{وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أي: ويأمركم أن تقولوا على الله في دينه ما لا تعلمون علم اليقين أنه شرعه لكم من عقائد وشعائر دينية، أو تحليل ما الأصل فيه التحريم، أو تحريم ما الأصل فيه الإباحة، ففي كل ذلك اعتداء على حق الربوبية بالتشريع، وهذا أقبح ما يأمر به الشيطان، فإنه الأصل في إفساد العقائد وتحريف الشرائع 189، أي: لا تطيعوه. وهذا التوبيخ يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي؛ لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له، فحذرتكم منه غاية التحذير، وأنذرتكم عن طاعته، وأخبرتكم بما يدعوكم إليه.
{أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} أي: فلا كان لكم عقل يأمركم بموالاة ربكم ووليكم الحق، ويزجركم عن اتخاذ أعدى الأعداء لكم وليا، فلو كان لكم عقل صحيح لما فعلتم ذلك، فإذا أطعتم الشيطان وعاديتم الرحمن وكذبتم بلقائه ووردتم القيامة دار الجزاء وحق عليكم القول بالعذاب 190.
«وفرع عليه توبيخهم بقلة العقول بقوله: {أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ} ، فالاستفهام إنكاري عن عدم كونهم يعقلون، أي: يدركون، إذ لو كانوا يعقلون لتفطنوا إلى إيقاع الشيطان بهم في مهاوي الهلاك. وزيادة فعل الكون للإيماء إلى أن العقل لم يتكون فيهم ولا هم كائنون به» 191.
«ألا تطيعوه، والمراد: عبادة غير الله من الآلهة الباطلة، مما زين به الشيطان وأمر به، فهو لكم {عَدُوٌّ مُبِينٌ} بين العداوة، {وَأَنِ اعْبُدُونِي} وحدوني وأطيعوني، أي: ألم أعهد إليكم بترك عبادة الشيطان، وبعبادتي. {هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} أي: طريق معتدل قويم، وهو دين الإسلام، أفلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان وإضلاله لكم؟!» 192.
«لقد عهدت إليكم يا بنى آدم عهدًا مؤكدا على ألسنة رسلي، أن لا تعبدوا الشيطان وأن لا تستمعوا لوسوسته، وأن لا تتبعوا خطواته، لأنه لكم عدو ظاهر العداوة، بحيث لا تخفى عداوته على أحد من العقلاء» 193.
وهكذا نجد أن النجاة في مخالفة الشيطان، ولا يكون ذلك إلا باستعمال العقل السليم الذي يعرف الله ويخشاه ويهتدي بهدي محمد صلى الله عليه وسلم.
سابعًا: الأدب والتوقير للرسول الكريم والعلماء:
لقد أرسل الله تعالى لنا الرسل لتنير عقولنا وقلوبنا بنور الهداية والإيمان، لذا علينا اتباعهم بالحسنى واحترامهم وتوقيرهم كما أمرنا ربنا سبحانه وتعالى، لأننا عن طريقه صلى الله عليه وسلم وصلنا القرآن، وتعرفنا على منهج الهداية والإيمان والشريعة الصحيحة السليمة، وعرفنا كيف نصد الشيطان ونستمر في طريق الهدى والتقوى، وكيفية التعامل مع الآخرين من أهل وأقارب وجيران.
أما الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أخل كثير من الناس بواجبهم تجاهه، بل هم يرون الغارات تشن وبشكل مستمر ومبرمج من اليهود والنصارى ومن لا أخلاق له، ولا يحركون ساكنًا، فقد دأب أعداء الله يملؤون الصحف والمنتديات الإلكترونية والكتب المدرسية الغربية بسمومهم وهجومهم الموبوء وإساءاتهم المتكررة، ولا زالوا منذ البعثة إلى يومنا هذا يتعاونون على الإثم والعدوان على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. وقد كشف الله سبحانه حقيقتهم في القرآن الكريم، وفضح حقدهم الدفين في الصد عن شريعة خاتم الأنبياء والمرسلين.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) } [الحجرات: 2] .
{لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} أي: إذا نطق ونطقتم، ولا تجهروا له بالقول إذا كلمتموه؛ لأن رتبة النبوة والرسالة يجب أن توقر وتجل، ولا يكون الكلام مع الرسول صلى الله عليه وسلم كالكلام مع غيره، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبحضرة العالم، وفي المساجد 194.
«أمرهم أن يبجلوه ويفخموه ويعظموه، ولا يرفعوا أصواتهم عنده، ولا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا فيقول: يا محمد. بل يقولون: يا رسول الله، يا نبي الله» 195.
« {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت؛ لأن ذلك يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام؛ لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم والتوقير» 196.
«هذه آداب أدب الله بها عباده المؤمنين فيما يعاملون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام» 197.
«يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي عند مخاطبتكم له، ولا تجهروا بمناداته كما يجهر بعضكم لبعض، وميزوه في خطابه كما تميز عن غيره في اصطفائه لحمل رسالة ربه، ووجوب الإيمان به، ومحبته وطاعته والاقتداء به؛ خشية أن تبطل أعمالكم وأنتم لا تشعرون ولا تحسون بذلك» 198.
«وفي هذا ما فيه من الحث على توقير العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وتعظيم الأتقياء والصلحاء؛ أسوة بتوقير سيد الأنبياء» 199.
«فأمرهم الله بتوقيره، وأن يدعوه بالنبوة والرسالة والكلام اللين، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وبحضرة العالم وفي المساجد، وحرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتًا كحرمته حيًّا، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه» 200.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) } [الحجرات: 4] .
«وصفهم بالجهل وقلة العقل» 201.
{أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة، سيما لمن كان بهذا المنصب. لكان الصبر خيرًا لهم من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم الرسول الموجبين للثناء والثواب 202.
والكتاب العزيز مملوء بدعوة العقلاء إلى الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه الرحمة، وهو المثل، والهادي البشير، والسراج المنير، كيف لا وهو صلى الله عليه وسلم القدوة الكاملة والأسوة الحسنة لكل من كان يرجو الله واليوم الآخر؟!
قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } [الأحزاب: 21] .
شرح الله صدره، ووضع وزره، ورفع ذكره، وأوجب طاعته، وحرم خيانته، وما تخلف ركب الأمة اليوم إلا يوم أن تخلفت عن الأدب معه صلى الله عليه وسلم، وما تجرع أفراد الأمة مرارات البعد عن جمال الحياة وطيب معانيها إلا يوم أن بعدت نفوسهم عن سيرته الرائعة وعن هديه، فصاروا يركضون وراء كل من أوتى ظاهرًا من الحياة الدنيا، يخلعون عليه لباس العظمة والبهاء باسمه وقوله وشخصه زعمًا وزورًا! فكم من صفيق وجه صفقوا له، وكتبوا عنه الأسفار، وتناقلوا أقواله! وكم من سفيهٍ نصبوه إمامًا يقتدى به، فأضحى الذي أملوه سرابًا بقيعةٍ وأضغاث أحلام! فالبعد عن سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم والاهتداء بغيره هو مستنقع الجهل وهوة الضلال وحياة الشقاء، وطاعته هداية وسعادة وفوز 203.
يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت رسول الله تتجهموه بالكلام، وتغلظون له في الخطاب، ولا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا: يا محمد، يا محمد، يا نبي الله، يا نبي الله، يا رسول الله. نهاهم الله أن ينادوه كما ينادي بعضهم بعضا وأمرهم أن يشرفوه ويعظموه، ويدعوه إذا دعوه باسم النبوة 204.
«فذمهم الله بعدم العقل؛ حيث لم يعقلوا عن الله الأدب مع رسوله واحترامه، كما أن من العقل وعلامته استعمال الأدب» 205.
زودنا الله سبحانه وتعالى بالعقل، كي نعبده حق العبادة ونميز به بين الحق والباطل، وبين ما ينفعنا وما يضرنا، ولم يتركنا هملًا كالحيوانات، ولم يعط أحدًا منا عذرًا حين يعطل عقله، بل منع من تناول أي نوع من الأطعمة أو الأشربة التي تجعل العقل في غيبوبة عن العالم الذي حوله، أو تؤدي إلى ضرر في عقله أو صحته، فيمتنع عن العبادة، لكن بعض الأشخاص لم يستعملوا عقولهم في التفكر والتدبر في الآيات الكونية كما أمرنا الله تعالى، بل كانوا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا بتقليدهم لآبائهم أو لكبرائهم في الكفر.
قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) } [الأنفال: 22] .
إن شر ما دب على الأرض من خلق الله عند الله، الذين يصمون عن الحق لئلا يستمعوه، فيعتبروا به ويتعظوا به، وينكصون عنه إن نطقوا به، الذين لا يعقلون عن الله أمره ونهيه، فيستعملوا بهما أبدانهم» 206.
«وهذا مطابق لقوله تعالى: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] .
إلا أنه زاد في هذا وصف العمى وكل هذه الأوصاف كناية عن انتفاء قبولهم للإيمان وإعراضهم عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وظاهر هذه الأخبار العموم 207.
«إن شر الناس عند الله الصم عن الهدى البكم، يعني: الخرس الذين لا يتكلمون بخير، الذين لا يعقلون الإيمان» 208.
«سماهم دواب لقلة انتفاعهم بعقولهم» 209.
«قوله تعالى: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) } [الفرقان: 44] .
«أي: ما هم إلا كالأنعام، جعلهم كالأنعام؛ لأنهم لم يدركوا طريق الحق، ولم ينتفعوا بما ميزهم الله به عن البهائم من عقولهم وأسماعهم وأبصارهم» 210.
«أي: لا ينتفعون بما يعقلون» 211.
«لم يخلق للأنعام قلوبًا تعقل بها ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك لهؤلاء ثم لم ينتفعوا بما جعل لهم من العقول والقلوب والألسنة والأسماع والأبصار فهم أضل من البهائم، فإن من لا يهتدي إلى الرشد وإلى الطريق مع الدليل له، أضل وأسوأ حالًا ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه» 212.
«سماع قبول أو يفكرون فيما تقول فيعقلونه، أي أهم بمنزلة من لا يعقل ولا يسمع، وقيل: المعنى أنهم لما لم ينتفعوا بما يسمعون فكأنهم لم يسمعوا» 213.
«ليس المراد أنهم لا يعقلون بل إنهم لا ينتفعون بذلك العقل» 214.
كذلك من عطل عقله عن العمل، سيكون تابعًا لغيره ومقلدًا له، وقد نهانا الله تعالى عن الاتباع إلا لله تعالى وللرسول صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن كان متبعًا لجاهل أو كافر فماذا سيكون مصيره؟ سيكون من أهل الضلالة والجهالة.
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) } [البقرة: 170] .
«أخبر تعالى عن حال المشركين إذا أمروا باتباع ما أنزل الله على رسوله، رغبوا عن ذلك واكتفوا بتقليد الآباء، وزهدوا في الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل الناس، وأشدهم ضلالًا وهذه شبهة لرد الحق واهية، فهذا دليل على إعراضهم عن الحق، ورغبتهم عنه، وعدم إنصافهم، فلو هدوا لرشدهم، وحسن قصدهم، لكان الحق هو القصد، ومن جعل الحق قصده، ووازن بينه وبين غيره، تبين له الحق قطعًا، واتبعه إن كان منصفًا» 215.
«الآية تضمنت النهي عن التقليد؛ لأن الله تعالى أنكر عليهم متابعة آبائهم، وأمر بمتابعة العقل والهدى» 216.
«أيتبعون ما ألفوا عليه آباءهم في تقاليدهم وعاداتهم، ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئًا من الحق في أمور العقائد والعبادات، بل ولو تجردوا من أي دليل منطقي، وحادوا عن الصواب، وهذا يدل على ذم التقليد بدون دليل» 217.
«ومثل الذين كفروا فيما هم فيه من الغي والضلال، والجهل وتقليد الآباء والرؤساء، كمثل الدواب السارحة التي لا تفقه شيئا مما يقال لها، فإذا نعق فيها راعيها فإنها تسمع صوته، ولكنها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، فهم صم عن سماع الحق، وبكم لا يتفوهون به، وعمي عن رؤية طريقه ومسلكه، لا يعقلون شيئا ولا يفهمون» 218.
وهكذا بناء على تفسير العلماء للآية نرى حال من يقلد الآخرين دون تعقل وتمييز بين الحق والباطل، ويعطل عقله وحواسه عن الفهم والإدراك، كيف يكون كالدواب التي لا تعقل، نسأل الله الهداية.
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) } [المائدة: 104] .
«أيتبعون آباءهم وإن كان آباؤهم جهالا، فنهاهم الله عن التقليد، وأمرهم بالتمسك بالحق وبالحجة» 219.
«يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والمنهاج أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا من الدين ولا يهتدون له، أيتبعونهم في خطئهم» 220.
«يعني قد اكتفينا بما أخذنا عنهم من الدين ونحن لهم تبع، ولا يصح الاقتداء إلا بالعالم المهتدي الذي يبني قوله على الحجة والبرهان والدليل، وأن آباءهم ما كانوا كذلك فيصح اقتداؤهم بهم» 221.
«تتبعون آباءكم وتقتدون بهم، وإن كنتم تعلمون أن آباءكم لا يعلمون شيئًا في أمر الدين ولا يهتدون، وإن جنتكم بأهدى مما كان عليه آباؤكم؛ يسفههم في أحلامهم في تقليدهم آباءهم، وإن ظهر عندهم أنهم على ضلال وباطل» 222.
«ولكنهم يقلدون كبارهم وفيه أن منهم من يعرف بطلان ذلك ولكن يمنعهم حب الرياسة وتقليد الآباء أن يعترفوا بها» 223.
وينتج عن إهمال العقل عدم إعماله آثارٌ سيئة، منها:
فصاحب العقل السليم والفطرة السليمة لا يصرف عبادته إلا لله الواحد سبحانه 224.
قال تعالى: {قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) } [الأنبياء: 62 - 67] .
قص الله سبحانه علينا كيف أن قوم إبراهيم عليه السلام كانوا يعبدون الأصنام ثم قام بدعوتهم لعبادة الله وحده ولما لم يستجيبوا له قام بتكسير تلك الأصنام وبعد ذلك قامت بينهم مشادة فاتهموه بتكسيرها، قال إبراهيم موبخا لهم ومعلنا بشركهم على رؤوس الأشهاد، ومبينًا عدم استحقاق آلهتهم للعبادة، فلا نفع ولا دفع، ما أضلكم وأخسر صفقتكم، وما أخسركم، أنتم وما عبدتم من دون الله، إن كنتم تعقلون عرفتم هذه الحال، فلما عدمتم العقل، وارتكبتم الجهل والضلال على بصيرة، صارت البهائم، أحسن حالًا منكم 225.
«قبحا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون قبح ما تفعلون من عبادتكم ما لا يضر ولا ينفع، فتتركوا عبادته، وتعبدوا الله الذي فطر السماوات والأرض، والذي بيده النفع والضر» 226.
نجد أن المشركين يشرعون في الدين من البدع والضلالات ما لم يشرعه الله تعالى، بينما من أعمل عقله فلا يتبع إلا ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية.
قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103) } [المائدة: 103] .
« {وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} أراد بالأكثر الاتباع يعني: أن الاتباع لا تعقل أن هذا كذب وافتراء من الرؤساء على الله عز وجل» 227.
«وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا افتراء على الله وكذبًا، لا لشرع شرعه الله لهم ولا لعقل دلهم عليه، وسبحان الله العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها! يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض الرقاعة ونفس الحمق، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا وهذه أفعال آبائهم وسننهم التي سنوها لهم، وصدق الله سبحانه حيث يقول: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} أي: ولو كانوا جهلة ضالين» 228.
«وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا افتراء على الله وكذبًا لا لشرع شرعه الله لهم، ولا لعقل دلهم الله عليه، وسبحان الله العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها! يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض الرقاعة ونفس الحمق، وهذا شأن علمائهم ورؤسائهم وكبرائهم» 229.
بينما العاقل يعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فلا يتبع إلا الدين الصحيح دين الإسلام.
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) } [البقرة: 170] .
«فكيف أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم فتتركون ما يأمركم به ربكم، وآباؤكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون حقًا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما يتبع المتبع ذا المعرفة بالشيء المستعمل له في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه فيما هو به جاهل إلا من لا عقل له ولا تمييز 230.
«أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالًا فيتابعوهم بغير حجة؟ فكأنه نهاهم عن التقليد وأمرهم بالتمسك بالحجة» 231.
«فاكتفوا بتقليد الآباء، وزهدوا في الإيمان بالأنبياء، ومع هذا فآباؤهم أجهل الناس، وأشدهم ضلالًا وهذه شبهة لرد الحق واهية، فهذا دليل على إعراضهم عن الحق، ورغبتهم عنه، وعدم إنصافهم» 232.
«رد عليهم، وبيان لبطلان الاعتماد في الدين على مجرد تقليد الآباء» 233.
فهم بعد ما عقلوه وفهموه، يؤولونه تبعًا لأهوائهم لكن المسلم العاقل لا يحرف ولا يؤول بل يتبع ما أنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من قرآن أو سنة.
قال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) } [البقرة: 75] .
«في ذلك قولان:
أحدهما: أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حرامًا والحرام حلالًا اتباعًا لأهوائهم وإعانة لراشيهم، وهذا قول مجاهد والسدي.
والثاني: أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا قول الربيع بن أنس وابن إسحاق» 234.
«ومعنى الآية الكريمة: أفتطمعون- أيها المؤمنون- بعد أن وصفت لكم من حال اليهود ما وصفت من جحود ونكران، أن يدخلوا في الإسلام. والحال أنه كان فريق من علمائهم وأحبارهم يسمعون كلام الله ثم يميلونه عن وجهه الصحيح من بعد ما فهموه، وهم يعلمون أنهم كاذبون بهذا التحريف على الله تعالى، أو يعلمون ما يستحقه محرفه من الخزي والعذاب الأليم» 235.
«والمراد من التحريف أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة، فجعلوا حلاله حرامًا أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم، كتحريفهم صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسقاط الحدود عن أشرافهم، أو سمعوا كلام الله لموسى فزادوا فيه ونقصوا، وهذا إخبار عن إصرارهم على الكفر وإنكار على من طمع في إيمانهم وحالهم هذه الحال: أي ولهم سلف حرفوا كلام الله وغيروا شرائعه وهم مقتدون بهم متبعون سبيلهم» 236.