فهرس الكتاب

الصفحة 1550 من 2431

والآية الكريمة واردة في سياق ذم بني البشر الذين تنكبوا الصراط المستقيم، وكفروا بربهم الذي أخذ عليهم العهد في عالم الذر، وتأكد هذا المعنى بذكر قصة الذي أوتي آيات الله ثم انسلخ منها، واتضح هنا أكثر ببيان أن بعضًا من أشقياء الجن والإنس عطلوا حواسهم فلم يستعملوها فيما ينجيهم من عذاب الله تعالى، وخزي الآخرة.

ومعنى نفي الفقه والإبصار والسمع هنا عن آلاتها الكائنة فيهم: أنهم عطلوا أعمالها بترك استعمالها في أهم ما تصلح له، وهو معرفة ما يحصل به الخير الأبدي، ويدفع به الضر السرمدي؛ لأن آلات الإدراك والعلم خلقها الله؛ لتحصيل المنافع ودفع المضار، فلما لم يستعملوها في جلب أفضل المنافع، ودفع أكبر المضار نفى عنهم عملها على وجه العموم للمبالغة؛ لأن الفعل في حيز

النفي يعم مثل النكرة، فهذا عام أريد به الخصوص للمبالغة.

وليس في تقديم الأعين على الآذان مخالفة لما جرى عليه اصطلاح القرآن من تقديم السمع على البصر؛ لأن الترتيب في آية سورة الأعراف سلك طريق الترقي من القلوب التي هي مقر المدركات إلى آلات الإدراك، القلوب ثم الأعين ثم الآذان، فللقلوب المرتبة الأولى في الارتقاء 41.

يليها العين حيث تمثل المرتبة الثانية في الإدراك.

ثم الأذن التي تمثل المرتبة الثالثة في الإدراك.

فالآية وردت بترتيب آلات الإدراك، وهي علي حد قوله تعالى: (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ? أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا ? أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا ? أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ? قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ(195 ) ) [الأعراف: 195] .

والآية وإن كانت واردة في شأن الأصنام إلا أنها وصفت بما وصف به عابدوها قبل ذلك من نفي أو تعطيل آلات الإدراك والعلم، أو أنهم خوطبوا على وفق ما يعتقدونه فيها. والله أعلم.

وسبحان من هذا كلامه وبيانه، وصدق الله حين وصفه بقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ? وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا [النساء: 82] .

2.المزدرية.

هي: العين التي تحتقر ما تقع عليه وتستصغره؛ تقليلًا لشأنه، وتهوينًا من أمره.

وهذا الوصف مأخوذ من قولهم: زريت عليه: أي: عبته، وأزريت به: أي قصرت به، وازدريت، أصله: افتعلت، والإزراء: التهاون بالناس 42.

وعليه فالعين المزدرية أي: المحتقرة للآخرين، المستصغرة لشأنهم، وقد ورد هذا الوصف في موضع واحد، هو قوله تعالى: (وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ? اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ? إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) [هود: 31] .

والآية واردة في ثنايا قصة سيدنا نوح عليه السلام ومجادلته قومه، وفي هذا السياق نفى نوح عليه السلام «أربعة أمور:

أولها: أنه ليس عنده خزائن، فهو في الأموال دونهم، فالله تعالى لم يبعث رسولا يعطيه خزائن الأرض، لكن يبعثه بما هو أعز وأغلى وهو إثراء الروح والنفس بمحبة الله ورجاء ثوابه وتقوى الله تعالى وخوف عقابه.

ثانيها: نفى أنه يعلم الغيب، فما جاء إلا هاديًا للحق وداعيًا إلى الله تعالى، وذلك لا يقتضي علم الغيب الذي اختص الله تعالى به نفسه، وهو في هذا مثلكم.

ثالثها: أنه لا يقول إنه ملك، وهو بشر مثلكم نشأ بينكم وعرفتم حياته، وأنه بشر كسائر البشر.

رابعها: نفى أنه يقول للمؤمنين الذين تحتقرهم أعينكم: لن يؤتيهم الله خيرًا، بل لهم الخير كل الخير، وأشار بقوله: (أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ) [هود: 31] .

إلى أن الاعتبار ليس للصورة ولكن إلى نور القلوب 43.

وهنا نسب الازدراء للأعين لأحد أمرين:

الأول: إما بالنظر إلى قولهم: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) [هود: 27] .

الثاني: أو الإشعار بأنهم قالوا ذلك لقصور نظرهم، ولو تدبروا في شأنهم ما فعلوا ذلك.

أي: لا أقول في شأن الذين استرذلتموهم واحتقرتموهم لفقرهم من المؤمنين: لن يؤتيهم الله خيرًا في الدنيا أو في الآخرة، فعسى الله أن يؤتيهم خيري الدارين 44، والله أعلم.

3.الدوارة.

يقصد بها: العين المضطربة كثيرة الحركة والتجول من شدة الخوف والفزع لعظيم ما دهاها.

أو هي: الهلعة التي تدور هلعًا من شدة الخوف.

واستفيد هذا الوصف من قوله تعالى في وصف المنافقين: (إِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى? عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ?) [الأحزاب: 19] .

وهذه الآية الكريمة واردة في سياق غزوة الخندق من سورة الأحزاب؛ لتصف بعضًا من أحوال المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، وبيان أن المنافقين قوم جبناء خوارون بخلاء، فإذا جاء الخوف واقترب الوقت الذي يتوقع فيه اللقاء بينكم وبين أعدائكم، رأيتهم -أيها الرسول الكريم- ينظرون إليك بجبن وهلع، تدور أعينهم في مآقيهم يمينًا وشمالًا، كحال المغشي عليه من الموت، وجيء بصيغة المضارع في (يَنْظُرُونَ) ؛ ليدل على تكرر هذا النظر وتجدده.

وجملة (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ) : حال من ضمير (يَنْظُرُونَ) لتصوير هيئة نظرهم نظر الخائف المذعور الذي يحدق بعينيه إلى جهات يحذر أن تأتيه المصائب من إحداها.

والدور والدوران: تحرك جسم حركة دائرية -كحركة الرحى- منتقل من موضع إلى موضع، فينتهي إلى حيث ابتدأ، يقال: دار الشيء يدور دورًا ودورانًا وأدار الشيء: جعل حركاته تتواتر بعضها إثر بعض 45.

ومشتقات هذا الفعل تدور حول هذا المعنى، فالدار اسم للمكان المحدود المحيط بسكانه بحيث يكون حولهم، ومنه سميت الدارة لكل أرض تحيط بها جبال، وقالوا: دارت الرحى حول قطبها. وسموا الصنم: دوارا -بضم الدال وفتحها-؛ لأنه يدور به زائروه كالطواف، وسموا ما يحيط بالقمر والشمس دائرة، وسميت مصيبة الحرب دائرة؛ لأنهم تخيلوها محيطة بالذي نزلت به لا يجد منها مفرًا.

وعليه فمعنى (تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ) : أنها تضطرب في أجفانها كحركة الجسم الدائري من سرعة تنقلها محملقة إلى الجهات المحيطة، وشبه نظرهم بنظر الذي يغشى عليه بسبب النزع عند الموت فإن عينيه تضطربان، ويصير حاله في أقصى دركات الوهن والخوف والفزع.

وفي الآية الكريمة حذف تقديره: تدور أعينهم دورانا كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت، فحذف المصدر وهو (دورانا) وما أضيفت الكاف إليه وهو (دوران) وما أضيف (دوران) إليه وهو (عين) وأقيم (الذي) مقام (عين) ، وإنما وجب هذا التقدير؛ ليستقيم معنى الكلام 46، والله أعلم.

ويقارب هذه الآية في المعنى قوله تعالى: (فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ ? رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ? فَأَوْلَى? لَهُمْ) [محمد: 20] .

وهي الأخرى تصف المنافقين بهذه الحالة من الهلع والخوف والذعر الذي ينتابهم حين يطالبون بالقتال أو الاشتراك فيه مع المؤمنين، إلا أن الآية السابقة دلت على هذا الوصف مع الحركة والاضطراب، وهذه دلت عليه مع السكون وثبات الحدقة وعدم التحريك، وفي ذلك يقول ابن عاشور:

«ووجه الشبه: ثبات الحدقة وعدم التحريك، أي: ينظرون إليك نظر المتحير بحيث يتجه إلى صوب واحد، ولا يشتغل بالمرئيات؛ لأنه شاغل عن النظر» 47.

فسبحان من هذا كلامه، ومنطقه وبيانه.

4.المطموسة.

هي: العين التي لا يكون بين جفنيها شق، حتى تصير كأنها ممسوحة.

والطمس: إزالة الأثر بالمحو كلية، كما تطمس الريح الأثر، يقال: أعمى طميس ومطموس: إذا كان لا يتبين له جفن، ولا يرى شفر عينه 48.

وهذا الوصف ورد في موضعين، هما قوله تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى? أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى? يُبْصِرُونَ) [يس: 66] .

وقوله تعالى: (وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِں) [القمر:37] .

والآية الأولى: واردة في سياق ذم الكفار وتوبيخهم على تركهم سلوك طريق الحق مع وضوحه، فبين الله تعالى لهم هنا بعض مظاهر قدرته عليهم.

والمعنى: لو نشاء لأعميناهم فعدلوا عن الهدى، فلو أرادوا أن يمشوا مستبقين الطريق المألوف لم يستطيعوا، فكيف بغيره؟ ومن أين يبصرون لو فعلنا بهم ذلك؟!

والثانية: واردة في سياق قصة لوط عليه السلام مع قومه، حيث تعرض الآية مشهدًا من مشاهدها، حيث راودوه عن ضيفه من الملائكة الكرام، ونهاهم لوط عليه السلام عن ذلك، وحذرهم عقاب الله، إلا أنهم لم يرعووا، فطمس الله أعينهم فلم يروا الأضياف، وخرجوا من بينهم سالمين.

ويلاحظ على الآيتين الكريمتين هنا أمران:

الأول: أن الطمس لم يقع في الآية الأولى، بل هو وارد على سبيل التهديد والوعيد، ويدل عليه وقوع فعل المشيئة في أسلوب الشرط، ولعل هذا من فرط رحمة الله تعالى بعباده، إذ لم يعاجلهم بالعقوبة، حتى لو كانوا كفارًا، بينما وقع الطمس في قصة لوط عليه السلام، حيث ضربهم جبريل عليه السلام على أعينهم فأعماهم، وورد الفعل ماضيًا (فَطَمَسْنَا) ؛ ليؤكد ذلك.

الثاني: الدلالة على تمكن الطمس وقوته عند وقوعه، وذلك للتعبير بحرف الاستعلاء (على) في الموطن الأول، مع أن الطمس يتعدى بنفسه 49 كما جاءنا في الموطن الثاني. والله أعلم.

5.الخائنة.

يقصد بها: العين التي تنظر خلسة إلى ما لا يحل لها.

أو المراد: العين التي يومئ صاحبها بخلاف ما يظهر من غدر أو قتل أو ضرب أو خيانة ونحوها فإذا كان ظهور تلك الخيانة من قبل عينه كانت عينه من خائنة الأعين 50.

وهذا الوصف وردت الإشارة إليه في آية واحدة هي قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19] .

علق سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما على الآية السابقة فقال: الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، فإن رأى منهم غفلة نظر إليها، فإن خاف أن يفطنوا به غض بصره، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود أنه نظر إلى عورتها 51.

وذكر ابن حجر عن بعض أهل العلم: أن معنى {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} : أن الله يعلم النظرة المسترقة إلى ما لا يحل، وأما خائنة الأعين التي ذكرت في الخصائص النبوية 52.

فهي الإشارة بالعين إلى أمر مباح لكن على خلاف ما يظهر منه بالقول.

قلت 53: وكذا السكوت المشعر بالتقرير فإنه يقوم مقام القول 54.

ولما كانت هذه الخيانة من قبل العين أضيفت إليها، وكان يحرم عليه صلى الله عليه وسلم خائنة الأعين في غير الحرب، ومكايدة العدو وهي أن يشير إلى مباح من غير أن يظهره من ضرب، أو قتل أو نحوه - كما مر - مما يحل أن ينطق به، ولا يحرم ذلك على الأمة إلا في محظور 55.

وفي ضوء ذلك نعلم أن هذا الوصف للعين ذمه القرآن الكريم، وذم متصفيه مما يؤكد أهمية ابتعاد المسلم عنه، وبخاصة إذا كان في أمر محظور نهى الشرع عنه، ولم يكن في مكيدة أو حرب، والله أعلم.

3.أعين لا توصف بمدح ولا ذم.

مر بنا حديث القرآن عن العين المحمودة أولًا، ثم المذمومة ثانيًا، وها نحن أولاء في هذا الموضع نقف على صفات العين الخارجة عن المدح والذم، وهي مرتبة حسب ترتيبها المصحفي كما يلي:

1.المسحورة.

هي: العين التي وقع عليها تأثير السحر، فيخيل إليها أنها ترى أشياء غير حقيقية أو واقعية.

أو هي: العين الواقعة تحت التأثير النفسي للسحر، فلا ترى الأشياء على حقيقتها.

وهذا الوصف للعين ورد في موضع واحد من كتاب الله تعالى، وهو قوله تعالى: (قَالَ أَلْقُوا ? فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) [الأعراف: 116] .

ويلاحظ على الآية الكريمة أمران:

أولهما: أن الله تعالى نسب السحر إلى الأعين، ولم ينسبه إلى الناس أنفسهم؛ للدلالة على أنهم سحروا أعين الناس وعقولهم، أى: خيلوا إلى الأبصار -بما فعلوا من التمويه والتخييل- أن صنيعهم له حقيقة في الخارج مع أنه لم يكن إلا مجرد صنعة وخيال، فتأثيرهم في الرؤية لا في تغيير الحقيقة، ولذا لم يقل سبحانه سحروا الناس 56.

ثانيهما: أن لفظ (الأعين) الوارد على أحد أوزان جمع القلة (أفعل) ، مراد به الكثرة لا القلة؛ لأن الناس في هذا اليوم جمعهم فرعون من كل حدب وصوب لرؤية هذا الحدث الجلل، تصديقًا لقوله تعالى: (قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) [طه: 59] .

وقوله تعالى: (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ(39) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40) [الشعراء: 39: 40] .

ونحو ذلك من الآيات المفيدة كثرة الناس في هذا المشهد المهيب، أو أن جمع القلة على بابه والمقصود به طائفة مخصوصة من الناس، وهم قوم فرعون ومن جمعهم لمثل هذا الأمر، والله أعلم.

2.المبيضة.

هي: العين التي غلب البياض على حدقتها من شدة الحزن، المستلزم لكثرة البكاء فتذهب الرؤية عنها 57.

واخترت هذه التسمية بدلًا من (البيضاء) ؛ لأن كلمة (البيضاء) توحي بأن هذا الوصف ذاتي للموصوف، وليس الأمر كذلك، بل جاءها البياض، وغلب على العين بعد ذلك لسبب من الأسباب كالحزن وكثرة البكاء ونحوهما، وهذا الوصف وارد في موطن واحد في قوله تعالى: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} [يوسف: 84] .

والآية مسوقة -كما هو معلوم- ضمن قصة يوسف عليه السلام؛ لبيان عظم حزن أبيه يعقوب عليه السلام عليه، وللمفسرين في ابيضاض العين قولان:

أولهما: أنه ذهب بصره كلية.

ثانيهما: أنه ضعف بصره؛ لبياض حصل فيه من كثرة بكائه 58.

وذهب بعضهم: إلى أن الآية من قبيل المجاز، وعليه فقوله: {وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ} كناية عن غلبة البكاء 59، وليس ثمة ذهاب للبصر أو بعضه.

وأرجح القول الأول، حيث إن ظاهر القرآن يؤيده في قوله تعالى: {اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا} [يوسف: 93] إلى أن قال تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا} [يوسف: 96] .

فقوله: {يَأْتِ بَصِيرًا} و {فَارْتَدَّ بَصِيرًا} يقتضيان سبق العمى، الذي أفضى إليه شدة الحزن وكثرة البكاء، والله أعلم.

ثالثًا: العيون الممنون بها على بعض الأقوام السابقين.

مَنَّ الله تعالى على بعض الأقوام السابقين -كما منَّ علينا أيضًا- ببعض عيون الأرض؛ لإصلاح معايشهم ومنافعهم، ومن هؤلاء الأقوام:

1.قوم هود عليه السلام.

قوم هود عليه السلام كانوا يسكنون الأحقاف، وهي جبال رملية قرب حضرموت من ناحية اليمن، وقد جاؤوا بعد قوم نوح عليه السلام، وكانوا ممن زاغت قلوبهم بعد فترة من الطوفان الذي طهر وجه الأرض من العصاة.

وقد وردت هذه القصة في (الأعراف) وفي (هود) مفصلة، كما وردت في سورة (المؤمنون) بدون ذكر اسم هود أو عاد، وهي تعرض هنا في (الشعراء) مختصرة بين طرفيها: طرف دعوة هود لقومه، وطرف العاقبة التي انتهى إليها المكذبون منهم 60، وقبل هلاكهم ذكرهم نبيهم عليه السلام بعظيم نعم الله تعالى عليهم، والتي منها عيون الماء، ولولاها -بعد الله تعالى- ما كانت لهم حياة ولا وجود ألبتة، لكنهم لم يستجيبوا ولم يؤمنوا فحاق بهم سوء العذاب، وهذا ما ذكره الله تعالى بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 131 - 135] .

هذا ويلاحظ على الآيات الكريمة أمور كما يلي:

أولها: أن سيدنا هودًا عليه السلام استعمل مع قومه في دعوته (أسلوب التفصيل بعد الإجمال) في قوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ} [الشعراء: 132 - 133] .

وهذا بلا شك أوقع في النفس، وأبلغ في الموعظة والنصح، ولعل دعاة اليوم يستفيدون من مثل هذه المناهج الدعوية للقرآن الكريم.

ثانيها: ابتدأ هود عليه السلام في تعداد النعم بذكر الأنعام؛ لأنها أجل نعمة على أهل ذلك البلد، فمنها أقواتهم ولباسهم وعليها أسفارهم، وكانوا أهل حل وترحال، وعطف عليها البنين؛ لأنهم نعمة عظيمة، وبها أنسهم وعونهم على أسباب الحياة وبقاء ذكرهم بعدهم، وكثرة سوادهم وعددهم 61.

ثالثها: ثم ذكر عليه السلام (الجنات والعيون) بعد ذلك؛ لأن بها رفاهية حالهم، واتساع رزقهم، وعيش أنعامهم 62.

رابعها: ورود النعم المذكورة بصيغة الجمع يدل على تعددها وتنوعها، فهي ليست واحدة، بل أنعام وبنون وجنات وعيون، وهذا الجمع باعتبار التعدد والتنوع، أو باعتبار انفراد كل واحد من القوم بمجموع هذه النعم، وهذا فيه مزيد إكرام وإنعام لهم، ومع ذلك كله لم يتعظوا ولم ينتفعوا فنزل بهم ما أوعدوا به، والله أعلم.

2.قوم صالح عليه السلام.

كما ذكر سيدنا هود عليه السلام قومه بنعم الله تعالى عليهم، ذكر سيدنا صالح عليه السلام قومه كذلك، ومما ذكرهم به هذه الجنات والعيون التى أغدقها الله عليهم، والزروع والنخيل المترتبة على هذه العيون، فالعيون ههنا لم توصف بمدح أو ذم، لكنها واردة في مقام الامتنان والتذكير بنعم الله تعالى، ولننظر إلى سيدنا صالح عليه السلام هنا وهو يذكر قومه بقوله: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ} [الشعراء: 146 - 149] .

وقوله: {أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي: في هذا الخير والسعة آمنين من الموت في البساتين والأنهار، ويقال: العيون هاهنا الآثار؛ لأن قوم صالح لم يكن لهم أنهار جارية 63.

هذا ويلاحظ على الآيات الكريمة هنا أمران:

الأول: أن العيون جاءت مجموعة أيضًا فهذا لتعددها أو تنوعها، وفي كلٍ مزيد إنعام وإكرام.

الثاني: ظاهر هذه الآيات يدل على أن الغالب على قوم هود هو اللذات المعنوية، وهي طلب الاستعلاء والبقاء والتفرد والتجبر، والغالب على قوم صالح هو اللذات الحسية، وهي طلب المأكول والمشروب والمساكن الطيبة الحصينة 64.

3.بنو إسرائيل.

امتن الله تعالى على بني إسرائيل بمنن عظيمة، وأنعم عليهم بنعم كثيرة متنوعة، ومن ذلك هذه العيون التي رزقهم الله تعالى إياها، والمشار إليها في موضعين من كتابه هما قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 57 - 59] .

وقوله تعالى: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ} [الدخان: 25 - 28] .

وفي تفسير العيون قولان:

أحدهما: عيون الماء، وهو قول الجمهور.

والثاني: عيون الذهب، قاله ابن جبير 65.

والظاهر ما رجحه الجمهور؛ لأن الله تعالى قال: {وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} بعد قوله: {جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} ، مما يدل على أن العيون للماء وليست للذهب، فالعيون شيء، والكنوز شيء آخر، فضلًا عن أن الذهب أول ما يكتنز من المعادن، فلفظ الكنوز يدل عليه ويشمله، ولا ثمة داع أن يشار إليه ثانية، فلغة القرآن منزهة عن العبث، والتكرار غير المفيد، والله أعلم.

والموضعان يتحدثان عن إرث بني إسرائيل للجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم، التي كانت لقوم فرعون بعد هلاكهم «والمعنى: أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة، والمواضع التي كانوا يتنعمون فيها؛ لنسلمها إلى بني إسرائيل، وسمى الله الكنوز بهذا الاسم؛ لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى، والمقام الكريم هو المنازل الحسنة والمجالس البهية» 66.

وهذا يقتضي رجوع بني إسرائيل إلى مصر؛ لأن هذه الجنات والعيون والكنوز كانت لفرعون وقومه بمصر، ثم آلت لبني إسرائيل بعد غرق فرعون، فتمتعوا بها فترة معينة، ثم خرجوا إلى الأرض المقدسة التي دعاهم موسى عليه السلام لدخولها كما جاء في قوله تعالى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [المائدة: 21] .

ويلاحظ على هذه الآيات الكريمة أمران:

الأول: أن آيات سورة الشعراء بمثابة التفسير لآيات سورة الدخان، حيث فسرت القوم الآخرين بأنهم بنو إسرائيل، وهذا يعد من قبيل تفسير القرآن بالقرآن، وهو مقدم على كل تفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت