ومما يتصل بالكفر بالله تعالى، الردة عن دين الله، وقد بينت آيات القرآن الكريم أن الردة عن الإسلام جريمة عظيمة تستوجب غضب الله تعالى، ويظهر ذلك جليًا في قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) } [النحل: 106] .
فمن اختار الكفر على الإيمان بعد أن عرف الإيمان وعرف ما فيه من خير له وللبشرية جمعاء، فقد استحق غضب المولى عز وجل؛ لأن «القلب الذي يذوق الإسلام ويعرفه، لا يمكن أن يرتد ارتدادًا حقيقيًّا أبدًا» 50.
ويتعلق غضب الله تعالى كذلك بالمنافقين الذين ارتدوا سرًّا من بعد ما تبين لهم الهدى، وما ذلك إلا لأن الشيطان قد زين لهم الكفر. قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25] .
وهذه الآية نزلت في شأن المنافقين 51.
«أي: إن الذين فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، من بعد ما ظهر لهم الهدى بما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات الظاهرة والدلائل الواضحة، زين لهم الشيطان خطاياهم، وسهل لهم الوقوع فيها، وحسن لهم الكفر، وخدعهم وغرهم بالأماني والآمال، ووعدهم بطول العمر ومد الأجل» 52.
ثانيًا: كبائر الذنوب:
من أسباب غضب الله على العبد ارتكاب المعاصي العظيمة والوقوع في الكبائر. ولا شك أن غضب الله عز وجل شيء عظيم وليس هينًا، لذا نجد أنه جاء متعلقًا بكبائر الذنوب، وكل المعاصي التي اقترنت بغضب الله تعالى هي من الكبائر التي ينبغي على المسلم أن يحذر من الوقوع فيها. وأهم المعاصي التي جاءت مقترنة بغضب الله تعالى:
1.الشرك بالله.
«الشرك هو اتخاذ ند من دون الله، يدعوه كما يدعو الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويخافه كما يخاف الله، ويحبه كما يحب الله» 53. ويترتب على ذلك التوجه لغير الله تعالى بالعبادة، ولا شك أن هذا من أعظم الذنوب ومن أكبر الكبائر، لأن الله تعالى هو خالق الخلق، وهو وحده الحقيق بهذه العبادة، فمن عبد غيره فقد انحرف عن الطريق القويم، وضل السبيل. ومن هنا فقد استحق من يشرك بالله تعالى غضبه ومقته، كما تدل على ذلك الآيات القرآنية.
قال تعالى: {قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: 71]
فهذه الآية تدل على نزول غضب الله تعالى على قوم هود عليه السلام، بسبب إشراكهم بالله وعبادتهم الأصنام، مع أنها أصنام لا تضر ولا تنفع، وهم الذين اخترعوها وجعلوها آلهة من دون الله.
وممن استحق غضب الله تعالى بسبب الشرك بالله اليهود، الذين عبدوا العجل بعد أن صنعه لهم السامري بيديه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] .
والمقصود بغضب الله على بني إسرائيل الذي أصابهم بسبب عبادتهم للعجل، كما يقول الزمخشري: «الغضب ما أمروا به من قتل أنفسهم. والذلة: خروجهم من ديارهم لأن ذل الغربة مثل مضروب. وقيل: هو ما نال أبناءهم وهم بنو قريظة والنضير، من غضب الله تعالى بالقتل والجلاء، ومن الذلة بضرب الجزية المفترين المتكذبين على الله، ولا فرية أعظم من قول السامري: هذا إلهكم وإله موسى. ويجوز أن يتعلق في الحياة الدنيا بالذلة وحدها ويراد: سينالهم غضب في الآخرة، وذلة في الحياة الدنيا، وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله» 54.
ويرى الشوكاني أن الغضب يشمل الدنيا والآخرة، فهو يتضمن «ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب» 55.
2.القتل.
مما لا شك فيه أن قتل النفس بغير حق جريمة بشعة يندى لها الجبين، وهي من الكبائر التي يستحق فاعلها غضب الله تعالى والطرد من رحمته.
قال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] .
ويلاحظ أن الله تعالى رتب على كبيرة القتل وعيدًا عظيمًا وعذابًا شديدًا.
يقول السعدي: «وذكر هنا وعيد القاتل عمدًا، وعيدًا ترجف له القلوب وتنصدع له الأفئدة، وتنزعج منه أولو العقول. فلم يرد في أنواع الكبائر أعظم من هذا الوعيد، بل ولا مثله، ألا وهو الإخبار بأن جزاءه جهنم، أي: فهذا الذنب العظيم قد انتهض وحده أن يجازى صاحبه بجهنم، بما فيها من العذاب العظيم، والخزي المهين، وسخط الجبار، وفوات الفوز والفلاح، وحصول الخيبة والخسار. فعياذًا بالله من كل سبب يبعد عن رحمته» 56.
3.التولي يوم الزحف.
جعل الإسلام الفرار من المعركة من الكبائر، والذي يترتب عليه غضب الله تعالى. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى في الحديث الذي يرويه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) ، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات) 57.
فهذا الحديث يدل على أن التولي يوم الزحف من الكبائر، لذلك ترتب عليه غضب الله، كما يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال: 15 - 16] .
ففي هذه الآية «نهى الله المؤمنين عن التولي يوم الزحف، وتوعدهم عليه، والنهي والتوعد يدلان على أن الثبات واجب» 58.
«فالتولي يوم الزحف من أكبر الكبائر، وأفحش الأمور، لأنه يدل على الجبن، والضعف والخور، والإسلام يربي المسلم على الشجاعة والثبات والعزة، ولأن الفرار أمام الأعداء عند اللقاء يسلب الأمة عزتها وكرامتها وشرفها، ويجعل السلطة لأعداء الإسلام والدين، وذلك موت أدبي للأمة فإما أن نعيش كرامًا أعزاء، وإما أن نموت أحرارًا شهداء، والاستشهاد في سبيل الله والوطن حياة كريمة.
قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) } [آل عمران:169] .
لهذا أمرنا الله تعالى بالثبات أمام الأعداء مهما كانت عدتهم، وقدرتهم، ونهانا عن الفرار من الزحف وعده من أعظم الكبائر التي تجلب غضب الله تعالى، وتحبط الأعمال، وتودي بصاحبها في نار جهنم وبئس القرار فأمر الله المجاهدين بالصبر والثبات أمام الأعداء، لأن التولي فيه إضعاف لصفوف المسلمين، وتثبيط لعزائم المقاتلين، وإحداث فرقة بين صفوفهم، وفي ذلك صد عن سبيل الله عز وجل وتقوية للعدو، وكفى بذلك إثمًا وعارًا في الدنيا والآخرة، لذلك أمرنا بالصبر وذكر الله تعالى أنه يعاقب الفارين بأشد أنواع العذاب. وأنه يكرم الشهداء في سبيله أعظم أنواع الإكرام والعزة» 59.
يتناول هذا المبحث أصناف الناس الذين غضب الله عليهم كما ورد في آيات القرآن الكريم.
أولًا: عبدة الأوثان:
لا شك أن عبادة الأوثان معصية ممقوتة، وموجبة لغضب الله تعالى، لأنه لا بد من «العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين لله وحده» 60.
والأنبياء جميعًا كانوا يدعون أقوامهم لعبادة الله وحده وعدم الإشراك به، وكانوا يخاطبوهم قائلين: {يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] .
ولكن هناك من لم يستجب لهذه الدعوة وانحرف عن المنهج القويم فعبد الأوثان بدلًا من أن يعبد الله سبحانه وتعالى. ومن هؤلاء قوم هود عليه السلام، الذين قال الله عنهم: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ} [الأعراف: 70 - 71] .
فهؤلاء قد استحقوا غضب الله تعالى لأنهم عبدو الأوثان وأصروا على عبادتها وتجاهلوا آيات الله عز وجل.
يقول البيضاوي: « {قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ} قد وجب وحق عليكم، أو نزل عليكم على أن المتوقع كالواقع، {مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ} عذاب من الارتجاس وهو الاضطراب. {وَغَضَبٌ} إرادة انتقام.
{أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ} أي: في أشياء سميتموها آلهة وليس فيها معنى الإلهية، لأن المستحق للعبادة بالذات هو الموجد للكل، وأنها لو استحقت كان استحقاقها بجعله تعالى إما بإنزال آية أو بنصب حجة، بين أن منتهى حجتهم وسندهم أن الأصنام تسمى آلهة من غير دليل يدل على تحقق المسمى.
وإسناد الاطلاق إلى من لا يؤبه بقوله إظهارا لغاية جهالتهم وفرط غباوتهم.
واستدل به على أن الاسم هو المسمى وأن اللغات توقيفية إذ لو لم يكن كذلك لم يتوجه الذم والإبطال بأنها أسماء مخترعة لم ينزل الله بها سلطانا وضعفهما ظاهر» 61.
ثانيًا: اليهود:
صدر عن اليهود الكثير من الأعمال والمعاصي الشنيعة، التي جعلت أنبياءهم يتبرؤون منهم ويلعنونهم، كما قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [المائدة: 78] .
ولا شك أن هذه الأعمال التي فعلوها هي التي جلبت غضب الله عليهم.
قال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7] .
والمغضوب عليهم هم اليهود كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم 62.
وإنما وصف اليهود بهذا الوصف لأن «المغضوب عليهم هم الذين خرجوا عن الحق بعد علمهم به، والذين بلغهم شرع الله ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه، انصرافًا عن الدليل، ورضاء بما ورثوه من القيل، ووقوفا عند التقليد، وعكوفا على هوى غير رشيد» 63.
فقد خص الله تعالى اليهود بالغضب، لأنهم قاصدون للمعصية، فقد عرفوا الحق الذي أمرهم الله به، ولكنهم تركوا العمل به واتبعوا الباطل 64.
ومن الممارسات التي فعلها اليهود واستحقوا عليها غضب الله تعالى:
1.الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء.
قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61] .
{وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} أحيطت بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه، أو ألصقت بهم، من ضرب الطين على الحائط، مجازاة لهم على كفران النعمة. واليهود في غالب الأمر أذلاء مساكين، إما على الحقيقة أو على التكلف مخافة أن تضاعف جزيتهم.
{وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} رجعوا به، أو صاروا أحقاء بغضبه، من باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به، وأصل البوء المساواة. ذلك إشارة إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب. بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق بسبب كفرهم بالمعجزات، التي من جملتها ما عد عليهم من فلق البحر، وإظلال الغمام، وإنزال المن والسلوى، وانفجار العيون من الحجر. أو بالكتب المنزلة: كالإنجيل، والفرقان وقتلهم الأنبياء فإنهم قتلوا شعياء وزكريا ويحيى وغيرهم بغير الحق عندهم، إذ لم يروا منهم ما يعتقدون به جواز قتلهم، وإنما حملهم على ذلك اتباع الهوى وحب الدنيا كما أشار إليه بقوله: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} أي: جرهم العصيان والتمادي والاعتداء فيه إلى الكفر بالآيات 65.
2.الكفر بما أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [البقرة: 89 - 90] .
فاليهود كفروا حسدًا على خروج النبوءة منهم إلى العرب، «والظاهر أن المراد {بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} الغضب الشديد، على حد قوله تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور: 35] .أي: نور عظيم» 66.
«إن الحسد ليأكل صدورهم، وإن الشره ليعمي أبصارهم، حتى إنهم ليهلكون أنفسهم، ويحرمونها موارد الخير، لأن غيرهم قد سبقهم إلى هذا الخير ونال منه. وهو خير لا ينفد أبدًا، يسع الناس جميعًا، ومع هذا فهم يريدونه خالصًا لهم من دون الناس، لا ينال أحد شيئًا منه وقد غضب الله عليهم غضبًا بعد غضب، غضب عليهم أولًا، لأنهم عرفوا الحق ولم ينصروه، بل خذلوه ومكروا به وحاربوه وغضب عليهم ثانيًا، لأنهم نقضوا الميثاق الذي أخذه الله عليهم في الكتاب الذي بين أيديهم، ثم حرفوا في كتابهم هذا وبدلوا، واستباحوا حرمته، وهذا كفر بكتابهم بعد كفرهم بمحمد وبما نزل عليه. وهذا ما جعلهم بمعرض من غضب الله، حالًا بعد حال، ومرة بعد مرة» 67.
3.عبادة العجل.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ} [الأعراف: 152] .
وتقرر هذه الآية أن اليهود الذين عبدوا العجل من دون الله، قد استحقوا غضب الله تعالى، وستنالهم الذلة في الحياة الدنيا.
إن الذين اتخذوا العجل من بني إسرائيل إلها ومعبودا بعد غيبة رسولهم موسى عليه السلام، وبقوا على تأليهه واستمروا على عبادته كالسامري وأتباعه، سيصيبهم عذاب شديد من ربهم، وهو المذكور في سورة البقرة، وهو أن الله تعالى لن يقبل توبتهم حتى يقتتلوا، ويقتل بعضهم بعضا: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة: 54] .
وسينالهم أيضًا ذلة وصغار في الحياة الدنيا، بخروجهم من ديارهم وتشردهم، وهوانهم على الناس واحتقارهم لهم، وتهالكهم على حب الدنيا، فهم الماديون المنبوذون المكروهون في كل أمة، وتلك هي ذلة عظيمة المعنى وأما قيام دولتهم في فلسطين فهي محنة للمسلمين، فربما أناس سلط عليهم من هو شر لهم، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن بقاء دولة الصهاينة في فلسطين شيء مستحيل، ولا تؤيده الظروف والقرائن المشاهدة، وقد بشرت الأحاديث النبوية بقتلهم وطردهم منها، ولكل أجل كتاب 68.
4.الطغيان.
قال تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى} [طه: 80 - 81] .
والطغيان هو تجاوز الحد في العصيان 69.
ولا شك أن اليهود قد بلغوا أبعد مدى في الظلم والمعصية، وتجاوزوا في ذلك كل الحدود.
قال ابن عاشور: «والطغيان: أشد الكبر. ومعنى النهي عن الطغيان في الرزق: النهي عن ترك الشكر عليه وقلة الاكتراث بعبادة المنعم. وحرف (في) الظرفية استعارة تبعية شبه ملابسة الطغيان للنعمة بحلول الطغيان فيها تشبيها للنعمة الكثيرة بالوعاء المحيط بالمنعم عليه، والحلول: النزول والإقامة بالمكان شبهت إصابة آثار الغضب إياهم بحلول الجيش ونحوه بديار قوم، وهوى: سقط من علو، وقد استعير هنا للهلاك الذي لا نهوض بعده وهو الهوي من جبل أو سطح بقرينة التهديد» 70.
ثالثًا: المرتدون:
الردة: «هي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر، وتارة بالفعل. والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين، صريح كالسجود للصنم أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات، والسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها» 71.
والردة تؤدي إلى حبوط العمل، كما يدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 217] .
والمرتدون الذين عرفوا الإسلام ثم خلفوه وراء ظهورهم، استحقوا بفعلهم هذا غضب الله تعالى.
قال تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [النحل: 106 - 107] .
«أي: إن من كفر بالله بعد الإيمان والتبصر فعليه غضب من الله إلا إذا أكره على ذلك وقلبه ملئ بالإيمان بالله والتصديق برسوله، فلا تثريب عليه كما فعل عمار بن ياسر، ولكن غضب الله وشديد عقابه لمن طابت أنفسهم بالكفر، واعتقدوه طائعين مختارين، لعظيم جرمهم، وكبير إثمهم. ثم بين سبب هذا الغضب فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} أي: ذلك الغضب من الله، والعذاب العظيم من أجل أنهم آثروا الحياة الدنيا وزينتها على نعيم الآخرة» 72.
ويشير هذا النص القرآني «إلى هذا الوعيد الذي توعد الله به سبحانه، أولئك الذين كفروا بعد إيمانهم، وعادوا إلى الكفر الذي كانوا فيه، وأنسوا إليه كما يأنس الغريب بلقاء أهله، بعد غيبة وفراق، فلم يقع في نفوسهم وحشة للكفر، ولا تكره له. فهذا الغضب الذي صبه الله عليهم، وهذا العذاب العظيم الذي أعده لهم، إنما هو بسبب أنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، وآثروا العافية مع الكفر، على البلاء مع الإيمان» 73.
رابعًا: المنافقون.