لك.
وكان بكر رضي الله عنه يقول: ما عليك أن تنزل الناس منزلة أهل البيت، فتنزل من كان أكبر منك منزلة أبيك، وتنزل من كان منهم قرينك منزلة أخيك، وتنزل من كان أصغر منك منزلة ولدك فأي هؤلاء تحب أن يهتك ستره؟ 37.
أما عن كونها سنةً عامةً مندوبًا إليها فسيظهر من خلال الأحاديث النبوية الشريفة التي تحث المسلم على فعلها. ومنها ما يلي:
فعن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن جده قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (على كل مسلم صدقة، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قالوا: فإن لم يستطع، أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فليأمر بالخير. أو قال بالمعروف. قالوا: فإن لم يفعل؟ قال: فليمسك عن الشر. فإنه له صدقة) 38.