فهرس الكتاب

الصفحة 971 من 2431

وقدم سليمان في الذكر على داود لتوفر علمه، وتأخر ذكر داود لتشريفه بذكر كتابه، وإبرازه في جملة مستقلة له بالذكر ولكتابه، فما فاته من التقديم اللفظي حصل به التضعيف من التشريف المعنوي 91.

وهذه الآية استفاد منها بعض المفسرين أنّ تخصيص سليمان عليه السلام بالتفهيم دليل على أنه لم يفهّم داود ذلك، ويدل على ذلك وجوه:

أولها: أن إشراكه عزّ وجلّ إياهما جميعًا في الحكم والعلم وغيره؛ حيث قال: (? ? ? ?) ، وقال: (ہ ھ ھ ھھ) ، ذكر ما كانا مشتركين فيه، وخص سليمان بالتفهيم؛ فدل التخصيص بالشيء أحدهما والإشراك في الآخر على أنه كان مخصوصًا به دون الآخر.

والثاني: أن هذه الأنباء إنما ذكرت لنا لنستفيد بها علمًا لم يكن، فلو لم يكن سليمان مخصوصًا بالفهم دون داود، لكان لا يفيدنا سوى الحكم والعلم، وكنا نعلم أنهما قد أوتيا حكمًا وعلمًا، وكانا يحكمان بالعلم، فإذا كان كذلك، فدل التخصيص بالتفهيم لأحدهما على أن الآخر لم يكن مفهما ذلك، واللّه أعلم.

والثالث: فيه دلالة: أن المجتهد إذا حكم وأصاب الحكم أنه إنما أصاب بتفهيم الله إياه وبتوفيقه؛ حيث أخبر أنه قد آتاهما جميعًا العلم، ثم خص سليمان بالتفهيم، والتفهيم هو فعل اللّه؛ حيث أضاف ذلك إلى نفسه 92.

••واقعة التثبت في قبول الأخبار:

وذلك في قوله تعالى (ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [النمل:27] .

والآية فيها دليل على أن الإمام يجب عليه قبول عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم؛ لأن سليمان عليه السلام لم يعاقب الهدهد حين اعتذر إليه، وإنما صار صدق الهدهد عذرًا؛ لأنه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام حبب إليه الجهاد، وقد قبل عمر رضي الله عنه عذر النعمان بن عدي ولم يعاقبه، ولكن للإمام أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام الشريعة 93.

واقعة إرسال الكتاب إلى ملكة سبأ، وذلك في قول الله تعالى: (ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?) [نمل:28] .

ففي الآية أمر للهدهد بالتولي حسن أدب ليتنحى حسب ما يتأدب به مع الملوك، بمعنى: وكن قريبًا حتى ترى مراجعتهم. وقال ابن زيد: أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه؛ أي: ألقه وارجع. (? ? ?) [النمل:28] 94.

••واقعة الإتيان بعرش ملكة سبأ وتغيير معالمه، واستعراض عظمة الملك أمامها لاختبارها:

وذلك في قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النمل:41] .

وقوله بعد ذلك بآياتين: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النمل:44] .

وهذا دليل على إرادة نبي الله سليمان عليه السلام إبراز نعمة الله تعالى عليه، وإتيانه من القدرة والملك ما يأتي به بعرشها في لمح البصر، ثم تنكيره لها بهذه الصورة لينظر هل تقبل دعوة الهدى أم تعاند؟، ولقد كانت الأولى حيث هداها الله تعالى للإيمان.

5.حكمة نبي الله يوسف عليه السلام.

ذكر الله تعالى نعمته على نبيه يوسف عليه السلام وهي إيتاء العلم والحكمة وهو في مقتبل عمره، فقال جل شأنه: (? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف:22] .

فقد فسر الحكم هنا بالحكمة، قال الزجاج: (? ? ) أي جعلناه حكيمًا عالمًا، وليس كل عالمٍ حكيمًا، الحكيم العالم المستعمل علمه، الممتنع من استعمال ما يجهّل فيه» 95.

وفسر مجاهد وغيره حكمة سيدنا يوسف عليه السلام بأنها العلم والفهم أو العقل والعلم، وذلك قبل أن ينعم الله تعالى عليه بالنبوة 96.

وفسرها عبد الرحمن بن زيد بأنها تأويل الكلام، العلم والحلم، على ما هو معروف من السورة من أن يوسف عليه السلام كان أعبر الناس 97.

ويمكن إبراز بعض جوانب حكمة سيدنا يوسف عليه السلام في العناصر الآتية:

••حكمته عليه السلام في امتناعه عن المعصية وعدم استجابته لامرأة العزيز، خوفًا من الله تعالى، وحفظًا لنعمة التربية التي رباها إياه عزيز مصر.

قال تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ?ٹ ٹ ٹ ٹ ? ?) [يوسف: 23] .

وهذا من تمام عصمته، وكمال حكمته عليه السلام، فقد ترك المعصية خوفًا من الله تعالى، ثم صيانة للمعروف الذي أسداه إليه العزيز.

••حكمته عليه السلام في اختيار بلية السجن على بلية الاستجابة لكيد النساء، لما في الاستجابة لهن من الوقوع في الفحشاء ومعصية الله تعالى.

قال تعالى: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 33] .

وهذا من صعب الابتلاء الذي وقع فيه سيدنا يوسف عليه السلام، كما يفيده كلام الماوردي: «الاختبار مقرون بالاختيار، ولو تمنّي العافية بدل ما كان يدعى إليه لعلّه كان يعافى، ولكنه لما قال: (ژ ڑ ڑ ک ک کک) طولب بصدق ما قال، ويقال: إن يوسف عليه السلام نطق من عين التوحيد حيث قال: (گ گ گ گ ? ? ) ) فقد علم أن نجاته في أن يصرف سبحانه البلاء عنه لا بتكلّفه ولا بتجنبه» 98.

••حكمته عليه السلام في دعوة رفقائه في السجن إلى الله تعالى برفق ولين، واختيار الوقت المناسب لدعوتهم حين عرضوا عليه الرؤيا، وذلك في الآيات (37 - 40) .

ومن ذلك ما جاء في قول الله تعالى (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک کگ گ گ گ ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 39 - 40] .

وهنا مواعظ وعبر في دعوة سيدنا يوسف عليه السلام استفاد منها الدعاة من بعده، فالداعية الحكيم هو من ينتهز الفرصة السانحة لنشر دعوته، ويتفهم حال المدعوين ومدى تأهلهم لاستقبال دعوته، ويحتج عليهم بالبراهين الساطعة، وهذا باب واسع معروف في منهج الدعوة إلى الله تعالى.

••حكمته عليه السلام في عدم استعجال الخروج من السجن حين جاءه رسول الملك حتى يستبين وجه الحق وتظهر براءته.

قال تعالى: (ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [يوسف: 50] .

ولقد كان عدم استعجال سيدنا يوسف عليه السلام من العجائب، ولكنه عاد عليه بالخير العاجل، وهذا عكس ما حصل في طلب الإمارة، فإن كثيرًا من المفسرين ذكر أنه لما لم يتعجل في الخروج من السجن، آتاه العفو سريعًا، ولما طلب الإمارة -مع كونه أهلًا لها، فإنها تأخرت فترة، وكله بقدر الله تعالى الذي يدبر كل أمر، وقيل: إن سبب التأخير أنه لم يقل: إن شاء الله 99.

وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم اللّه أخي يوسف، لو لبثتُ في السّجن، ثمّ جاءني الدّاعي لأسرعت) 100.

قال ابن عادل الدمشقي نقلًا عن ابن الخطيب: «وهذا من العجائب؛ لأنه لما تأبّى عن الخروج من السّجن، سهّل الله عليه ذلك على أحسن الوجوه، ولما سارع في ذكر هذا الالتماس، أخّر الله ذلك المطلوب عنه، وهذا يدلّ على أنّ ترك التّصرف والتفويض إلى الله تعالى أولى» 101.

••حكمته عليه السلام في تأويل رؤيا الملك، وتدبير أمور مصر في سني المجاعة على غرار تأويله.

قال تعالى: (ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ) [يوسف: 46 - 49] .

••حكمته عليه السلام في طلب الإمارة حيث لم يكن بمصر حينئذ من هو أهل لها.

قال تعالى: (? ? ? ? چ چ چ چ) [يوسف: 55] .

وفي هذا دليل على جواز أن يخطب الإنسان عملًا يكون له أهلًا وهو بحقوقه وشروطه قائم 102.

ولا يخالف هذا ما ورد في حديث عبد الرحمن بن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا عبد الرّحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنّك إن أوتيتها عن مسألةٍ وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألةٍ أعنت عليها، وإذا حلفت على يمينٍ، فرأيت غيرها خيرًا منها، فكفّر عن يمينك وأت الّذي هو خيرٌ) 103.

لأن سؤال سيدنا يوسف للإمارة أجاب عنه العلماء بأجوبة ذكرها الإمام القرطبي:

منها: أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم، فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره.

ومنها: أنه لم يقل: إني حسيب كريم، ولا قال: إني جميل مليح، إنما قال (چ چ چ) فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال على الرغم من توفر الحسب والنسب والجمال فيه.

ومنها: أنه إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [النجم: 32] .

ومنها: أنه رأى ذلك فرضًا متعينًا عليه، لأنه لم يكن هنالك غيره 104.

والولاية لا تذم إذا كان المتولي لها يقوم بما يقدر عليه من إقامة الشرع، وإيصال الحقوق إلى أهلها، وأنه لا بأس بطلبها إذا كان أهلًا، وأعظم كفاءة من غيره، وإنما المذموم إذا لم يكن فيه كفاءة، أو كان موجودًا من هو أمثل منه أو مثله، أو لم يرد بها إقامة أمر الله، بل أراد الترؤس والمأكلة المالية 105.

ومن لطائف الآية ما يأتي:

••ما ذكره ابن عطية أن يوسف عليه السلام -بحكمته -قد فهم من الملك أنه عزم على تصريفه والاستعانة بنظره في الملك، فألقى يده في الفصل الذي تمكنه فيه المعدلة ويترتب له الإحسان إلى من يجب ووضع الحق على أهله وعند أهله 106.

••ما ذكره البيضاوي أن فيها دليل على جواز طلب التولية وإظهار أنه مستعد لها والتولي من يد الكافر إذا علم أنه لا سبيل إلى إقامة الحق وسياسة الخلق إلا بالاستظهار به 107.

••أن وصف سيدنا يوسف نفسه بأنه (حفيظ عليم) فيه معان عدة ذكرها المفسرون؛ منها: أنه حفيظ بتقدير أمور الخزائن أو البلاد، عليمٌ بساعة الجوع حين يقع، ومنها: أنه يقصد حفيظ لما وليتني عليم بجميع ألسن الغرباء الّذين يأتونك، ومنها: أن المعنى حافظ لما استودعتني، عالم بما وليتني، ومنها أنه حافظ للأنساب عالم بالألسن، أي: اللغات 108.

••أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من الصفات الكاملة، من العلم وغيره، إذا كان في ذلك مصلحة وسلم من الكذب، ولم يقصد به الرياء، لقول يوسف عليه السلام هذا 109.

••حكمته عليه السلام في حواره مع إخوته وهو يذكرهم بما فعلوه معه تلميحًا لا تصريحًا.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑڑ ک ک ک ک گگ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ?) [يوسف: 89 - 90] .

••حكمته عليه السلام في تدبير حيلة استبقاء أخيه معه، وهي الواردة في قصة الصاع وإخفائه في الطعام، وما تلى ذلك من أحداث، وذلك في الآيات (من 70 - 80) .

6.حكمة نبي الله لوط عليه السلام.

(? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ?) [الأنبياء: 74] .

حيث فسر البعض الحكم هنا بالحكمة والعلم بالله تعالى 110.

7.حكمة نبي الله عيسى عليه السلام.

وذلك في قول الله تعالى: (? ? ? ? ?) [آل عمران:48] .

وقوله جل شأنه: (? چ چ چ چ) [المائدة:110] .

والحكمة هنا فسرت بأنها «تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق؛ لأن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به، ومجموعهما هو المسمى بالحكمة» 111.

8.حكمة نبي الله يحيى عليه السلام.

وذلك في قول الله تعالى: (? ? ? پ پ پ) [مريم: 12] .

فقد فسر مقاتل ومعمر بن راشد وأبو العالية وغيرهم الحكمة هنا بأنها العلم والفهم، حيث أعطي الفهم لكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال، حتى روي أنه أوتي الحكمة وهو ابن ثلاث سنين، وكان لا يلعب مع الصبيان، ويقول: ما للعب خلقنا 112.

9.حكمة عشرة من الأنبياء ورد ذكرهم إجمالًا.

وهذا ما جاء في آية (وتلك حجتنا) وما تلاها في سورة الأنعام حيث ذكر الله تعالى عشرة من الأنبياء هم: نوح وإسحاق ويعقوب وأيوب وهارون وزكريا وإلياس وإسماعيل واليسع ويونس.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ےے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام:83 - 89] .

حيث ذكر من تفسيرات الحكم هنا أنها «العلم والفقه والفهم» 113.

10.حكمة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وهذا جاء منصوصًا عليه في دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام، واستجابة الله تعالى لهذه الدعوة وامتنانه على الناس بإرسال خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ?) [البقرة: 129] .

فكانت الاستجابة من الله تعالى لدعوة خليله إبراهيم عليه السلام بأن أرسل نبيه محمد صلى الله عليه وسلم خاتمًا للإنبياء والمرسلين، وآتاه ما لم يؤت أحد من الأنبياء قبله، وبين فضل نبوته على الناس، فقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 151] .

وفي قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [آل عمران: 164] 114.

قال ابن وهب: قلت لمالك: ما الحكمة؟ قال: المعرفة بالدين، والفقه في الدين، والاتباع له 115.

وقال ابن زيد: الحكمة: الدين الذي لا يعرفونه إلا به صلى الله عليه وسلم، يعلمهم إياها، والحكمة: العقل في الدين، والحكمة: شيء يجعله الله في القلب، ينور له به 116.

ثانيًا: الصالحون والحكمة:

أنعم الله تعالى على بعض عباده الصالحين بالحكمة، ويعد لقمان عليه السلام أشهر حكيم عبر تاريخ البشرية، حيث نص القرآن الكريم صراحة على إتيان الله تعالى الحكمة له كنعمة من النعم التي يؤتيها الله تعالى من يشاء من عباده، فقال جل شأنه: (? ? ? ? ? پ پپ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [لقمان:12] .

والحكمة الواردة في الآية جاء في تفسيرها عن مجاهد وقتادة وغيرهما أنها «الفقه والعقل والإصابة في القول في غير نبوّةٍ» 117.

ولا مجال للحديث هنا عن صفة لقمان عليه السلام ونسبه والزمن الذي عاش فيه، فالذي يعنينا هنا حكمته التي صرح بها القرآن الكريم والتي تعددت جوانبها على حد قول بعض المفسرين: «وحكمة لقمان مأثورة في أقواله الناطقة عن حقائق الأحوال والمقربة للخفيات بأحسن الأمثال، وقد عني بها أهل التربية وأهل الخير، وذكر القرآن منها ما في هذه السورة، وذكر منها مالك في «الموطأ» بلاغين في كتاب «الجامع» وذكر حكمة له في كتاب «جامع العتبية» وذكر منها أحمد بن حنبل في «مسنده» ولا نعرف كتابًا جمع حكمة لقمان» 118.

وقد وردت آثار كثيرة عن حكمة لقمان وصفتها وكيف استعملها، وطائفة منها أقوالًا وأفعالًا، ما لا يتسع المقام هنا لذكره تفصيلًا، ويكفي إيراد بعضه.

فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه ذكر لقمان الحكيم فقال: «ما أوتي ما أوتي عن أهل، ولا مال، ولا حسب ولا خصال، ولكنه كان رجلًا صمصامة 119 سكيتًا، طويل التفكير عميق النظر، لم ينم نهارًا قط ولم يره أحد يبزق ولا يتنحنح ولا يبول ولا يتغوط ولا يغتسل ولا يعبث ولا يضحك، كان لا يعيد منطقًا نطقه إلا أن يقول حكمة يستعيدها إياه وكان قد تزوج وولد له أولاد فماتوا فلم يبك عليهم، وكان يغشى السلطان ويأتي الحكماء لينظر ويتفكر ويعتبر، فبذلك أوتي ما أوتي» 120.

وهل حكمة لقمان فطرية أم مكتسبة؟

الذي نص عليه القرآن الكريم أن حكمة لقمان عليه السلام هي نعمة أنعم الله تعالى عليه بها، ولكن هذا لا يمنع أن من تمام نعمة الله تعالى عليه أن يوفقه لاكتساب شيء من الحكمة من خلال التجارب والأحوال، والتمسك بالطاعات والبعد عن المعاصي، ويكون هذا من إيتاء الحكمة بإيتاء أسباب نيلها.

يؤيد هذا ما روي أن لقمان عليه السلام قيل له: «بم نلت هذه الحكم، وقد كنت راعيًا؟ فقال: بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني» 121.

وروي أيضًا عنه قوله: «إنّي تعلّمت الحكمة من الحمقى، والأدب ممّن ليس له أدبٌ فإنّي كلّما رأيت منهم فعلًا مخالفًا لطبعي وقبيحًا في منظري تعوّدت المخالفة» 122.

وحكي عنه أنّه قال: إنّي تعلّمت الحكمة من العميان، فإنّهم لا يضعون أقدامهم قبل الفحص، فإنّ وجدوا فيه تمكينًا يضعون ويمشون، وإلّا فيتركون ويطلبون جهةً أخرى فيها تمكينٌ؛ فلذا لا أفعل شيئًا بلا تأمّل ما فيه، وفي عاقبته 123.

ثالثًا: معالم الحكمة عند الأنبياء والصالحين:

من خلال ما تقدم ذكره في المبحث السابق يمكن هنا إجمال معالم الحكمة عند الأنبياء الصالحين على النحو الآتي:

1.من معالم الحكمة عند الأنبياء:

••مخاطبة الأنبياء أممهم على قدر عقولهم، ومراعاة مقتضى أحوالهم على اختلاف أقدارهم وأعمارهم.

••الترفق واللين في مخاطبة الولاة المعاندين ومحاورتهم، ومجادلتهم بالتي هي أحسن، ومن أمثلة ذلك حوار سيدنا إبراهيم عليه السلام مع النمروذ، وحوار موسى عليه السلام مع فرعون في سورة الشعراء وغيرها من السور.

••اللين في مخاطبة الأهل والأقارب كالوالدين والأبناء، والحرص على استجابتهم للدعوة إنقاذًا لهم من النار، ومن أمثلة ذلك حوار سيدنا نوح مع ابنه في سورة هود وحوار سيدنا إبراهيم عليه السلام مع أبيه في سورة مريم.

••استعمال الحجج القوية، والبراهين الظاهرة في دعوة الأنبياء لقومهم، لإقامة الحجة عليهم وإقناعهم باتباع الأنبياء، وذلك واضح في حوارات جميع الأنبياء والتي ورد طرف منها في سور الأعراف وهود والشعراء.

••تباين أساليب الأنبياء والمرسلين في دعوة أتباعهم، واختيار كل نبي ما يناسب قومه من الطرق، وإن كان الجميع يتفقون على جعل الحكمة أساسًا واضحًا، من أسس الدعوة، وطريقًا من طرقها.

2.معالم الحكمة عند الصالحين:

••استعمال الحكماء الصالحين الحكمة فيما وضعت له من إرشاد الناس وتعليمهم بالقول والفعل، وذلك من باب شكر المنعم جل وعلا.

••سير الحكماء الصالحين في الناس بالحسنى، بحيث لا يرتكبوا قبيحًا من الأفعال، ولا يصدر عنهم خبيثًا من الأقوال تؤثر عنهم.

••حرص الحكماء من الدعاة المخلصين على مخاطبة الناس على قدر عقولهم، ومراعاة أحوالهم، وضبط ذلك الخطاب بضابط الحكمة، ويفعله بما يناسب ظروف وأحوال المخاطبين، وسير السلف الصالح في هذا الشأن كثيرة ناصعة البياض.

الحكمة مطلوبة في كل شيء قولًا وعملًا، وأي مجال تدخله الحكمة يكون صالحًا، ويكتب له النجاح والفلاح، وهذه أبرز مجالات الحاجة إلى الحكمة:

أولًا: الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى:

الدعوة إلى الله تعالى من المهام السامية، حيث إنها في المقام الأول وظيفة الإنبياء والرسل، ثم وظيفة فئة من أتباعهم وهم العلماء والمصلحون، وإمامهم في هذا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي نزل عليه قول الله تعالى: (ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النحل:125] .

وقد فسرت الحكمة هنا بأنها كتاب الله تعالى، والموعظة الحسنة، هي العبر التي هي حجة عليهم مما ذكرهم به من الآيات في كتابه، وفسرت الحكمة أيضًا بأنها النبوة، والموعظة بأنها القرآن 124.

وفسر الرازي (الحكمة) بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة و «الموعظة الحسنة» ، وهي التي لا يخفى عليهم أنك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم فيها 125.

ويمكن القول بأن الحكمة في الدعوة تكون بوضع الدعوة في موضعها، ومخاطبة كل واحد بما يناسب حاله ويليق به، إذ إن هذا أقرب لحصول المقصود منه، ولا شك أن الحكمة في الدعوة لها أهمية كبيرة، وذلك لأن «الحكمة إذا اقترنت بالدعوة فإنها تقوي الأمل واليقين، وترتفع بالمدعوين إلى مستوى الشعور بالمسئولية والتكليف، وإذا ما تأكد فيها هذا الشعور فسوف تتغير طباعهم وتعتدل مسالكهم ويصح توجيههم، فحق على الداعي إلى الله أن يعمل على إيقاظ هذا الشعور بالتي هي أحسن» 126.

أساليب الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى:

من أبرز مقومات الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى ما يلي:

••معرفة طبائع الناس، وطبقات المدعوين.

وذلك لأن الناس ليسوا جميعًا على شاكلة واحدة، بل هم مختلفون في الميول والأهواء، والعقل والذكاء، والشدة واللين، وبناء عليه فإنه من مقومات الحكمة أن يعي الداعية ذلك جيدًا حتى تثمر دعوته وتؤتي أكلها 127.

ويؤيد ذلك قول ابن مسعود رضي الله عنه «ما أنت بمحدّثٍ قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلّا كان لبعضهم فتنةً» 128.

وقول علي رضي الله عنه «حدّثوا النّاس، بما يعرفون أتحبّون أن يكذّب اللّه ورسوله» 129.

ودلالتهما واضحة على ضرورة مراعاة حال المدعو، حتى لا تؤدي الدعوة إلى فتنة أو نسبة الكذب لله تعالى أو لرسوله صلى الله عليه وسلم.

••النظر في الظروف الزمانية والمكانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت