فهرس الكتاب

الصفحة 1795 من 2431

وقال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28) } [العنكبوت:28] .

فتعريف الفاحشة في اللواط إنما يدل على أنه أفحش من الزنا.

ولا خلاف أن عمل قوم لوط أعظم من الزنا.

قال ابن القيم: «ومن تأمل قوله سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} ، وقوله تعالى في اللواط: {لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ} تبين له تفاوت ما بينهما؛ فإنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنا، أي هو فاحشة من الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم الفاحشة، أي: تأتون الخصلة التي استقر فحشها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا ينصرف الاسم إلى غيرها» 32.

والمسلم مأمور باجتناب الفواحش، فكل آية في القرآن تحرم علينا الفاحشة، فهي محرمة لفعل قوم لوط، وقد عاقب الله أهل هذه القرية بالهلاك، فجعل عاليها سافلها، وكذلك قلبوهم، ونكسوا في العذاب على رؤوسهم، فالجزاء من جنس العمل.

قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) } [الأعراف:84] .

وقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) } [هود:82 - 83] .

وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث عن مقارفة هذه الفاحشة اللعينة، ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم دواعيها وما يؤدي إلى ملابستها، وقد جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد) 33.

ففي الحديث تجد النهي عن نظر الرجل إلى عورة الرجل، والمرأة إلى عورة المرأة، وكذا نظر الرجل إلى عورة المرأة والمرأة إلى عورة الرجل حرام بالإجماع، أما قوله صلى الله عليه وسلم: (ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد) وكذا المرأة مع المرأة؛ فهو نهي تحريم إذا لم يكن بينهما حائل، وفيه دليل على تحريم لمس عورة غيره بأي موضع من بدنه؛ لأن ممارسة الفواحش (الزنا واللواط) تؤدي إلى الإصابة بالأمراض المهلكة، إذ تنتقل الأمراض التناسلية عن طريق الاتصال الجنسي غير المشروع، ومنها: الإيدز، الزهري، السيلان.

الإيدز: يعني فقدان جسم الإنسان القدرة على مقاومة الأمراض، وينتقل المرض عن طريق الاتصال الجنسي المحرم بين الذكور والذكور (اللواط) ، أو بين الذكور والإناث (الزنا) .

الزهري: وهو مرض خطير ينتج عن ممارسات الجنس الشاذة.

السيلان: مرض ينتشر في أوساط الفسقة الفجرة لارتباطه بارتكاب الفاحشة، فهو غالبا ما يصيب الجهاز البولي والتناسلي للرجل والمرأة، وتنتقل العدوى من الشخص المصاب إلى السليم عن طريق المباشرة باللواط أو عند الزنا بالنساء، وغير ذلك.

وأما حد جريمة اللواط: فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الفاعل والمفعول به، ففي الحديث: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) 34.

وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل الفاعل والمفعول به؛ لأنه لا خير في بقائهما؛ لفساد طويتهما، فمن كان بهذه المثابة فلا خير للخلق في بقائه، فلا حياء ولا كرامة ولا إيمان لهؤلاء.

ولما كان الجرم شديدًا والعاقبة وخيمة وجب دعاء الله تبارك وتعالى والتضرع إليه؛ لأن الله لا يرد من طلب معونته بالصدق معه، والبعد عن أسبابها، وما يذكر المرء بها، والابتعاد عن أصحاب السوء، وأن يشغل المرء نفسه بالطاعة، فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، فالعاقل من يفكر في كل عمل يقوم به، فيدرك أن النشوة المحرمة تعقبها منغصات وآلام وندم وقلق يلازمه دائمًا.

ومن ثم فإن عليه المبادرة بالزواج، فإن لم يستطع فالإكثار من الصوم، فالصوم جنة؛ لأنه يكبح جماح الشهوات، والخشوع في الصلاة، والإقبال على الله؛ فإنها تنهى عن كل فاحشة وكل منكر.

قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت:45] .

ومن ثم فإنه يجب أن يدرك الناس أن الله يغفر الذنوب جميعا.

قال تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) } [الزمر:53] .

فلا يخرج من هذا العموم ذنب واحد، وهذا في حق التائبين خاصة.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} [الطلاق:1] .

قال ابن عطية: «قال بعض الناس: الفاحشة متى وردت في القرآن معرفة فهي الزنا، ومتى وردت منكرة فهي المعاصي، يراد بها سوء عشرة الزوج، ومرة غير ذلك» 35.

وقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} الفاحشة: الفعلة الشديدة السوء، بهذا غلب إطلاقها، وهي متى وردت منكرة فهي المعاصي، ووصفها بـ {مُبَيِّنَةٍ} يراد به أنها واضحة في جنس الفواحش، أي: فاحشة عظيمة، وقد اختلف في المراد من الفاحشة هنا، وفي معنى الخروج لأجلها، قال القرطبي: «قال ابن عباس وابن عمر والحسن والشعبي ومجاهد: هو الزنا، فتخرج ويقام عليها الحد. وعن ابن عباس أيضًا والشافعي أنه البذاء على أحمائها، فيحل لهم إخراجها» 36.

وقال ابن عطية: «قال ابن عباس: ذلك النداء على الأحماء، فتخرج ويسقط حقها في السكنى» 37.

وقال تعالى: {يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} [الأحزاب:30] .

يخاطب الله نساء النبي؛ لأنهن صرن على عهد مع الله أن يؤتيهن أجرا عظيما، ويحذرهن من المعاصي، وجعل عذاب المعصية على فرض أن تأتيها إحداهن عذابا مضاعفا، والمراد بالنساء هنا الحلائل، والفاحشة المعصية، وكلما وردت الفاحشة في القرآن نكرة فهي المعصية، وإذا وردت معرفة فهي الزنا ونحوه.

وقال ابن عطية عن (الفاحشة) : «إذا وردت موصوفة بالبيان فهي عقوق الزوج وفساد عشرته، ولذلك يصفها بالبيان، إذ لا يمكن سترها» 38.

وقد تطلق الفاحشة على الأعمال السئية عمومًا.

قال تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} [الأعراف:28] قيل: (فاحشة) «كانت النساء تطوف بالبيت عراة عليهن الرهاط» 39.

كانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا. فتضع المرأة على قبلها النسعة، فتلك الفاحشة التي وجدوا عليها آباءهم الطواف عرايا.

وقال القرطبي: «الفاحشة هنا في قول أكثر المفسرين طوافهم بالبيت عراة، وقال الحسن: هي الشرك والكفر» 40.

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء:19] .

قال ابن عطية: «واختلف الناس في معنى الفاحشة هنا، فقال الحسن بن أبي الحسن: هو الزنا. وقال ابن عباس رضي الله عنه: الفاحشة في هذه الآية البغض والنشوز. وقاله الضحاك وغيره» 41.

وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأعراف:33] .

«قال الكلبي: لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت عيرهم المشركون؛ فنزلت هذه الآية. والفواحش الأعمال المفرطة في القبح، ما ظهر منها وما بطن، وعن مجاهد قال: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا} نكاح الأمهات في الجاهلية {وَمَا بَطَنَ} الزنا. وقال قتادة: سرها وعلانيتها» 42.

من الإعجاز التشريعي في القرآن أن الله تبارك وتعالى أنزل فيه تحريم الزواج بين بعض الأفراد، وهذا المنع إما لشدة القرابة بين الذكر والأنثى، التي من شأنها أن تأبى على كل واحد منهما أن يعاشر الآخر معاشرة الأزواج، لما في ذلك من منافاة للفطرة، ولما قد ينعكس عن ذلك من آثار غير حميدة على أبناء المجتمع، كما يكون له تأثير على النسل، إلى جانب ما يكون هناك من موروثات تنتقل من فرد إلى فرد من أفراد الأسرة القريبين من بعضهم كل القرب، ومن ثم نص القرآن على حرمة التزوج بالمحارم: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الإخوة، وبنات الأخوات، وهو ما يعرف بنكاح المحارم.

قال تعالى: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) } [النساء:22] .

يقال: كان الناس يتزوجون امرأة الأب برضاها بعد نزول قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا} حتى نزلت هذه الآية: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} ، فصار حرامًا في الأحوال كلها؛ لأن النكاح يقع على الجماع والتزوج؛ فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه 43.

وقيل: «الصحابة تلقت الآية على ذلك المعنى؛ ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء، وقد كان في العرب قبائل قد اعتادت أن يخلف ابن الرجل على امرأة أبيه 44.

وكانت في قريش مباحة مع التراضي، وقوله تعالى: {إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ} أي: تقدم ومضى، أي: لكن ما قد سلف فاجتنبوه ودعوه، فإن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف، وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} عقب بالذم البالغ المتتابع، وذلك دليل على أنه فعل انتهى من القبح إلى الغاية.

قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:23 - 24] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، وتلا هذه الآية 45.

وقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} فحرم نكاح أمهاتكم ونكاح بناتكم، فقد بين في هذه الآية ما يحل من النساء وما يحرم، كما ذكر تحريم حليلة الأب، فحرم الله سبعا من النسب وستا من رضاع وصهر، وألحقت السنة المتواترة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ففي الحديث: (عن قبيصة بن ذؤيب أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها والمرأة وخالتها؛ فنرى خالة أبيها بتلك المنزلة؛ لأن عروة حدثني عن عائشة قالت: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب) 46.

فالسبع المحرمات من النسب: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ، وبنات الأخت.

أما قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ} فعطف على المحرمات المذكورات قبلها، وقد اختلف في تأويلها، فقيل: «المراد بالمحصنات هنا المسبيات ذوات الأزواج خاصة، أي: هن محرمات، إلا ما ملكت اليمين بالسبي من أرض المعركة، وفي قول آخر: هن ذوات الأزواج؛ ويرجع ذلك إلى أن الله حرم الزنا. وقيل: يراد به العفائف، أي: كل النساء حرام، وألبسهن اسم الإحصان، من كان منهن ذات زوج أو غير ذات زوج» 47.

والسبع المحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة، والأخوات من الرضاعة، وأمهات النساء، والربائب: ابنة زوجه، وحلائل الأبناء -الحلائل جمع حليلة، وهي زوج الابن- والجمع بين الأختين، وألا يتزوج الابن امرأة أبيه، أي: من سبق للآباء الزواج منهن.

ومعنى قوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} أي: اللاتي دخلتم بهن.

وقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} أي: لا يحل له الزواج من ابنة زوجته التي دخل بها.

وقال ابن عطية: «اختلف العلماء في معنى قوله: {دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} فقال ابن عباس وطاوس وابن دينار: الدخول في هذا الموضع الجماع، فإن طلق الرجل بعد البناء وقبل الوطء؛ فإن ابنتها له حلال. وقال جمهور من العلماء منهم مالك ابن أنس وعطاء بن أبي رباح وغيرهم: إن التجريد والتقبيل والمضاجعة وجميع أنواع التلذذ يحرم الابنة كما يحرمها الوطء» 48.

وقد جاء النهي صريحًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج البنت) 49.

وعن مالك عن غير واحد أن عبد الله بن مسعود استفتي وهو بالكوفة عن نكاح الأم بعد الابنة إذا لم تكن الابنة مست فأرخص في ذلك، ثم إن ابن مسعود قدم المدينة فسأل عن ذلك فأخبر أنه ليس كما قال وإنما الشرط في الربائب، فرجع ابن مسعود إلى الكوفة، فلم يصل إلى منزله حتى أتى الرجل الذي أفتاه بذلك فأمره أن يفارق امرأته. قال مالك في الرجل تكون تحته المرأة ثم ينكح أمها فيصيبها: إنها تحرم عليه امرأته ويفارقهما جميعا ويحرمان عليه أبدًا إذا كان قد أصاب الأم، فإن لم يصب الأم لم تحرم عليه امرأته وفارق الأم.

وقال مالك في الرجل يتزوج المرأة ثم ينكح أمها فيصيبها: إنه لا تحل له أمها أبدًا، ولا تحل لأبيه ولا لابنه، ولا تحل له ابنتها وتحرم عليه امرأته. قال مالك: فأما الزنا فإنه لا يحرم شيئا من ذلك؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: {وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ} فإنما حرم ما كان تزويجًا ولم يذكر تحريم الزنا، فكل تزويج كان على وجه الحلال يصيب صاحبه امرأته فهو بمنزلة التزويج الحلال، فهذا الذي سمعت والذي عليه أمر الناس عندنا 50.

وقوله تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ} ، وهي في التحريم نحو ما جاء في الحديث الشريف:

عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (جاء عمي من الرضاعة فاستأذن علي، فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فقال: إنه عمك فأذني له. قالت: فقلت: يا رسول الله، إنما أرضعتني المرأة، ولم يرضعني الرجل؟! قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه عمك فليلج عليك. قالت عائشة: وذلك بعد أن ضرب علينا الحجاب. قالت عائشة: يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) 51.

فإذا أرضعت المرأة طفلًا حرمت عليه؛ لأنها أمه، وبنتها؛ لأنها أخته، وأختها؛ لأنها خالته، وأمها؛ لأنها جدته، وبنت زوجها؛ لأنها أخته، وأخته؛ لأنها عمته، وأمه؛ لأنها جدته، وبنات بنيها وبناتها؛ لأنهن بنات إخوته وأخواته.

قوله تعالى: {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ} أي: حرم جمع الزوجتين بعقد النكاح، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن) كما جاء في الحديث.

عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: (يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان. فقال: أوتحبين ذلك؟ فقلت: نعم، لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن ذلك لا يحل لي. قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: بنت أم سلمة؟ قلت: نعم. فقال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن. قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة. قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة) 52.

ومن المحارم، كذلك تحريم الجمع بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها، فقد جاء في الحديث: (عن قبيصة بن ذؤيب أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح المرأة على عمتها والمرأة وخالتها، فنرى خالة أبيها بتلك المنزلة؛ لأن عروة حدثني عن عائشة قالت: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب) 53.

تتنوع أسباب ارتكاب الفواحش تبعا لاختلاف الأفراد في المجتمع، فتجد لكل عاص أسبابه الخاصة التي تدفعه لارتكاب الفاحشة، فقد تكون هذه الأسباب بسبب عصيان أوامر الله أو اجتناب نواهيه، وكل عصيان لله يكون بتتبع خطوات الشيطان، واتباع هوى النفس بممارسة الفاحشة، أو تقليد أصحاب السوء؛ لذلك كان الأمر من الله تعالى بعدم الاقتراب من الفواحش على نحو ما سنبينه.

أولًا: عصيان أوامر الله تعالى:

المعصية: مخالفة الأمر قصدًا 54.

وهي نوعان:

-إما أن لا تفعل أمرًا، فتتمرد عليه، نحو قوله تعالى: وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) [الكهف:69] .

-وإما أن ترتكب أمرًا منهيًا عنه، نحو قوله تعالى: (فَعَصَى? فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) [المزمل:16] .

وهذه تحدث وقت صدور الأمر بافعل أو لا تفعل، ويقال لك: افعل فلا تفعل، أو يقال لك: لا تفعل فتفعل، ولا تسمى عاصيًا إلا إذا لم تطبق الأمر ساعة صدوره إليك، فقد خلق الله الكون لحكمة يعلمها، وخلق الإنسان ليعبده ويمجده ويسبح بحمده ويفعل ما يأمره به، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56] .

قال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما: المعنى: وما خلقت الجن والإنس إلا لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية، فعبر عن ذلك بقوله (لِيَعْبُدُونِ) إذ العبادة هي مضمون الأمر 55.

لذلك فإن الإنسان إذا ما سولت له نفسه عصيان أوامر الله تعالى وطاعة الشيطان فلا يلومن إلا نفسه.

قال تعالى: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) [الأنعام:15] .

قال تعالى: (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء:216] .

فقد حذرنا الله تعالى من مغبة المعصية وعواقبها الوخيمة، وحذرنا من التمادي فيها.

قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى? بِهِمُ الْأَرْضُ) [النساء:42] .

قال: «والمعنى: لو يسوي الله بهم الأرض، أي: يجعلهم والأرض سواء. تمنوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم؛ أنهم من التراب نقلوا» 56.

وذلك لأنهم عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال تعالى: (ٹلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى? لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? ذَ?لِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ?78?كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ?79?) [المائدة:78 - 79] .

ولقد لعن العصاة المعتدون بسبب عصيانهم؛ ولأنهم لم يكونوا ينهون أنفسهم عن ارتكاب المعاصي.

قال القرطبي في قوله تعالى: (كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ) «أي: لا ينهى بعضهم بعضا، وقوله تعالى: (لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ذم لتركهم النهي، وكذا من بعدهم يذم من فعل فعلهم» 57.

ذم الله تعالى هذه الفرقة الملعونة؛ لأنهم كانوا يتجاهرون بالمعاصي، وإن نهى منهم ناه فعن غير جد، بل كانوا لا يمتنع الممسك منهم عن مواصلة العاصي ومؤاكلته وخلطته.

وقال ابن عطية: «والإجماع منعقد على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين، فإن خاف فينكر بقلبه ويهجر ذا المنكر ولا يخالطه» 58.

ثانيًا: اتباع خطوات الشيطان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت