أخبر سبحانه وتعالى أن هودًا عليه السلام قال لقومه: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52] .
يقول سبحانه: «فإنكم إن آمنتم بالله، وتبتم من كفركم به، أرسل قطر السماء عليكم، يدرّ لكم الغيث في وقت حاجتكم إليه، وتحيا بلادكم من الجدب والقحط، ورزقكم المال والولد» 125.
قيل: إنهم «كانوا أصحاب زروع وبساتين، وعمارات، حراصًا عليها أشد الحرص، فكانوا أحوج شيء إلى الماء، وكانوا مدلين بما أوتوا من هذه القوة والبطش والبأس، مهيئين في كل ناحية» 126.
في الآية دلالة على أن من ثمرة التوبة حياة البلاد من الجدب والقحط، وحياة العباد بزيادة الأموال والأولاد.
ذكر القرآن الكريم عاقبة المعرضين عن التوبة، والتي منها:
1.عذاب جهنم.
عرض الله سبحانه وتعالى على من قتل أولياءه التوبة، وهدّدهم إن لم يتوبوا بالعذاب الشديد، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج:10] .
أي: ثم لم يتوبوا، أي لم يقلعوا عما فعلوا، ويندموا على ما أسلفوا، {فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} وذلك أن الجزاء من جنس العمل، قال الحسن رحمه الله: انظروا إلى هذا الكرم والجود، هم قتلوا أولياءه وأهل طاعته، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة 127.
وفي الآية تعريض للمشركين بأنهم إن تابوا وآمنوا سلموا من عذاب جهنم 128.
2.استحقاق العقاب.
وأخبر سبحانه وتعالى أن على العبد أن يتوب إلى الله تعالى، ويخرج من حق أخيه المسلم، باستحلاله، والاستغفار، والمدح له مقابل ذمه، وإلا أصبح ظالمًا لنفسه مستحقًا لعقاب الله.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] .
قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، «يقول تعالى ذكره: ومن لم يتب من نبزه أخاه بما نهى الله عن نبزه به من الألقاب، أو لمزه إياه، أو سخريته منه، فأولئك هم الذين ظلموا أنفسهم، فأكسبوها عقاب الله بركوبهم ما نهاهم عنه» 129.
وإذا كان كل من السخرية واللمز والتنابز معاصٍ فقد وجبت التوبة منها، فمن لم يتب فهو ظالم؛ لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأن رضي لها عقاب الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك، فكان ظلمه شديدًا جدًّا. فلذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم، كأنه لا ظالم غيرهم؛ لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا. والتوبة واجبة من كل ذنب، وهذه الذنوب المذكورة مراتب، وإدمان الصغائر كبيرة 130.
3.العذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
دعا الله سبحانه المنافقين الذين أساءوا للرسول صلى الله عليه وسلم وحاولوا الإضرار به وارتدوا عن الإسلام أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة، فإن رجعوا فهو خير لهم، وإن يعرضوا، أو يستمروا على حالهم، يعذّبهم الله العذاب الموجع في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم، قال تعالى: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} [التوبة: 74] .
أي: وإن يستمروا على طريقهم {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا} أي: بالقتل والهم والغم، {وَالْآخِرَةِ} أي: بالعذاب والنكال والهوان والصغار، {وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ} أي: وليس لهم أحد يسعدهم ولا ينجدهم، لا يحصّل لهم خيرًا، ولا يدفع عنهم شرًا 131.
وفي الآية دليل على قبول توبة الزنديق المسرّ الكفر، المظهر للإيمان، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي. وقال مالك: لا تقبل، فإن جاء تائبًا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته بلا خلاف 132.
4.العذاب الكبير.
دعا هود عليه السلام قومه للرجوع إلى الله نادمين، وهدّدهم إن أعرضوا عمّا يدعوهم إليه فسوف يحل عليهم عذاب كبير، وهو يوم القيامة.
قال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3] .
«يقول تعالى ذكره: وإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من إخلاص العبادة لله، وترك عبادة الآلهة، وامتنعوا من الاستغفار لله، والتوبة إليه فأدبروا مولين عن ذلك، فإني أيها القوم أخاف عليكم عذاب يوم كبير شأنه، عظيم هوله» 133، ووصفه بالكبير لزيادة تهويله 134.
موضوعات ذات صلة:
الاستغفار، الاستقامة، الذنب
1 انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس 1/ 357.
2 انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص 62.
3 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 169.
4 انظر: التعريفات، الجرجاني ص 70.
5 جامع البيان، الطبري، 1/ 587.
6 المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص 156 - 158، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص 369 - 371.
7 انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص 232.
8 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 590.
9 انظر: التوقيف، المناوي ص 74.
10 الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 235.
11 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 2/ 911.
12 المفردات، الراغب الأصفهاني ص 796.
13 الفروق اللغوية، العسكري، 1/ 235.
14 انظر: لسان العرب، ابن منظور 5/ 3274.
15 انظر: جامع البيان، الطبري 3/ 185، روح المعاني، الألوسي 11/ 207.
16 مدارج السالكين 1/ 308.
17 المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/ 512.
18 الدر المصون، السمين الحلبي 3/ 624.
19 عدة الصابرين، ابن القيم ص 17.
20 مدارج السالكين، ابن القيم، 1/ 345
21 تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن، السعدي 2/ 364.
22 جامع البيان، الطبري، 1/ 587
23 اشتقاق أسماء الله، ص 62.
24 الكافية الشافية، ابن القيم ص 209.
25 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 946.
26 المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص 370.
27 جامع البيان، الطبري، 12/ 54.
28 تيسير الكريم الرحمن، ص 354.
29 التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 9/ 1226.
30 التحرير والتنوير، 18/ 135.
31 جامع البيان، الطبري، 12/ 444.
32 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي، 18/ 363.
33 جامع البيان، الطبري، 12/ 453.
34 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 297.
35 جامع البيان، الطبري، 10/ 465.
36 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 329.
37 جامع البيان، الطبري، 11/ 340.
38 في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 1599.
39 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 211.
40 في ظلال القرآن، سيد قطب 2/ 785.
41 جامع البيان،، 11/ 572.
42 المصدر السابق 11/ 575.
43 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحجّ،1/ 305، رقم 174.
44 تفسير المراغي، 19/ 40.
45 جامع البيان، 7/ 308.
46 المصدر السابق 7/ 310.
47 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 192.
48 انظر: جامع البيان، الطبري، 6/ 507.
49 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 604.
50 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 24.
51 البحر المحيط، أبو حيان 3/ 560
52 فتح القدير، الشوكاني، 1/ 505.
53 تفسير آيات الأحكام، السايس، ص 180.
54 التفسير القيم، ابن القيم، ص 175.
55 جامع البيان، الطبري، 8/ 411.
56 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 190.
57 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 3/ 100.
58 البحر المحيط، أبو حيان 4/ 256.
59 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 302.
60 المحرر الوجيز، 3/ 92.
61 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 302.
62 تفسير المراغي، 2/ 28.
63 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 1/ 343.
64 التحرير والتنوير، 2/ 72.
65 المصدر السابق 24/ 80.
66 جامع البيان، الطبري، 20/ 506.
67 التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب، 6/ 890.
68 البيت من معلقته المشهورة.
انظر: ديوان عمرو بن كلثوم ص 78.
69 التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/ 278.
70 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 24.
71 مدارج السالكين، ابن القيم 1/ 295.
72 أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الدّعوات، باب إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، رقم 3537.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، رقم 1903.
73 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 25.
74 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 5/ 91.
75 جامع البيان، الطبري، 6/ 516.
76 مفتاح دار السعادة، ابن القيم 1/ 283.
77 في ظلال القرآن، سيد قطب 1/ 604
78 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 281.
79 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 367.
80 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة الأنعام، باب لا ينفع نفس إيمانها، 14/ 174، رقم 4269.
81 مفاتيح الغيب، الرازي، 10/ 8.
82 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 171.
83 التحرير والتنوير، ابن عاشور 4/ 280.
84 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 1/ 92.
85 حجة القراءات، ابن زنجلة ص 94 - 95.
86 المحرر الوجيز، ابن عطية 1/ 131.
87 التحرير والتنوير، ابن عاشور 1/ 439.
88 جامع البيان، الطبري، 12/ 437.
89 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 382.
90 جامع البيان، الطبري، 2/ 572.
91 تيسير الكريم الرحمن، ص 66.
92 المحرر الوجيز، ابن عطية 2/ 452.
93 مفاتيح الغيب، الرازي، 14/ 359.
94 التحرير والتنوير، 9/ 91.
95 جامع البيان، الطبري، 20/ 64.
96 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 711.
97 انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 529.
98 جامع البيان، الطبري، 12/ 54.
99 المحرر الوجيز، ابن عطية 3/ 94.
100 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، سورة براءة، 14/ 248، رقم 4309.
101 جامع البيان، الطبري، 23/ 93.
102 إرشاد العقل السليم، أبو السعود، 1/ 161.
103 جامع البيان، الطبري، 17/ 273.
104 فتح القدير، الشوكاني، 4/ 30.
105 التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 9/ 1269.
106 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 18/ 197.
107 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/ 190.
108 مفاتيح الغيب، الرازي، 12/ 409.
109 التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 5/ 848.
110 التحرير والتنوير، ابن عاشور 22/ 132.
111 تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص 100.
112 التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب 1/ 254.
113 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التّوبة، باب في الحضّ على التّوبة والفرح بها، 4/ 2102، رقم 2675.
114 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/ 269.
115 في ظلال القرآن، سيد قطب 3/ 1719.
116 المصدر السابق، 6/ 3616.
117 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 566.
118 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 7/ 119.
119 جامع البيان، الطبري، 12/ 313.
120 في ظلال القرآن، سيد قطب، 6/ 3713.
121 المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 149.
122 تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 587.
123 في ظلال القرآن، سيد قطب، 5/ 2579.
124 أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب، ما أدنى أهل الجنة منزلة، رقم 308.
125 جامع البيان، الطبري، 12/ 444.
126 البحر المحيط، أبو حيان 6/ 166.
127 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 8/ 365.
128 التحرير والتنوير، ابن عاشور 30/ 246.
129 جامع البيان، الطبري، 21/ 373.
130 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 26/ 250.
131 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 4/ 161.
132 البحر المحيط، أبو حيان، 5/ 466.
133 جامع البيان، الطبري، 12/ 315.
134 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 11/ 319.